مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ} (8)

قوله تعالى { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } . اعلم أن المفسرين أجمعوا على أن ذلك في وصف المنافقين قالوا : وصف الله الأصناف الثلاثة من المؤمنين والكافرين والمنافقين فبدأ بالمؤمنين المخلصين الذين صحت سرائرهم وسلمت ضمائرهم ، ثم أتبعهم بالكافرين الذين من صفتهم الإقامة على الجحود والعناد ، ثم وصف حال من يقول بلسانه إنه مؤمن وضميره يخالف ذلك ، وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أعلم أن الكلام في حقيقة النفاق لا يتخلص إلا بتقسيم نذكره فنقول : أحوال القلب أربعة ، وهي الاعتقاد المطابق المستفاد عن الدليل وهو العلم ؛ والاعتقاد المطابق المستفاد لا عن الدليل وهو اعتقاد المقلد ، والاعتقاد الغير المطابق وهو الجهل ، وخلو القلب عن كل ذلك . فهذه أقسام أربعة ، وأما أحوال اللسان فثلاثة : الإقرار ؛ والإنكار ، والسكوت . فيحصل من تركيباتها اثنا عشر قسما . النوع الأول : ما إذا حصل العرفان القلبي فههنا إما أن ينضم إليه الإقرار باللسان أو الإنكار باللسان أو السكوت . القسم الأول : ما إذا حصل العرفان بالقلب والإقرار باللسان فهذا الإقرار إن كان اختياريا فصاحبه مؤمن حقا بالإتفاق ، وإن كان اضطراريا وهو ما إذا عرف بقلبه ولكنه يجد من نفسه أنه لولا الخوف لما أقر ، بل أنكر ، فهذا يجب أن يعد منافقا ؛ لأنه بقلبه منكر مكذب ، فإذا كان باللسان مقرا مصدقا وجب أن يعد منافقا لأنه بقلبه منكر مكذب بوجوب الإقرار . القسم الثاني : أن يحصل العرفان القلبي والإنكار اللساني فهذا الإنكار إن كان اضطراريا كان صاحبه مسلما ، لقوله تعالى { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان } وإن كان اختياريا كان كافرا معاندا . القسم الثالث : أن يحصل العرفان القلبي ويكون اللسان خاليا عن الإقرار والإنكار ، فهذا السكوت إما أن يكون اضطراريا أو اختياريا ، فإن كان اضطراريا فذلك إذا خاف ذكره باللسان فهذا مسلم حقا أو كما إذا عرف الله بدليله ثم لما تمم النظر مات فجأة ، فهذا مؤمن قطعا ، لأنه أتى بكل ما كلف به ولم يجد زمان الإقرار والإنكار فكان معذورا فيه ، وأما إن كان اختياريا فهو كمن عرف الله بدليله ثم إنه لم يأت بالإقرار ، فهذا محل البحث ، وميل الغزالي رحمه الله إلى أنه يكون مؤمنا لقوله عليه السلام : «يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان » وهذا الرجل قلبه مملوء من نور الإيمان فكيف لا يخرج من النار . النوع الثاني : أن يحصل في القلب الاعتقاد التقليدي ، فإما أن يوجد معه الإقرار ، أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار ، ثم ذلك الإقرار إن كان اختياريا فهذا هو المسألة المشهورة من أن المقلد هل هو مؤمن أم لا ؟ وإن كان اضطراريا فهذا يفرع على الصورة الأولى ، فإن حكمنا في الصورة الأولى بالكفر ، فهاهنا لا كلام ، وإن حكمنا بالإيمان وجب أن يحكم ها هنا بالنفاق ، لأن في هذه الصورة لو كان القلب عارفا لكان هذا الشخص منافقا ، فبأن يكون منافقا عند التقليد كان أولى . القسم الثاني : الاعتقاد التقليدي مع الإنكار اللساني ، ثم هذا الإنكار إن كان اختياريا فلا شك في الكفر ، وإن كان اضطراريا وحكمنا بإيمان المقلد وجب أن نحكم بالإيمان في هذه الصورة . القسم الثالث : الاعتقاد التقليدي مع السكوت اضطراريا كان أو اختياريا ، وحكمه حكم القسم الثالث من النوع الأول إذا حكمنا بإيمان المقلد . النوع الثالث : الإنكار القلبي فإما أن يوجد معه الإقرار اللساني ، أو الإنكار اللساني ، أو السكوت . القسم الأول : أن يوجد معه الإقرار اللساني ، فذلك الإقرار إن كان اضطراريا فهو المنافق ، وإن كان اختياريا فهو مثل أن يعتقد بناء على شبهة أن العالم قديم ثم بالاختيار أقر باللسان أن العالم محدث ، وهذا غير مستبعد ، لأنه إذا جاز أن يعرف بالقلب ثم ينكر باللسان وهو كفر الجحود والعناد ، فلم لا يجوز أن يجهل بالقلب ثم يقر باللسان ؟ فهذا القسم أيضا من النفاق . القسم الثاني : أن يوجد الإنكار القلبي ويوجد الإنكار اللساني فهذا كافر وليس بمنافق ، لأنه ما أظهر شيئا بخلاف باطنه . القسم الثالث : أن يوجد الإنكار القلبي مع السكوت اللساني فهذا كافر وليس بمنافق لأنه ما أظهر شيئا . النوع الرابع : القلب الخالي عن جميع الاعتقادات فهذا إما أن يوجد معه الإقرار أو الإنكار أو السكوت . القسم الأول : إذا وجد الإقرار فهذا الإقرار إما أن يكون اختياريا أو اضطراريا ، فإن كان اختياريا ، فإن كان صاحبه في مهلة النظر لم يلزمه الكفر ، لكنه فعل ما لا يجوز حيث أخبر عما لا يدري أنه هل هو صادق فيه أم لا ؟ وإن كان لا في مهلة النظر ففيه نظر ، أما إذا كان اضطراريا لم يكفر صاحبه ، لأن توقفه إذا كان في مهلة النظر وكان يخاف على نفسه من ترك الإقرار لم يكن عمله قبيحا . القسم الثاني : القلب الخالي مع الإنكار باللسان وحكمه على العكس من حكم القسم العاشر . القسم الثالث : القلب الخالي مع اللسان الخالي ، فهذا إن كان في مهلة النظر فذاك هو الواجب ، وإن كان خارجا عن مهلة النظر وجب تكفيره ولا يحكم عليه بالنفاق البتة ، فهذه هي الأقسام الممكنة في هذا الباب ، وقد ظهر منه أن النفاق ما هو ، وأنه الذي لا يطابق ظاهره باطنه سواء كان في باطنه ما يضاد ما في ظاهره أو كان باطنه خاليا عما يشعر به ظاهره ، وإذ عرفت هذا ظهر أن قوله { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر } المراد منه المنافقون والله أعلم .

المسألة الثانية : اختلفوا في أن كفر الكافر الأصلي أقبح أم كفر المنافق ؟ قال قوم كفر الكافر الأصلي أقبح ، لأنه جاهل بالقلب كاذب باللسان ، والمنافق جاهل بالقلب صادق باللسان . وقال آخرون بل المنافق أيضا كاذب باللسان ، فإنه يخبر عن كونه على ذلك الاعتقاد مع أنه ليس عليه ، ولذلك قال تعالى { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } وقال { والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } ثم إن المنافق اختص بمزيد أمور منكرة . أحدها : أنه قصد التلبيس والكافر الأصلي ما قصد ذلك . وثانيها : أن الكافر على طبع الرجال ، والمنافق على طبع الخنوثة . وثالثها : أن الكافر ما رضي لنفسه بالكذب بل استنكف منه ولم يرض إلا بالصدق ، والمنافق رضي بذلك . ورابعها : أن المنافق ضم إلى كفره الاستهزاء بخلاف الكافر الأصلي ، ولأجل غلظ كفره قال تعالى { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } . وخامسها : قال مجاهد : إنه تعالى ابتدأ بذكر المؤمنين في أربع آيات ، ثم ثنى بذكر الكفار في آيتين ثم ثلث بذكر المنافقين في ثلاث عشرة آية ، وذلك يدل على أن المنافق أعظم جرما . وهذا بعيد ، لأن كثرة الاقتصاص بخبرهم لا توجب كون جرمهم أعظم ، فإن عظم فلغير ذلك ، وهو ضمهم إلى الكفر وجوها من المعاصي كالمخادعة والاستهزاء ، وطلب الغوائل إلى غير ذلك ، ويمكن أن يجاب عنه بأن كثرة الاقتصاص بخبرهم تدل على أن الاهتمام بدفع شرهم أشد من الاهتمام بدفع شر الكفار ، وذلك يدل على أنهم أعظم جرما من الكفار .

المسألة الثالثة : هذه الآية دالة على أمرين : الأول : أنها تدل على أن من لا يعرف الله تعالى وأقر به إنه لا يكون مؤمنا ، لقوله { وما هم بمؤمنين } وقالت الكرامية : إنه يكون مؤمنا . الثاني : أنها تدل على بطلان قول من زعم أن كل المكلفين عارفون بالله ، ومن لم يكن به عارفا لا يكون مكلفا أما الأول فلأن هؤلاء المنافقين لو كانوا عارفين بالله وقد أقروا به لكان يجب أن يكون إقرارهم بذلك إيمانا ، لأن من عرف الله تعالى وأقر به لابد وأن يكون مؤمنا وأما الثاني فلأن غير العارف لو كان معذورا لما ذم الله هؤلاء على عدم العرفان ، فبطل قول من قال من المتكلمين : إن من لا يعرف هذه الأشياء يكون معذورا .

المسألة الرابعة : ذكروا في اشتقاق لفظ الإنسان وجوها : أحدها : يروى عن ابن عباس أنه قال : سمي إنسانا لأنه عهد إليه فنسي ، وقال الشاعر . سميت إنسانا لأنك ناسي .

وقال أبو الفتح البستي :

يا أكثر الناس إحسانا إلى الناس *** وأكثر الناس إفضالا على الناس

نسيت عهدك والنسيان مغتفر *** فاغفر فأول ناس أول الناس

وثانيها : سمي إنسانا لاستئناسه بمثله . وثالثها : قالوا : الإنسان إنما سمي إنسانا لظهورهم وأنهم يؤنسون أي يبصرون من قوله { آنس من جانب الطور نارا } كما سمي الجن لاجتنابهم . واعلم أنه لا يجب في كل لفظ أن يكون مشتقا من شيء آخر وإلا لزم التسلسل ، وعلى هذا لا حاجة إلى جعل لفظ الإنسان مشتقا من شيء آخر .

المسألة الخامسة : قال ابن عباس : أنها نزلت في منافقي أهل الكتاب ، ومنهم عبد الله بن أبي ومعتب بن قشير ، وجد ابن قيس ، كانوا إذا لقوا المؤمنين يظهرون الإيمان والتصديق ويقولون إنا لنجد في كتابنا نعته وصفته ولم يكونوا كذلك إذا خلا بعضهم إلى بعض .

المسألة السادسة : لفظة «من » لفظة صالحة للتثنية ، والجمع ، والواحد . أما في الواحد فقوله تعالى { ومنهم من يستمع إليك } وفي الجمع كقوله { ومنهم من يستمعون إليك } والسبب فيه أنه موحد اللفظ مجموع المعنى ، فعند التوحيد يرجع إلى اللفظ . وعند الجمع يرجع إلى المعنى ، وحصل الأمران في هذه الآية ؛ لأن قوله تعالى { يقول } لفظ الواحد و{ آمنا } لفظ الجمع وبقي من مباحث الآية أسئلة . السؤال الأول : المنافقون كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر ولكنهم كانوا منكرين لنبوته عليه السلام فلم كذبهم في ادعائهم الإيمان بالله واليوم الآخر ؟ والجواب : إن حملنا هذه الآية على منافقي المشركين فلا إشكال ، لأن أكثرهم كانوا جاهلين بالله ومنكرين البعث والنشور وإن حملناها على منافقي أهل الكتاب -وهم اليهود- فإنما كذبهم الله تعالى لأن إيمان اليهود بالله ليس بإيمان ، لأنهم يعتقدونه جسما ، وقالوا عزير بن الله ، وكذلك إيمانهم باليوم الآخر ليس بإيمان ، فلما قالوا آمنا بالله كان خبثهم فيه مضاعفا لأنهم كانوا بقلوبهم يؤمنون به على ذلك الوجه الباطل ، وباللسان يوهمون المسلمين بهذا الكلام إنا آمنا لله مثل إيمانكم ، فلهذا كذبهم الله تعالى فيه . السؤال الثاني : كيف طابق قوله { وما هم بمؤمنين } قولهم { آمنا بالله } والأول في ذكر شأن الفعل لا الفاعل ، والثاني في ذكر شأن الفاعل لا الفعل ؟ والجواب : أن من قال فلان ناظر في المسألة الفلانية ، فلو قلت إنه لم يناظر في تلك المسألة كنت قد كذبته ، أما لو قلت إنه ليس من الناظرين كنت قد بالغت في تكذيبه ، يعني أنه ليس من هذا الجنس ، فكيف يظن به ذلك ؟ فكذا ههنا لما قالوا آمنا بالله فلو قال الله ما آمنوا كان ذلك تكذيبا لهم أما لما قال { وما هم بمؤمنين } كان ذلك مبالغة في تكذيبهم ، ونظيره قوله { يريدون أن يخرجوا من النار وما هم بخارجين منها } هو أبلغ من قولك : وما يخرجون منها . السؤال الثالث : ما المراد باليوم الآخر ؟ الجواب : يجوز أن يراد به الوقت الذي لا حد له وهو الأبد الدائم ، الذي لا ينقطع له أمد ، ويجوز أن يراد به الوقت المحدود من النشور إلى أن يدخل أهل الجنة الجنة . وأهل النار النار ؛ لأنه آخر الأوقات المحدودة ، وما بعده فلا حد له .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ} (8)

1

ثم ننتقل - مع السياق - إلى الصورة الثالثة . أو إلى النموذج الثالث

إنها ليست في شفافية الصورة الأولى وسماحتها . وليست في عتامة الصورة الثانية وصفاقتها . ولكنها تتلوى في الحس . وتروغ من البصر ، وتخفى وتبين . . إنها صورة المنافقين :

( ومن الناس من يقول : آمنا بالله وباليوم الآخر ، وما هم بمؤمنين . يخادعون الله والذين آمنوا ، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون . في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون . وإذا قيل لهم : لا تفسدوا في الأرض ، قالوا : إنما نحن مصلحون . ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون . وإذا قيل لهم : آمنوا كما آمن الناس ، قالوا : أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون . وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا . وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم ، إنما نحن مستهزئون . الله يستهزئ بهم ، ويمدهم في طغيانهم يعمهون . أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ، فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين ) . .

لقد كانت هذه صورة واقعة في المدينة ؛ ولكننا حين نتجاوز نطاق الزمان والمكان نجدها نموذجا مكرورا في أجيال البشرية جميعا . نجد هذا النوع من المنافقين من علية الناس الذين لا يجدون في أنفسهم الشجاعة ليواجهوا الحق بالإيمان الصريح ، أو يجدون في نفوسهم الجرأة ليواجهوا الحق بالإنكار الصريح . وهم في الوقت ذاته يتخذون لأنفسهم مكان المترفع على جماهير الناس ، وعلى تصورهم للأمور ! ومن ثم نميل إلى مواجهة هذه النصوص كما لو كانت مطلقة من مناسبتها التاريخية ، موجهة إلى هذا الفريق من المنافقين في كل جيل . وإلى صميم النفس الإنسانية الثابت في كل جيل .

إنهم يدعون الإيمان بالله واليوم الآخر . وهم في الحقيقة ليسوا بمؤمنين . إنما هم منافقون لا يجرؤون على الإنكار والتصريح بحقيقة شعورهم في مواجهة المؤمنين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ} (8)

هذه الآية وما بعدها إلى آخر القصة معطوفة على قصة { إِنَّ الذين كَفَرُواْ } [ البقرة : 6 ] وكل من المتعاطفين مسوق لغرض إلا أن فيهما من النعي على أهل الضلال ما لا يخفى وقد سيقت هذه الآية إلى ثلاث عشر آية لنعي المنافقين الذين ستروا الكفر وأظهروا الإسلام فهم بحسب الظاهر أعظم جرماً من سائر الكفار كما يشير إليه قوله تعالى : { إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار } [ النساء : 145 ] .

والناس أصله عند سيبويه والجمهور أناس وهو جمع أو اسم جمع لإنسان ، وقد حذفت فاؤه تخفيفاً فوزنه فعال ، ويشهد لأصله إنسان وإنس وأناسي ونقصه وإتمامه جائزان إذا نكر فإذا عرف بأل فالأكثر نقصه ومن عرف خص بالبلاء ويجوز إتمامه على قلة كما في قوله :

إن المنايا يطلع *** ن على الأناس الآمنينا

وهو مأخوذ من الأنس ضد الوحشة لأنسه بجنسه لأنه مدني بالطبع ومن هنا قيل :

وما سمي الإنسان إلا لأنسه *** ولا القلب إلا أنه يتقلب

أو من آنس أي أبصر قال تعالى : { مِن جَانِبِ الطور نَاراً } [ القصص : 9 2 ] وجاء بمعنى سمع وعلم ، وسمي به لأنه ظاهر محسوس ، وذهب السكاكي إلى أنه اسم تام وعينه واو من نوس إذا تحرك بدليل تصغيره على نويس فوزنه فعل .

وفي «الكشاف » أنه من المصغر الآتي على خلاف مكبره كأنيسيان ورويجل ، وقيل : من نسي بالقلب لقوله تعالى في آدم عليه السلام : { فَنَسِىَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً } [ طه : 5 11 ] وهذا مروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فوزنه حينئذ ( فلع ) ولا يستعمل في الغالب إلا في بني آدم ، وحكى ابن خالويه عن ناس من العرب : أناس من الجن ، قال أبو حيان : وهو مجاز وإذا أخذ من نوس يكون صدق المفهوم على الجن ظاهراً لا سيما إذا قلنا إن النوس تذبذب الشيء في الهواء ، وعن سلمة بن عاصم أنه جزم بأن كلا من ناس وأناس مادة مستقلة واللام فيه إما للجنس أو للعهد الخارجي فإن كان الأول فمن نكرة موصوفة وإن كان الثاني فهي موصولة مراداً بها عبد الله بن أبيّ وأشياعه ، وجوز ابن هشام وجماعة أن تكون موصولة على تقدير الجنس وموصوفة على تقدير العهد لأن بعض الجنس قد يتعين بوجه ما وبعض المعينين قد يجهل باعتبار حال من أحواله كأهل محلة محصورين فيهم قاتل لم يعرف بعينه كونه قاتلاً وإن عرف شخصه فلا وجه للتخصيص عند هؤلاء ، وقيل إن التخصيص هو الأنسب لأن المعرف بلام الجنس لعدم التوقيت فيه قريب من النكرة وبعض النكرة نكرة فناسب من الموصوفة للطباق والأمر بخلافه في العهد ، وعلى هذا الأسلوب ورد قوله تعالى : { منَ المؤمنين رِجَالٌ } [ الأحزاب : 3 2 ] { وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبي } [ التوبة : 1 6 ] لأنه أريد في الأول الجنس ، وفي مرجع الضمير في الثاني طائفة معينة من المنافقين ، ولما كان في الآية تفصيل معنوي لأنه سبحانه ذكر المؤمنين ثم الكافرين ثم عقب بالمنافقين فصار نظيراً للتفصيل اللفظي ، وفي قوة تفصيل الناس إلى مؤمن وكافر ومنافق تضمن الأخبار عمن يقول بأنه من الناس فائدة ، ولك أن تحمله على معنى من يختفي من المنافقين معلوم لنا ولولا أن الستر من الكرم فضحته فيكون مفيداً أيضاً وملوحاً إلى تهديد ما ، وقيل : المراد بكونه من الناس أنهم لا صفة لهم تميزهم سوى الصورة الإنسانية ، أو المراد التنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية فيتعجب منها أو مناط الفائدة الوجود أي إنهم موجودون فيما بينهم أو إنهم من الناس لا من الجن إذ لا نفاق فيهم ، أو المراد بالناس المسلمون والمعنى أنهم يعدون مسلمين أو يعاملون معاملتهم فيما لهم وعليهم ، ولا يخفى ما في بعض هذه الوجوه من الكلف والتكلف ولكل ساقطة لاقطة ، واختار أبو حيان هنا أن تكون { مِنْ } موصلة مدعياً أنها إنما تكون موصوفة إذا وقعت في مكان يختص بالنكرة في الأكثر ، وفي غير ذلك قليل حتى أن السكاكي على علو كعبه أنكره ولا يخفى ما فيه ، ولا يرد على إرادة العهد أنه كيف يدخل المنافقون مطلقاً في الكفرة المصرين المحكوم عليهم بالختم وإن { وَمِنَ الناس } الآية وقع عديلاً لأن الذين كفروا بياناً للقسم الثالث المذبذب فلا يدخل فيه لأن المراد بالمنافقين المصممون منهم المختوم عليهم بالكفر كما يدل عليه { صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ } [ البقرة : 8 1 ] لا مطلق المنافقين ولأن اختصاصهم بخلط الخداع والاستهزاء مع الكفر لا ينافي دخولهم تحت الكفرة المصرين ، وبهذا الاعتبار صاروا قسماً ثالثاً فالقسمة ثنائية بحسب الحقيقة ثلاثية بالاعتبار ، وفي قوله تعالى : { يقُولُ ءامَنَّا } مراعاة للفظ ( من ) ومعناها ولو راعى الأول فقط لقال آمنت أو الثاني فقط لقال يقولون ولما روعيا جميعاً حسن مراعاة اللفظ أولاً إذ هو في الخارج قبل المعنى والواحد قبل الجمع ولو عكس جاز ، وزعم ابن عطية أنه لا يجوز الرجوع من جمع إلى توحيد ، ويرده قول الشاعر :

لست ممن يكع أو يستكينو *** ن إذا كافحته خيل الأعادي

واقتصر من متعلق الإيمان على الله واليوم الآخر مع أنهم كانوا يؤمنون بأفواههم بجميع ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لأنهما المقصود الأعظم من الإيمان إذ من آمن بالله تعالى على ما يليق بجلال ذاته آمن بكتبه ورسله وشرائعه ، ومن علم أنه إليه المصير استعد لذلك بالأعمال الصالحة ، وفي ذلك إشعار بدعوى حيازة الإيمان بطرفيه المبدأ والمعاد وما طريقه العقل والسمع ويتضمن ذلك الإيمان بالنبوة أو أن تخصيص ذلك بالذكر للإيذان بأنهم يبطنون الكفر فيما ليسوا فيه منافقين في الجملة لأن القوم في المشهور كانوا يهوداً وهم مخلصون في أصل الإيمان بالله واليوم الآخر على ظنهم ، ومع ذلك كانوا ينافقون في كيفية الإيمان بهما ويرون المؤمنين أن إيمانهم بهما مثل إيمانهم فكيف فيما يقصدون به النفاق المحض وليسوا مؤمنين به أصلاً كنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم والقرآن أو أنهم قصدوا بتخصيص الإيمان بهما التعرض بعدم الإيمان بخاتم الرسل صلى الله عليه وسلم وما بلغه ففي ذلك بيان لمزيد خبثهم ، وهذا لو قصد حقيقته حينئذ لم يكن إيماناً لأنه لا بد من الإقرار بما جاء به صلى الله عليه وسلم فكيف وهو مخادعة وتلبيس ؟ا وقيل : إنه لما كان غرضهم المبالغة في خلوص إسلامهم بأنهم تركوا عقائدهم التي كانوا عليها في المبدأ والمعاد واعترفوا أنهم كانوا في ضلال خصوا إيمانهم بذلك لأنهم كانوا قائلين بسائر الأصول ، وأما النبوة فليس في الإيمان بها اعتراف بذلك ، وأيضاً ترك الراسخ في القلب مما عليه الإباء بترك الإيمان به صلى الله عليه وسلم من المسلمات فكأنهم لم يتعرضوا له للإشارة إلى أنه مما لا شبهة في أنهم معتقدون له بعد اعتقادهم ما هو أشد منه عليهم وحمل { بالله وباليوم الأخر } على القسم منهم على الإيمان سمج بالله ، وأسمج منه بمراتب حمله على القسم منه تعالى على عدم إيمانهم بتقدير ما آمنوا { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } فيجب أن يكون الباء صلة الإيمان وكررت مبالغة في الخديعة والتلبيس بإظهار أن إيمانهم تفصيلي مؤكد قوي( {[121]} ) .

واليوم الآخر يحتمل أن يراد به الوقت الدائم من الحشر بحيث لا يتناهى أو ما عينه الله تعالى منه إلى استقرار كل من المؤمنين والكافرين فيما أعد له ، وسمي آخراً لأنه آخر الأوقات المحدودة والأشبه هو الأول لأن إطلاق اليوم شائع عليه في القرآن سواء كان حقيقة أو مجازاً ولأن الإيمان به يتضمن الإيمان بالثاني لدخوله فيه من غير عكس ، نعم المناسب للفظ اليوم لغة هو الثاني لمحدوديته وهو على كل تقدير مغاير لما عند الناس لأن اليوم عرفاً من طلوع الشمس إلى غروبها وشرعاً على الصحيح من طلوع الفجر الصادق إلى الغروب ، واصطلاحاً من نصف النهار إلى نصف النهار والأمر وراء ذلك ، وسيأتي لذلك تتمة ، وفي قوله سبحانه : { وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ } حيث قدم الفاعل وأولى حرف النفي رد لدعوى أولئك المنافقين على أبلغ وجه لأن انخراطهم في سلك المؤمنين من لوازم ثبوت الإيمان الحقيقي لهم وانتفاء اللازم أعدل شاهد على انتفاء الملزوم ، وقد بولغ في نفي اللازم بالدلالة على دوامه المستلزم لانتفاء حدوث الملزوم مطلقاً ، وأكد ذلك النفي بالباء( {[122]} ) أيضاً وهذا سبب العدول عن الرد بما آمنوا المطابق لصدر الكلام ، وبعضهم يجري الكلام على التخصيص وأن الكفار لما رأوا أنفسهم أنهم مثل المؤمنين في الإيمان الحقيقي وادعوا موافقتهم قيل في جوابهم : { هُم بِمُؤْمِنِينَ } على قصر الإفراد والذوق يبعده ، وإطلاق الوصف للإشارة إلى العموم وأنهم ليسوا من الإيمان في شيء ، وقد يقيد بما قيد به سابقه لأنه واقع في جوابه إلا أن نفي المطلق يستلزم نفي المقيد فهو أبلغ وأوكد .

وفي هذه الآية دلالة على أن من لم يصدق بقلبه لا يكون مؤمناً ، وأما على أن من أقر بلسانه وليس في قلبه ما يوافقه أو ينافيه ليس بمؤمن فلا لوجود المنافي في المنافق هنا لأنه من المختوم على قلبه أو لأن الله تعالى كذبه وليس إلا لعدم مطابقة التصديق القلبي للساني كذا قيل ، ودقق بعضهم مدعياً أن من يجعل الإيمان الإقرار اللساني سواء يشترط الخلو عن الإنكار والتكذيب أم لا يشترط أن يكون الإقرار بالشهادتين ولا يكفي عنده نحو آمنت بالله وباليوم الآخر لأن المدار على النطق بهما كما ورد في الصحيح حتى اشترط بعضهم لفظ اشهد ، والاسم الخاص به تعالى واسم محمد صلى الله عليه وسلم فليس في الآية حينئذ دليل على إبطال مذهب الكرامية بوجه فليتدبر .


[121]:_ لأن إعادة العامل تقتضي أن متعلقه كالمعاد كما قال (س) في مررت بزيد وبعمرو فيفيد ما ذكر وهو ظاهر اهـ منه.
[122]:_ فيه إشارة إلى أن النفي اعتبر أولا ثم أكد فالكلام من تأكيد النفي لا نفي التأكيد اهـ منه.