مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (15)

{ الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون } . واعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكى عنهم ذلك أجابهم بأشياء . أحدها : قوله { الله يستهزئ بهم } وفيه أسئلة . الأول : كيف يجوز وصف الله تعالى بأنه يستهزئ وقد ثبت أن الاستهزاء لا ينفك عن التلبيس ، وهو على الله محال ، ولأنه لا ينفك عن الجهل ، لقوله { قالوا أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين } والجهل على الله محال والجواب : ذكروا في التأويل خمسة أوجه . أحدها : أن ما يفعله الله بهم جزاء على استهزائهم سماه بالاستهزاء ، لأن جزء الشيء يسمى باسم ذلك الشيء قال تعالى { وجزاء سيئة سيئة مثلها } { فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم } { يخادعون الله وهو خادعهم } { ومكروا ومكر الله } وقال عليه السلام : «اللهم إن فلانا هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر فاهجه ، اللهم والعنه عدد ما هجاني » أي اجزه جزاء هجائه ، وقال عليه السلام : «تكلفوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا » . وثانيها : أن ضرر استهزائهم بالمؤمنين راجع عليهم وغير ضار بالمؤمنين ، فيصير كأن الله استهزأ بهم . وثالثها : أن من آثار الاستهزاء حصول الهوان والحقارة فذكر الاستهزاء ، والمراد حصول الهوان لهم تعبيرا بالسبب عن المسبب . ورابعها : إن استهزاء الله بهم أن يظهر لهم من أحكامه في الدنيا ما لهم عند الله خلافها في الآخرة ، كما أنهم أظهروا للنبي والمؤمنين أمرا مع أن الحاصل منهم في السر خلافه ، وهذا التأويل ضعيف ، لأنه تعالى لما أظهر لهم أحكام الدنيا فقد أظهر الأدلة الواضحة بما يعاملون به في الدار الآخرة من سوء المنقلب والعقاب العظيم ، فليس في ذلك مخالفة لما أظهره في الدنيا . وخامسها : أن الله تعالى يعاملهم معاملة المستهزئ في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فلأنه تعالى أطلع الرسول على أسرارهم مع أنهم كانوا يبالغون في إخفائها عنه ، وأما في الآخرة فقال ابن عباس : إذا دخل المؤمنون الجنة ، والكافرون النار فتح الله من الجنة بابا على الجحيم في الموضع الذي هو مسكن المنافقين ، فإذا رأى المنافقون الباب مفتوحا أخذوا يخرجون من الجحيم ويتوجهون إلى الجنة ، وأهل الجنة ينظرون إليهم ، فإذا وصلوا إلى باب الجنة فهناك يغلق دونهم الباب ، فذاك قوله تعالى { إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون } إلى قوله { فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون } فهذا هو الاستهزاء بهم . السؤال الثاني : كيف ابتدأ قوله { الله يستهزئ بهم } ولم يعطف على الكلام الذي قبله ؟ الجواب : هو استئناف في غاية الجزالة والفخامة . وفيه أن الله تعالى هو الذي يستهزئ بهم استهزاء العظيم الذي يصير استهزائهم في مقابلته كالعدم ، وفيه أيضا أن الله هو الذي يتولى الاستهزاء بهم انتقاما للمؤمنين ، ولا يحوج المؤمنين إلى أن يعارضوهم باستهزاء مثله .

السؤال الثالث : هل قيل : إن الله مستهزئ بهم ليكون مطابقا لقوله { إنما نحن مستهزئون } الجواب . لأن «يستهزئ » يفيد حدوث الاستهزاء وتجدده وقتا بعد وقت ، وهذا كانت نكايات الله فيهم { أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين } وأيضا فما كانوا يخلون في أكثر أوقاتهم من تهتك أستار وتكشف أسرار واستشعار حذر من أن تنزل عليهم آية { يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم في قل استهزءوا إن الله مخرج ما تحذرون } الجواب الثاني : قوله تعالى { ويمدهم في طغيانهم يعمهون } قال صاحب الكشاف إنه من مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه ويكثره ، وكذلك مد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها ؛ ومددت السراج والأرض إذا أصلحتهما بالزيت والسماد ، ومده الشيطان في الغي ، وأمده إذا واصله بالوسواس ، ومد وأمد بمعنى واحد . وقال بعضهم : مد يستعمل في الشر ، وأمد في الخير قال تعالى { أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين } ومن الناس من زعم أنه من المد في العمر والإملاء والإمهال وهذا خطأ لوجهين . الأول : أن قراءة ابن كثير ، وابن محيصن ( ونمدهم ) وقراءة نافع ( وإخوانهم يمدونهم في الغي ) يدل على أنه من المدد دون المد . الثاني : أن الذي بمعنى أمهله إنما هو مد له ، كأملى له . قالت المعتزلة : هذه الآية لا يمكن إجراؤها على ظاهرها لوجوه . أحدها : قوله تعالى { وإخوانهم يمدونهم في الغي } أضاف ذلك الغي إلى إخوانهم ، فكيف يكون مضافا إلى الله تعالى .

وثانيها : أن الله تعالى ذمهم على هذا الطغيان فلو كان فعلا لله تعالى فكيف يذمهم عليه .

وثالثها : لو كان فعلا لله تعالى لبطلت النبوة وبطل القرآن فكان الاشتغال بتفسيره عبثا .

ورابعها : أنه تعالى أضاف الطغيان إليهم بقوله : ( في طغيانهم ) ولو كان ذلك من الله لما أضافه إليهم ، فظهر أنه تعالى إنما أضافه إليهم ليعرف أنه تعالى غير خالق لذلك ، ومصداقه أنه حين أسند المد إلى الشياطين أطلق الغي ولم يقيده بالإضافة في قوله { وإخوانهم يمدونهم في الغي } إذا ثبت هذا فنقول : التأويل من وجوه . أحدها : وهو تأويل الكعبي وأبي مسلم بن يحيى الأصفهاني أن الله تعالى لما منحهم ألطافه التي يمنحها المؤمنين وخذلهم بسبب كفرهم وإصرارهم عليه بقيت قلوبهم مظلمة بتزايد الظلمة فيها وتزايد النور في قلوب المسلمين فسمي ذلك التزايد مددا وأسنده إلى الله تعالى لأنه مسبب عن فعله بهم . وثانيها : أن يحمل على منع القسر والإلجاء كما قيل : إن السفيه إذا لم ينه فهو مأمور . وثالثها : أن يسند فعل الشيطان إلى الله تعالى لأنه بتمكينه وإقداره والتخلية بينه وبين إغواء عباده . ورابعا : ما قاله الجبائي فإنه قال ويمدهم أي يمد عمرهم ثم إنهم مع ذلك في طغيانهم يعمهون وهذا ضعيف من وجهين . الأول : لما تبينا أنه لا يجوز في اللغة تفسير ويمدهم بالمد في العمر . الثاني : هب أنه يصح ذلك ولكنه يفيد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في طغيانهم يعمهون وذلك يفيد الإشكال أجاب القاضي عن ذلك بأنه ليس المراد أنه تعالى يمد عمرهم لغرض أن يكونوا في الطغيان ، بل المراد ، أنه تعالى يبقيهم ويلطف بهم في الطاعة فيأبون إلا أن يعمهوا . واعلم أن الكلام في هذا الباب تقدم في قوله { ختم الله على قلوبهم } فلا فائدة في الإعادة . واعلم أن الطغيان هو الغلو في الكفر ومجاوزة الحد في العتو ، قال تعالى { إنا لما طغى الماء } أي جاوز قدره ، وقال { اذهب إلى فرعون إنه طغى } أي أسرف وتجاوز الحد . وقرأ زيد بن علي في طغيانهم بالكسر وهما لغتان كلقيان ولقيان ، والعمه مثل العمى إلا أن العمى عام في البصر والرأي والعمه في الرأي خاصة ، وهو التردد والتحير لا يدري أين يتوجه .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (15)

1

وما يكاد القرآن يحكي فعلتهم هذه وقولتهم ، حتى يصب عليهم من التهديد ما يهد الرواسي :

( الله يستهزئ بهم ، ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) . .

وما أبأس من يستهزيء به جبار السماوات والأرض وما أشقاه ! ! وإن الخيال ليمتد إلى مشهد مفزع رعيب . وإلى مصير تقشعر من هوله القلوب .

وهو يقرأ : ( الله يستهزئ بهم ، ويمدهم في طغيانهم يعمهون ) . . فيدعهم يخبطون على غير هدى في طريق لا يعرفون غايته ، واليد الجبارة تتلقفهم في نهايته ، كالفئران الهزيلة تتواثب في الفخ ، غافلة عن المقبض المكين . . وهذا هو الاستهزاء الرعيب ، لا كاستهزائهم الهزيل الصغير .

وهنا كذلك تبدو تلك الحقيقة التي أشرنا من قبل إليها . حقيقة تولي الله - سبحانه - للمعركة التي يراد بها المؤمنون . وما وراء هذا التولي من طمأنينة كاملة لأولياء الله ، ومصير رعيب بشع لأعداء الله الغافلين ، المتركين في عماهم يخبطون ، المخدوعين بمد الله لهم في طغيانهم ، وإمهالهم بعض الوقت في عدوانهم ، والمصير الرعيب ينتظرهم هنالك ، وهم غافلون يعمهون !

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{ٱللَّهُ يَسۡتَهۡزِئُ بِهِمۡ وَيَمُدُّهُمۡ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ} (15)

{ الله يستهزئ بِهِمْ } حمل أهل الحديث وطائفة من أهل التأويل الاستهزاء منه تعالى على حقيقته وإن لم يكن المستهزئ من أسمائه سبحانه ، وقالوا : إنه التحقير على وجه من شأنه أن من اطلع عليه يتعجب منه ويضحك ولا استحالة في وقوع ذلك منه عز شأنه ومنعه من قياس الغائب على الشاهد ، وذهب أكثر الناس إلى أنه لا يوصف به جل وعلا حقيقة لما فيه من تقرير المستهزأ به على الجهل الذي فيه ، ومقتضى الحكمة والرحمة أن يريه الصواب فإن كان عنده أنه ليس متصفاً بالمستهزأ به فهو لعب لا يليق بكبريائه تعالى ، فالآية على هذا مؤولة إما بأن يراد بالاستهزاء جزاؤه لما بين الفعل وجزائه من مشابهة في القدر وملابسة قوية ونوع سببية مع وجود المشاكلة المحسنة ههنا ، ففي الكلام استعارة تبعية أو مجاز مرسل ، وإما بأن يراد به إنزال الحقارة والهوان فهو مجاز عما هو بمنزلة الغاية له فيكون من إطلاق المسبب على السبب نظراً إلى التصور وبالعكس نظراً إلى الوجود ، وإما بأن يجعل الله تعالى وتقدس كالمستهزئ بهم على سبيل الاستعارة المكنية وإثبات الاستهزاء له تخييلاً ، ورب شيء يصح تبعاً ولا يصح قصداً وله سبحانه أن يطلق على ذاته المقدسة ما يشاء تفهيماً للعباد ، وقد يقال : إن الآية جارية على سبيل التمثيل والمراد يعاملهم سبحانه معاملة المستهزئ ، أما في الدنيا بإجراء أحكام الإسلام واستدراجهم من حيث لا يعلمون ، وأما في الآخرة بأن يفتح لأحدهم باب إلى الجنة فيقال : هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا جاء أغلق دونه ، ثم يفتح له باب آخر فيقال : هلم هلم فيجيء بكربه وغمه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتى إن الرجل ليفتح له باب فيقال : هلم هلم فما يأتيه ، وقد روي ذلك بسند مرسل جيد الإسناد في المستهزئين بالناس ، وأسند سبحانه الاستهزاء إليه مصدراً الجملة بذكره للتنبيه على أن الاستهزاء بالمنافقين هو الاستهزاء الأبلغ الذي لا اعتداد معه باستهزائهم لصدوره عمن يضمحل علمهم وقدرتهم في جانب علمه وقدرته وأنه تعالى كفى عباده المؤمنين وانتقم لهم وما أحوجهم إلى معارضة المنافقين تعظيماً لشأنهم لأنهم ما استهزىء بهم إلا فيه ولا أحد أغير من الله سبحانه ، وترك العطف لأنه الأصل وليس في الجملة السابقة ما يصح عطف هذا القول عليه إلا بتكلف وبعد ، وقيل : ليكون إيراد الكلام على وجه يكون جواباً عن السؤال عن معاملة الله تعالى معهم في مقابلة معاملتهم هذه مع المؤمنين ، وقولهم : { إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءونَ } [ البقرة : 14 ] إشعار بأن ما حكي من الشناعة بحيث يقتضي ظهور غيرة الله تعالى ويسأل كل أحد عن كيفية انتقامه منهم ، ويشعر كلام بعض المحققين أنه لو ورد هذا القول بالعطف ولو على محذوف مناسب للمقام كهم مستهزئون بالمؤمنين لأفاد أن ذلك في مقابلة استهزائهم فلا يفيد أن الله تعالى أغنى المؤمنين عن معارضتهم مطلقاً وأنه تولى مجازاتهم مطلقاً بل يوهم تخصيص التولي بهذه المجازاة ، وأيضاً لكون استهزاء الله تعالى بمكان بعيد من استهزائهم إلى حيث لا مناسبة بينهما يكون العطف كعطف أمرين غير متناسبين ، وبعضهم رتب الفائدتين اللتين ذكرناهما في الإسناد إليه تعالى على الاستئناف مدعياً أنه لو عطف ولو بحسب التوهم على مقدر بأن يقال المؤمنون مستهزئون بهم والله يستهزئ بهم لفاتت الفائدتان هذا ، ولعل ما ذكرناه أسلم من القيل والقال وأبعد عن مظان الاستشكال فتدبر ، وعدل سبحانه عن الله مستهزئ بهم المطابق لقولهم إلى قوله : { الله يستهزئ بِهِمْ } لإفادته التجدد الاستمراري وهو أبلغ من الاستمرار الثبوتي الذي تفيده الاسمية لأن البلاء إذا استمر قد يهون وتألفه النفس كما قيل( {[128]} ) :

خلقت ألوفاً ولو رجعت إلى الصبا *** لفارقت شيبي موجع القلب باكياً

وقد كانت نكايات الله تعالى فيهم ونزول الآيات في شأنهم أمراً متجدداً مستمراً { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } [ التوبة : 126 ] { يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم قُلِ استهزءوا إِنَّ الله مُخْرِجٌ مَّا تَحْذَرُونَ } وهذا نوع من العذاب الأدنى { وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } [ الزمر : 6 2 ] وصرح بالمستهزأ به هنا ليكون الاستهزاء بهم نصاً وإنما تركه المنافقون فيما حكى عنهم خوفاً من وصوله للمؤمنين فأبقوا اللفظ محتملاً ليكون لهم مجال في الذب إذا حوققوا فجعل الله تعالى كلمة الذين كفروا السفلى وكلمته هي العليا .

{ وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم يَعْمَهُونَ } معطوف على قوله سبحانه وتعالى : { يَسْتَهْزِئ بِهِمْ } كالبيان له على رأي ، والمدّ من مد الجيش وأمده بمعنى أي ألحق به ما يقويه ويكثره ، وقيل : مد زاد من الجنس وأمد زاد من غير الجنس ، وقيل : مد في الشر وأمد في الخير عكس وعد وأوعد ، وإذا استعمل أمد في الشر فلعله من باب { فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } [ آل عمران : 1 2 ] ، وقد ورد استعمال هذه المادة بمعنيين ، أحدهما : ما ذكرنا ، وثانيهما : الإمهال ، ومنه مد العمر ، والواقع هنا من الأول دون الثاني لوجهين ، الأول : أنه روي عن ابن كثير من غير السبعة { يمدهم } بالضم من المزيد وهو لم يسمع في الثاني ، والثاني : أنه متعد بنفسه والآخر متعد باللام والحذف والإيصال خلاف الأصل فلا يرتكب بغير داع ، فمعنى { وَيَمُدُّهُمْ فِي طغيانهم } يزيدهم ويقويهم فيه ، وإلى ذلك ذهب البيضاوي وغيره ، والحق أن الإمهال هنا محتمل وإليه ذهب الزجاج وابن كيسان والوجهان مخدوشان ، فقد ورد عند من يعول عليه من أهل اللغة كل منهما ثلاثياً ومزيداً ومعدى بنفسه وباللام ، وكلاهما من أصل واحد ومعناهما يرجع إلى الزيادة كماً أو كيفاً ، وفي «الصحاح » مد الله في عمره ومده في غيه أمهله وطول له ، وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن مد الله تعالى في طغيانهم التمكين من العصيان .

وعن ابن عباس الإملاء ونسبة المد إلى الله تعالى بأي معنى كان عند أهل الحق حقيقة إذ هو سبحانه وتعالى الموجد للأشياء المنفرد باختراعها على حسب ما اقتضته الحكمة ورفعت له أكفها الاستعدادات ، ونسبته إلى غيره سبحانه وتعالى في قوله عز شأنه : { وإخوانهم يَمُدُّونَهُمْ فِي الغي } [ الأعراف : 202 ] نسبة التوفي إلى الملك في قوله تعالى : { يتوفاكم مَّلَكُ الموت } [ السجدة : 11 ] مع قوله جل وعلا : { الله يَتَوَفَّى الأنفس } [ الزمر : 2 4 ] وذهبت المعتزلة أن الزيادة في الطغيان والتقوية فيه مما يستحيل نسبته إليه تعالى حقيقة وحملوا الآية على محامل أخر ، وقد قدمنا ما يوهن مذهبهم فلنطوه هنا على ما فيه و( الطغيان ) بضم الطاء على المشهور ، وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما بكسرها وهما لغتان فيه ، وقد سمعا في مصدر اللقاء ، وقد أماله الكسائي ، وأصله تجاوز المكان الذي وقفت فيه ومن أخل بما عين من المواقف الشرعية والمعارف العقلية فلم يرعها فقد طغى ، ومنه طغى الماء أي تجاوز الحد المعروف فيه ، وإضافته إليهم لأنه فعلهم الصادر منهم بقدرهم المؤثرة بإذن الله تعالى فالاختصاص المشعرة به الإضافة إنما هو بهذا الاعتبار لا باعتبار المحلية والاتصاف فإنه معلوم لا حاجة فيه إلى الإضافة ولا باعتبار الإيجاد استقلالاً من غير توقف على إذن الفعال لما يريد فإنه اعتبار عليه غبار بل غبار ليس له اعتبار فلا تهولنك جعجعة الزمخشري وقعقعته ، ويحتمل أن يكون الاختصاص للإشارة إلى أن طغيان غيرهم في جنبهم كلا شيء لادعاء اختصاصهم به وليس بالمنحرف عن سنن البلاغة .

و( العمه ) التردد والتحير ، ويستعمل في الرأي خاصة والعمى فيه وفي البصر فبينهما عموم وخصوص مطلق في الاستعمال وإن تغايرا في أصل الوضع ، واختصر العمى بالبصر على ما قيل ، وأصله الأصيل عدم الأمارات في الطريق التي تنصب لتدل من حجارة وتراب ونحوهما وهي المنار ويقال عمه يعمه كتعب يتعب عمهاً وعمهاناً فهو عمه وعامه وعمهاء( {[129]} ) فمعنى يعمهون على هذا يترددون ويتحيرون ، وإلى ذلك ذهب جمع من المفسرين ، وقيل : العمه العمى عن الرشد ، وقال ابن قتيبة : هو أن يكب رأسه فلا يبصر ما يأتي ، فالمعنى يعمون عن رشدهم أو يكبون رؤوسهم فلا يبصرون وكأن هذا أقرب إلى الصواب لأن المنافقين لم يكونوا مترددين في الكفر بل كانوا مصرين عليه معتقدين أنه الحق وما سواه باطل إلا أن يقال التردد والتحير في أمر آخر لا في الكفر ، وجملة { يَعْمَهُونَ } في موضع نصب على الحال إما من الضمير في { يمدهم } وإما من الضمير في { فِي طغيانهم } لأنه مصدر مضاف إلى الفاعل ، وفي { طغيانهم } يحتمل أن يكون متعلقاً بيمدهم وأن يكون متعلقاً بيعمهون وجاز على خلاف( {[130]} ) كون { فِي طغيانهم } و{ يَعْمَهُونَ } حالين من الضمير في يمدهم .


[128]:_ القائل المتنبي اهـ منه.
[129]:_ قوله وعمهاء كذا بخط المؤلف اهـ.
[130]:_ المخالف أبو البقاء قال: العامل لا يعمل في حالين اهـ منه.