قوله تعالى { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } .
اعلم أن في الآية مسائل نحوية ، ومسائل أصولية ، ونحن نأتي عليها إن شاء الله تعالى . أما قوله { إن } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن { إن } حرف والحرف لا أصل له في العمل ، لكن هذا الحرف أشبه الفعل صورة ومعنى ، وتلك المشابهة تقتضي كونها عاملة ، وفيه مقدمات ( المقدمة الأولى ) في بيان المشابهة ، واعلم أن هذه المشابهة حاصلة في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأنها تركبت من ثلاثة أحرف وانفتح آخرها ولزمت الأسماء كالأفعال ، ويدخلها نون الوقاية نحو إنني وكأنني ، كما يدخل على الفعل نحو : أعطاني وأكرمني ، وأما المعنى فلأنها تفيد حصول معنى في الاسم وهو تأكد موصوفيته بالخبر ، كما أنك إذا قلت : قام زيد ، فقولك قام أفاد حصول معنى في الاسم ( المقدمة الثانية ) أنها لما أشبهت الأفعال وجب أن تشبهها في العمل وذلك ظاهر بناء على الدوران ( المقدمة الثالثة ) في أنها لم نصبت الاسم ورفعت الخبر ؟ وتقريره أن يقال : إنها لما صارت عاملة فإما أن ترفع المبتدأ والخبر معا ، أو تنصبهما معا ، أو ترفع المبتدأ وتنصب الخبر وبالعكس ، والأول باطل ؛ لأن المبتدأ والخبر كانا قبل دخول { إن } عليهما مرفوعين ، فلو بقيا كذلك بعد دخولها عليهما لما ظهر له أثر البتة ، ولأنها أعطيت عمل الفعل ، والفعل لا يرفع الاسمين فلا معنى للاشتراك والفزع لا يكون أقوى من الأصل ، والقسم الثاني أيضا باطل ؛ لأن هذا أيضا مخالف لعمل الفعل ، لأن الفعل لا ينصب شيئا مع خلوه عما يرفعه . والقسم الثالث أيضا باطل ، لأنه يؤدي إلى التسوية بين الأصل والفرع ، فإن الفعل يكون عمله في الفاعل أولا بالرفع ثم في المفعول بالنصب ، فلو جعل الحرف ههنا كذلك لحصلت التسوية بين الأصل والفرع . ولما بطلت الأقسام الثلاثة تعين القسم الرابع : وهو أنها تنصب الاسم وترفع الخبر ، وهذا مما ينبه على أن هذه الحروف دخيلة في العمل لا أصلية ، لأن تقديم المنصوب على المرفوع في باب الفعل عدول عن الأصل فذلك يدل ههنا على أن العمل لهذه الحروف ليس بثابت بطريق الأصالة بل بطريق عارض .
المسألة الثانية : قال البصريون : هذا الحرف ينصب الاسم ويرفع الخبر ، وقال الكوفيون لا أثر له في رفع الخبر بل هو مرتفع بما كان مرتفعا به قبل ذلك . حجة البصريين : أن هذه الحروف تشبه الفعل مشابهة تامة على ما تقدم بيانه ، والفعل له تأثير في الرفع والنصب ، فهذه الحروف يجب أن تكون كذلك . وحجة الكوفيين من وجهين : الأول : أن معنى الخبرية باق في خبر المبتدأ وهو أولى باقتضاء الرفع فتكون الخبرية رافعة ، وإذا كانت الخبرية رافعة استحال ارتفاعه بهذه الحروف ، فهذه مقدمات ثلاثة : إحداها : قولنا : الخبرية باقية ، وذلك ظاهر ، لأن المراد من الخبرية كون الخبر مسندا إلى المبتدأ ، وبعد دخول حرف «إن » عليه فذاك الإسناد باق . وثانيها : قولنا : الخبرية ههنا مقتضية للرفع : وذلك لأن الخبرية كانت قبل دخول «إن » مقتضية للرفع ولم يكن عدم الحرف هناك جزءا من المقتضي . لأن العدم لا يصلح أن يكون جزء العلة ، فبعد دخول هذه الحروف كانت الخبرية مقتضية للرفع ، لأن المقتضي بتمامه لو حصل ولم يؤثر لكان ذلك لمانع وهو خلاف الأصل . وثالثها : قولنا : الخبرية أولى بالاقتضاء ، وبيانه من وجهين : الأول : أن كونه خبرا وصف حقيقي قائم بذاته ، وذلك الحرف أجنبي مباين عنه وكما أنه مباين عنه فغير مجاور له لأن الاسم يتخللهما . الثاني : أن الخبر يشابه الفعل مشابهة حقيقية معنوية وهو كون كل واحد منهما مسندا إلى الغير ، أما الحرف فإنه لا يشابه الفعل في وصف حقيقي معنوي ، فإنه ليس فيه إسناد ، فكانت مشابهة الخبر للفعل أقوى من مشابهة هذا الحرف للفعل ، فإذا ثبت ذلك كانت الخبرية باقتضاء الرفع لأجل مشابهة الفعل أولى من الحرف بسبب مشابهته للفعل ورابعها : لما كانت الخبرية أقوى في اقتضاء الرفع استحال كون هذا الحرف رافعا ، لأن الخبرية بالنسبة إلى هذا الحرف أولى ، وإذا كان كذلك فقد حصل الحكم بالخبرية قبل حصول هذا الحرف ، فيعد وجود هذا الحرف لو أسند هذا الحكم إليه لكان ذلك تحصيلا للحاصل ، وهو محال . الوجه الثاني : أن سيبويه وافق على أن الحرف غير أصل في العمل فيكون إعماله على خلاف الدليل ، وما ثبت على خلاف الدليل يقدر بقدر الضرورة ، والضرورة تندفع بأعمالها في الاسم ، فوجب أن لا يعملها في الخبر .
المسألة الثالثة : روى الأنباري أن الكندي المتفلسف ركب إلى المبرد وقال : إني أجد في كلام العرب حشوا ، أجد العرب تقول : عبد الله قائم ، ثم تقول إن عبد الله قائم ، ثم تقول إن عبد الله لقائم ، فقال المبرد : بل المعاني مختلفة لاختلاف الألفاظ ، فقولهم عبد الله قائم إخبار عن قيامه ، وقولهم إن عبد الله قائم جواب عن سؤال سائل ، وقولهم إن عبد الله لقائم جواب عن إنكار منكر لقيامه . واحتج عبد القاهر على صحة قوله بأنها إنما تذكر جوابا لسؤال السائل بأن قال إنا رأيناهم قد ألزموها الجملة من المبتدأ والخبر إذا كان جوابا للقسم نحو والله إن زيدا منطلق ويدل عليه من التنزيل قوله { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا إنا مكنا له في الأرض } وقوله في أول السورة { نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم } وقوله { فإن عصوك فقل إني بريء ما تعملون } وقوله { قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله } وقوله { وقل إني أنا النذير المبين } وأشباه ذلك مما يعلم أنه يدل على أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيب به الكفار في بعض ما جادلوا ونظروا فيه ، وعليه قوله { فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين } وقوله { وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين } وفي قصة السحرة { إنا إلى ربنا منقلبون } إذ من الظاهر أنه جواب فرعون عن قوله { آمنتم له قبل أن آذن لكم } وقال عبد القاهر : والتحقيق أنها للتأكيد وإذا كان الخبر بأمر ليس للمخاطب ظن في خلافه لم يحتج هناك إلى «إن » وإنما يحتاج إليها إذا كان السامع ظن الخلاف ، ولذلك تراها تزداد حسنا إذا كان الخبر بأمر يبعد مثله كقول أبي نواس :
عليك باليأس من الناس *** إن غنى نفسك في اليأس
وإنما حسن موقعها لأن الغالب أن الناس لا يحملون أنفسهم على اليأس . وأما جعلها مع اللام جوابا للمنكر في قولك «إن زيدا لقائم » فجيد لأنه إذا كان الكلام مع المنكر كانت الحاجة إلى التأكيد أشد ، وكما يحتمل أن يكون الإنكار من السامع احتمل أيضا أن يكون من الحاضرين . واعلم أنها قد تجيء إذا ظن المتكلم في الذي وجد أنه لا يوجد مثل قولك : إنه كان مني إليه إحسان فعاملني بالسوء ، فكأنك ترد على نفسك ظنك الذي ظننت وتبين الخطأ في الذي توهمت ، وعليه قوله تعالى حكاية عن أم مريم { قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت } وكذلك قول نوح عليه السلام { قال رب إن قومي كذبون } .
أما قوله تعالى { الذين كفروا } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أنه صعب على المتكلمين ذكر حد الكفر ، وتحقيق القول فيه أن كل ما ينقل عن محمد صلى الله عليه وسلم أنه ذهب إليه وقال به فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة أو بالاستدلال أو بخبر الواحد . أما القسم الأول : وهو الذي عرف بالضرورة مجيء الرسول عليه السلام به فمن صدقه في كل ذلك فهو مؤمن ، ومن لم يصدقه في ذلك ، فإما بأن لا يصدقه في جميعها أو بأن لا يصدقه في البعض دون البعض ، فذلك هو الكافر ، فإذن الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيئه به ، ومثاله من أنكر وجود الصانع ، أو كونه عالما قادرا مختارا أو كونه منزها عن النقائص والآفات ، أو أنكر نبوة محمد صلى الله عليه وسلم أو صحة القرآن الكريم أو أنكر الشرائع التي علمنا بالضرورة كونها من دين محمد صلى الله عليه وسلم كوجوب الصلاة والزكاة والصوم والحج وحرمة الربا والخمر ، فذلك يكون كافرا ؛ لأنه ترك تصديق الرسول فيما علم بالضرورة أنه من دينه . فأما الذي يعرف بالدليل أنه من دينه مثل كونه عالما بالعلم أو لذاته وأنه مرئي أو غير مرئي ، وأنه خالق أعمال العباد أم لا فلم ينقل بالتواتر القاطع لعذر مجيئه عليه السلام بأحد القولين دون الثاني ، بل إنما يعلم صحة أحد القولين وبطلان الثاني بالاستدلال ، فلا جرم لم يكن إنكاره ولا الإقرار به داخلا في ماهية الإيمان فلا يكون موجبا للكفر ، والدليل عليه أنه لو كان ذلك جزء ماهية الإيمان لكان يجب على الرسول صلى الله عليه وسلم أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف أنه هل يعرف الحق في تلك المسألة ، ولو كان الأمر كذلك لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة ، ولنقل ذلك على سبيل التواتر ، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه عليه السلام ما وقف الإيمان عليها ، وإذا كان كذلك وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان ، ولا إنكارها موجبا للكفر ، ولأجل هذه القاعدة لا يكفر أحد من هذه الأمة ولا نكفر أرباب التأويل . وأما الذي لا سبيل إليه إلا برواية الآحاد فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه . فهذا قولنا في حقيقة الكفر . فإن قيل يبطل ما ذكرتم من جهة العكس بلبس الغيار وشد الزنار وأمثالهما فإنه كفر مع أن ذلك شيء آخر سوى ترك تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما علم بالضرورة مجيئه به ، قلنا هذه الأشياء في الحقيقة ليست كفرا لأن التصديق وعدمه أمر باطن لا اطلاع للخلق عليه ، ومن عادة الشرع أنه لا يبني الحكم في أمثال هذه الأمور على نفس المعنى ، لأنه لا سبيل إلى الإطلاع ، بل يجعل لها معرفات وعلامات ظاهرة ويجعل تلك المظان الظاهرة مدارا للأحكام الشرعية ، وليس الغيار وشد الزنار من هذا الباب ، فإن الظاهر أن من يصدق الرسول عليه السلام فإنه لا يأتي بهذه الأفعال ، فحيث أتى بها دل على عدم التصديق فلا جرم الشرع يفرع الأحكام عليها ، لا أنها في أنفسها كفر ، فهذا هو الكلام الملخص في هذا الباب والله أعلم .
المسألة الثانية : قوله { إن الذين كفروا } إخبار عن كفرهم بصيغة الماضي والإخبار عن الشيء بصيغة الماضي يقتضي كون المخبر عنه متقدما على ذلك الإخبار ، إذا عرفت هذا فنقول : احتجت المعتزلة بكل ما أخبر الله عن شيء ماض مثل قوله { إن الذين كفروا } أو { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } ، { إنا أنزلناه في ليلة القدر } ، { إنا أرسلنا نوحا } على أن كلام الله محدث سواء كان الكلام هذه الحروف والأصوات أو كان شيئا آخر . قالوا لأن الخبر على هذا الوجه لا يكون صدقا إلا إذا كان مسبوقا بالمخبر عنه ، والقديم يستحيل أن يكون مسبوقا بالغير فهذا الخبر يستحيل أن يكون قديما فيجب أن يكون محدثا ، أجاب القائلون بقدم الكلام عنه من وجهين : الأول : أن الله تعالى كان في الأزل عالما بأن العالم سيوجد ، فلما أوجده انقلب العلم بأنه سيوجد في المستقبل علما بأنه قد حدث في الماضي ولم يلزم حدوث علم الله تعالى ، فلم لا يجوز أيضا أن يقال : إن خبر الله تعالى في الأزل كان خبرا بأنهم سيكفرون فلما وجد كفرهم صار ذلك الخبر خبرا عن أنهم قد كفروا ولم يلزم حدوث خبر الله تعالى .
الثاني : أن الله تعالى قال { لتدخلن المسجد الحرام } فلما دخلوا المسجد لابد وأن ينقلب ذلك الخبر إلى أنهم قد دخلوا المسجد الحرام من غير أن يتغير الخبر الأول ، فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز في مسألتنا مثله ؟ أجاب المستدل أولا عن السؤال الأول فقال : عند أبي الحسين البصري وأصحابه العلم يتغير عند تغير المعلومات ، وكيف لا والعلم بأن العالم غير موجود وأنه سيوجد لو بقي حال وجود العالم لكان ذلك جهلا لا علما ، وإذا كان كذلك وجب تغير ذلك العلم ، وعلى هذا سقطت هذه المعارضة . وعن الثاني : أن خبر الله تعالى وكلامه أصوات مخصوصة ، فقوله تعالى { لتدخلن المسجد الحرام } معناه أن الله تعالى تكلم بهذا الكلام في الوقت المتقدم على دخول المسجد لا أنه تكلم به بعد دخول المسجد ، فنظيره في مسألتنا أن يقال إن قوله { إن الذين كفروا } تكلم الله تعالى به بعد صدور الكفر عنهم لا قبله إلا أنه متى قيل ذلك كان اعترافا بأن تكلمه بذلك لم يكن حاصلا في الأزل وهذا هو المقصود ، أجاب القائلون بالقدم بأنا لو قلنا إن العلم يتغير بتغير المعلوم لكنا إما أن نقول بأن العالم سيوجد كان حاصلا في الأزل أو ما كان ، فإن لم يكن حاصلا في الأزل كان ذلك تصريحا بالجهل . وذلك كفر ، وإن قلنا إنه كان حاصلا فزواله يقتضي زوال القديم ، وذلك سد باب إثبات حدوث العالم والله أعلم .
المسألة الثالثة : قوله { إن الذين كفروا } صيغة للجمع مع لام التعريف وهي للاستغراق بظاهره ثم إنه لا نزاع في أنه ليس المراد منها هذا الظاهر ، لأن كثيرا من الكفار أسلموا فعلمنا أن الله تعالى قد يتكلم بالعام ويكون مراده الخاص ، إما لأجل أن القرينة الدالة على أن المراد من ذلك العموم ذلك الخصوص كانت ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم فحسن ذلك لعدم التلبيس وظهور المقصود ، ومثاله ما إذا كان للإنسان في البلد جمع مخصوص من الأعداء ، فإذا قال «إن الناس يؤذونني » فهم كل أحد أن مراده من الناس ذلك الجمع على التعيين ، وإما لأجل أن التكلم بالعام لإرادة الخاص جائز وإن لم يكن البيان مقرونا به عند من يجوز تأخير بيان التخصيص عن وقت الخطاب ، وإذا ثبت ذلك ظهر أنه لا يمكن التمسك بشيء من صيغ العموم على القطع بالاستغراق لاحتمال أن المراد منها هو الخاص وكانت القرينة الدالة على ذلك ظاهرة في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا جرم حسن ذلك ، وأقصى ما في الباب أن يقال : لو وجدت هذه القرينة لعرفناها وحيث لم نعرفها علمنا أنها ما وجدت إلا أن هذا الكلام ضعيف ، لأن الاستدلال بعدم الوجدان على عدم الوجود من أضعف الإمارات المفيدة للظن فضلا عن القطع ، وإذا ثبت ذلك ظهر أن استدلال المعتزلة بعمومات الوعيد على القطع بالوعيد في نهاية الضعف والله أعلم ومن المعتزلة من احتال في دفع ذلك فقال إن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون كالنقيض لقوله : إن الذين كفروا يؤمنون ، وقوله : إن الذين كفروا يؤمنون لا يصدق إلا إذا آمن كل واحد منهم ، فإذا ثبت أنه في جانب الثبوت يقتضي العموم وجب أن لا يتوقف في جانب النفي على العموم بل يكفي في صدقه أن لا يصدر الإيمان عن واحد منهم ؛ لأنه متى لم يؤمن واحد من ذلك الجمع ثبت أن ذلك الجمع لم يصدر منهم الإيمان ، فثبت أن قوله : إن الذين كفروا لا يؤمنون يكفي في إجرائه على ظاهره أن لا يؤمن واحد منهم فكيف إذا لم يؤمن الكثير منهم والجواب : أن قوله { إن الذين كفروا } صيغة الجمع وقوله { لا يؤمنون } أيضا صيغة جمع والجمع إذا قوبل بالجمع توزع الفرد على الفرد فمعناه أن كل واحد منهم لا يؤمن وحينئذ يعود الكلام المذكور .
المسألة الرابعة : اختلف أهل التفسير في المراد ههنا بقوله { الذين كفروا } فقال قائلون : إنهم رؤساء اليهود المعاندون الذين وصفهم الله تعالى بأنهم يكتمون الحق وهم يعلمون ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وقال آخرون : بل المراد قوم من المشركين ، كأبي لهب وأبي جهل والوليد بن المغيرة وأضرابهم ، وهم الذين جحدوا بعد البينة ، وأنكروا بعد المعرفة ونظيره ما قال الله تعالى { فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه } وكان عليه السلام حريصا على أن يؤمن قومه جميعا حيث قال الله تعالى له { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا } وقال { أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } ثم إنه سبحانه وتعالى بين له عليه السلام أنهم لا يؤمنون ليقطع طمعه عنهم ولا يتأذى بسبب ذلك ، فإن اليأس إحدى الراحتين .
أما قوله تعالى { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف { سواء } اسم بمعنى الاستواء وصف به كما يوصف بالمصادر ومنه قوله تعالى { تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم } { في أربعة أيام سواء للسائلين } بمعنى مستوية ، فكأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه .
المسألة الثانية : في ارتفاع سواء قولان : أحدهما : أن ارتفاعه على أنه خبر لأن و{ أأنذرتهم أم لم تنذرهم } في موضع الرفع به على الفاعلية ، كأنه قيل ، إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه كما تقول : إن زيدا مختصم أخوه وابن عمه . الثاني : أن تكون أنذرتهم أم لم تنذرهم في موضع الابتداء وسواء خبره مقدما بمعنى سواء عليهم إنذارك وعدمه والجملة خبر لأن ، واعلم أن الوجه الثاني أولى ؛ لأن «سواء » اسم ، وتنزيله بمنزلة الفعل يكون تركا للظاهر من غير ضرورة وأنه لا يجوز ، وإذا ثبت هذا فنقول : من المعلوم أن المراد وصف الإنذار وعدم الإنذار بالاستواء ، فوجب أن يكون سواء خبرا فيكون الخبر مقدما . وذلك يدل على أن تقديم الخبر على المبتدأ جائز ، ونظيره قوله تعالى { سواء محياهم ومماتهم } وروى سيبويه قولهم «تميمي أنا » «ومشنوء من يشنؤك » أما الكوفيون فإنهم لا يجوزونه واحتجوا عليه من وجهين : الأول : المبتدأ ذات ، والخبر صفة ، والذات قبل الصفة بالاستحقاق ، فوجب أن يكون قبلها في اللفظ قياسا على توابع الإعراب والجامع التبعية المعنوية . الثاني : أن الخبر لابد وأن يتضمن الضمير ، فلو قدم الخبر على المبتدأ لوجد الضمير قبل الذكر ، وأنه غير جائز ، لأن الضمير هو اللفظ الذي أشير به إلى أمر معلوم ، فقبل العلم به امتنعت الإشارة إليه ، فكان الإضمار قبل الذكر محالا ، أجاب البصريون على الأول بأن ما ذكرتم يقتضي أن يكون تقدم المبتدأ أولى ، لا أن يكون واجبا وعن الثاني : أن الإضمار قبل الذكر واقع في كلام العرب ، كقولهم «في بيته يؤتى الحكم » قال تعالى { فأوجس في نفسه خيفة موسى } وقال زهير :
من يلق يوما على علاته هرما *** يلق السماحة منه والندى خلقا
المسألة الثالثة : اتفقوا على أن الفعل لا يخبر عنه ، لأن من قال : خرج ضرب لم يكن آتيا بكلام منتظم ، ومنهم من قدح فيه بوجوه : أحدها : أن قوله { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } فعل وقد أخبر عنه بقوله { سواء عليهم } ونظيره قوله { ثم بدا لهم من بعد ما رأوا الآيات ليسجننه حتى حين } فاعل «بدا » هو «ليسجننه » وثانيها : أن المخبر عنه بأنه فعل لابد وأن يكون فعلا ، فالفعل قد أخبر عنه بأنه فعل فإن قيل : المخبر عنه بأنه فعل هو تلك الكلمة ، وتلك الكلمة اسم قلنا فعلى هذا : المخبر عنه بأنه فعل إذا لم يكن فعلا بل اسما كان هذا الخبر كذبا ، والتحقيق أن المخبر عنه بأنه فعل إما أن يكون اسما أو لا يكون ، فإن كان الأول كان هذا الخبر كذبا ، لأن الاسم لا يكون فعلا ، وإن كان فعلا فقد صار الفعل مخبرا عنه وثالثها : أنا إذا قلنا : الفعل لا يخبر عنه فقد أخبرنا عنه بأنه لا يخبر عنه ، والمخبر عنه بهذا الخبر لو كان اسما لزم أنا قد أخبرنا عن الاسم بأنه لا يخبر عنه ، وهذا خطأ وإن كان فعلا صار الفعل مخبرا عنه ثم قال هؤلاء : لما ثبت أنه لا امتناع في الإخبار عن الفعل لم يكن بنا حاجة إلى ترك الظاهر . أما جمهور النحويين فقد أطبقوا على أنه لا يجوز الإخبار عن الفعل ، فلا جرم كان التقدير : سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك ، فإن قيل العدول عن الحقيقة إلى المجاز لابد وأن يكون لفائدة زائدة إما في المعنى أو في اللفظ فما تلك الفائدة ههنا ؟ قلنا : قوله { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم } معناه سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لهم بعد ذلك لأن القوم كانوا قد بلغوا في الإصرار واللجاج والإعراض عن الآيات والدلائل إلى حالة ما بقي فيهم البتة رجاء القبول بوجه . وقبل ذلك ما كانوا كذلك ، ولو قال سواء عليهم إنذارك وعدم إنذارك لما أفاد أن هذا المعنى إنما حصل في هذا الوقت دون ما قبله ، ولما قال { أأنذرتهم أم لم تنذرهم } أفاد أن هذه الحالة إنما حصلت في هذا الوقت فكان ذلك يفيد حصول اليأس وقطع الرجاء منهم ، وقد بينا أن المقصود من هذه الآية ذلك .
المسألة الرابعة : قال صاحب الكشاف : «الهمزة » و «أم » مجردتان لمعنى الاستفهام وقد انسلخ عنهما معنى الاستفهام رأسا ، قال سيبويه : جرى هذا على حرف الاستفهام كما جرى على حرف النداء كقوله : اللهم اغفر لنا أيتها العصابة ، يعني أن هذا جرى على صورة الاستفهام ولا استفهام ، كما أن ذلك جرى على صورة النداء ولا نداء .
المسألة الخامسة : في قوله أأنذرتهم } ست قراءات : إما بهمزتين محققتين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما ، أو بأن تكون الهمزة الأولى قوية والثانية بين بين بينهما ألف ، أولا ألف بينهما وبحذف حرف الاستفهام ، وبحذفه وإلقاء حركته على الساكن قبله كما قرئ «قد أفلح » فإن قيل : فما تقول فيمن يقلب الثانية ألفا ؟ قال صاحب الكشاف : هو لحن خارج عن كلام العرب .
المسألة السادسة : الإنذار هو التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي ، وإنما ذكر الإنذار دون البشارة لأن تأثير الإنذار في الفعل والترك أقوى من تأثير البشارة ؛ لأن اشتغال الإنسان بدفع الضرر أشد من اشتغاله بجلب المنفعة ، وهذا الموضع موضع المبالغة وكان ذكر الإنذار أولى . أما قوله { لا يؤمنون } ففيه مسألتان :
المسألة الأولى : قال صاحب الكشاف : هذه إما أن تكون جملة مؤكدة للجملة قبلها أو خبرا «لأن » والجملة قبلها اعتراض .
المسألة الثانية : احتج أهل السنة بهذه الآية وكل ما أشبهها من قوله { لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون } وقوله { ذرني ومن خلقت وحيدا } إلى قوله { سأرهقه صعودا } وقوله { تبت يدا أبي لهب } على تكليف ما لا يطاق ، وتقريره أنه تعالى أخبر عن شخص معين أنه لا يؤمن قط ، فلو صدر منه الإيمان لزم انقلاب خبر الله تعالى الصدق كذبا ، والكذب عند الخصم قبيح وفعل القبيح يستلزم إما الجهل وإما الحاجة ، وهما محالان على الله ، والمفضي إلى المحال محال ، فصدور الإيمان منه محال فالتكليف به تكليف بالمحال ، وقد يذكر هذا في صورة العلم ، هو أنه تعالى لما علم منه أنه لا يؤمن فكان صدور الإيمان منه يستلزم انقلاب علم الله تعالى جهلا ، وذلك محال ومستلزم المحال محال ، فالأمر واقع بالمحال . ونذكر هذا على وجه ثالث : وهو أن وجود الإيمان يستحيل أن يوجد مع العلم بعدم الإيمان ؛ لأنه إنما يكون علما لو كان مطابقا للمعلوم ، والعلم بعدم الإيمان إنما يكون مطابقا لو حصل عدم الإيمان مع العلم بعدم الإيمان لزم أن يجتمع في الإيمان كونه موجودا ومعدوما معا وهو محال ، فالأمر بالإيمان مع وجود علم الله تعالى بعدم الإيمان أمر بالجمع بين الضدين ، بل أمر بالجمع بين العدم والوجود ، وكل ذلك محال ونذكر هذا على وجه رابع : وهو أنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم بأنهم لا يؤمنون بالإيمان البتة ، والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه ، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط ، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط ، وهذا تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، ونذكر هذا على وجه خامس : وهو أنه تعالى عاب الكفار على أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله { يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل } فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله تعالى عن عدم تكوينه قصد لتبديل كلام الله تعالى ، وذلك منهي عنه . ثم ههنا أخبر الله تعالى عنهم بأنهم لا يؤمنون البتة فمحاولة الإيمان منهم تكون قصدا إلى تبديل كلام الله ، وذلك منهي عنه ، وترك محاولة الإيمان يكون أيضا مخالفة لأمر الله تعالى ، فيكون الذم حاصلا على الترك والفعل ، فهذه هي الوجوه المذكورة في هذا الموضع ، وهذا هو الكلام الهادم لأصول الاعتزال . ولقد كان السلف والخلف من المحققين معولين عليه في دفع أصول المعتزلة وهدم قواعدهم ، ولقد قاموا وقعدوا واحتالوا على دفعه فما أتوا بشيء مقنع ، وأنا أذكر أقصى ما ذكروه بعون الله تعالى وتوفيقه : قالت المعتزلة : لنا في هذه الآية مقامان : المقام الأول : بيان أنه لا يجوز أن يكون علم الله تعالى وخبر الله تعالى عن عدم الإيمان مانعا من الإيمان ، والمقام الثاني : بيان الجواب العقلي على سبيل التفصيل ، أما المقام الأول فقالوا : الذي يدل عليه وجوه : أحدها : أن القرآن مملوء من الآيات الدالة على أنه لا مانع لأحد من الإيمان قال { وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى } وهو إنكار بلفظ الاستفهام ومعلوم أن رجلا لو حبس آخر في بيت بحيث لا يمكنه الخروج عنه ثم يقول ما منعك من التصرف في حوائجي كان ذلك منه مستقبحا وكذا قوله { وماذا عليهم لو آمنوا } وقوله لإبليس { ما منعك أن تسجد } وقول موسى لأخيه { ما منعك إذ رأيتهم ضلوا } وقوله { فما لهم لا يؤمنون } { فما لهم عن التذكرة معرضين } { عفا الله عنك لم أذنت لهم } { لم تحرم ما أحل الله لك } قال الصاحب ابن عباد في فصل له في هذا الباب : كيف يأمره بالإيمان وقد منعه عنه ؟ وينهاه عن الكفر وقد حمله عليه ، وكيف يصرفه عن الإيمان ثم يقول أنى تصرفون ؟ ويخلق فيهم الإفك ثم يقول أنى تؤفكون ؟ وأنشأ فيهم الكفر ثم يقوم لم تكفرون ؟ وخلق فيهم لبس الحق بالباطل ثم يقول { لم تلبسون الحق بالباطل } وصدهم عن السبيل ثم يقول { لم تصدون عن سبيل الله } وحال بينهم وبين الإيمان ثم قال { وماذا عليهم لو آمنوا } وذهب بهم عن الرشد ثم قال { فأين تذهبون } وأضلهم عن الدين حتى أعرضوا ثم قال { فما لهم عن التذكرة معرضين } وثانيها : أن الله تعالى قال { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال { ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزي } فلما بين أنه ما أبقى لهم عذرا إلا وقد أزاله عنهم ، فلو كان علمه بكفرهم وخبره عن كفرهم مانعا لهم عن الإيمان لكان ذلك من أعظم الأعذار وأقوى الوجوه الدافعة للعقاب عنهم فلما لم يكن ذلك علمنا أنه غير مانع . وثالثها : أنه تعالى حكى عن الكفار في سورة «حم السجدة » أنهم قالوا : قلوبنا في أكنه مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ، وإنما ذكر الله تعالى ذلك ذما لهم في هذا القول ، فلو كان العلم مانعا لكانوا صادقين في ذلك فلم ذمهم عليه ؟ ورابعها : أنه تعالى أنزل قوله { إن الذين كفروا } إلى آخره ذما لهم وزجرا عن الكفر وتقبيحا لفعلهم ، فلو كانوا ممنوعين عن الإيمان غير قادرين عليه لما استحقوا الذم البتة ، بل كانوا معذورين كما يكون الأعمى معذورا في أن لا يمشي . وخامسها : القرآن إنما أنزل ليكون حجة لله ولرسوله عليهم ، لا أن يكون لهم حجة على الله وعلى رسوله ، فلو كان العلم والخبر مانعا لكان لهم أن يقولوا : إذا علمت الكفر وأخبرت عنه كان ترك الكفر محالا منا ، فلم تطلب المحال منا ولم تأمرنا بالمحال ؟ ومعلوم أن هذا مما لا جواب لله ولا لرسوله عنه لو ثبت أن العلم والخبر يمنع . وسادسها : قوله تعالى
{ نعم المولى ونعم النصير } ولو كان مع قيام المانع عن الإيمان كلف به لما كان نعم المولى ، بل كان بئس المولى ومعلوم أن ذلك كفر ، قالوا : فثبت بهذه الوجوه أنه ليس عن الإيمان والطاعة مانع البتة ، فوجب القطع بأن علم الله تعالى بعدم الإيمان وخبره عن عدمه لا يكون مانعا عن الإيمان . المقام الثاني قالوا إن الذي يدل على أن العلم بعدم الإيمان لا يمنع من وجود الإيمان وجوه : أحدها : أنه لو كان كذلك لوجب أن لا يكون الله تعالى قادرا على شيء ؛ لأن الذي علم وقوعه يكون واجب الوقوع ، والذي علم عدم وقوعه يكون ممتنع الوقوع ، والواجب لا قدرة له عليه ؛ لأنه إذا كان واجب الوقوع ، لا بالقدرة فسواء حصلت القدرة أو لم تحصل كان واجب الوقوع ، والذي يكون كذلك لم يكن للقدرة فيه أثر ، وأما الممتنع فلا قدرة عليه ، فيلزم أن لا يكون الله تعالى قادرا على شيء أصلا ، وذلك كفر بالاتفاق فثبت أن العلم بعدم الشيء لا يمنع من إمكان وجوده . وثانيها : أن العلم يتعلق بالمعلوم على ما هو عليه ، فإن كان ممكنا علمه ممكنا وإن كان واجبا علمه واجبا ، ولا شك أن الإيمان والكفر بالنظر إلى ذاته ممكن الوجود ، فلو صار واجب الوجود بسبب العلم كان العلم مؤثرا في المعلوم ، وقد بينا أنه محال . وثالثها : لو كان الخبر والعلم مانعا لما كان العبد قادرا على شيء أصلا ؛ لأن الذي علم الله تعالى وقوعه كان واجب الوقوع ، والواجب لا قدرة عليه ؛ والذي علم عدمه كان ممتنع الوقوع ، والممتنع لا قدره عليه ، فوجب أن لا يكون العبد قادرا على شيء أصلا ، فكانت حركاته وسكناته جارية مجرى حركات الجمادات ، والحركات الاضطرارية للحيوانات ، لكنا بالبديهة نعلم فساد ذلك ، فإن رمى إنسان إنسانا بالآجرة حتى شجه فإنا نذم الرامي ولا نذم الآجرة ، وندرك بالبديهة تفرقة بين ما إذا سقطت الآجرة عليه ، وبين ما إذا لكمه إنسان بالاختيار : ولذلك فإن العقلاء ببداءة عقولهم يدركون الفرق بين مدح المحسن وذم المسيء ، ويلتمسون ويأمرون ويعاتبون ويقولون لم فعلت ولم تركت ؟ فدل على أن العلم والخبر غير مانع من الفعل والترك . ورابعها : لو كان العلم بالعدم مانعا للوجود لكان أمر الله تعالى للكافر بالإيمان أمرا بإعدام علمه ، وكما أنه لا يليق به أن يأمر عباده بأن يعدموه فكذلك لا يليق به أن يأمرهم ، بأن يعدموا علمه ؛ لأن إعدم ذات الله وصفاته غير معقول ، والأمر به سفه وعبث ، فدل على أن العلم بالعدم لا يكون مانعا من الوجود . وخامسها : أن الإيمان في نفسه من قبيل الممكنات الجائزات نظرا إلى ذاته وعينه ، فوجب أن يعلمه الله تعالى من الممكنات الجائزات ، إذ لو لم يعلمه كذلك لكان ذلك العلم جهلا ، وهو محال ، وإذا علمه الله تعالى من الممكنات الجائزات التي لا يمتنع وجودها وعدمها البتة ، فلو صار بسبب العلم واجبا لزم أن يجتمع على الشيء الواحد كونه من الممكنات ، وكونه ليس من الممكنات وذلك محال . وسادسها : أن الأمر بالمحال سفه وعبث ، فلو جاز ورود الشرع به لجاز وروده أيضا بكل أنواع السفه ، فما كان يمتنع وروده بإظهار المعجزة على يد الكاذبين ولا إنزال الأكاذيب والأباطيل ، وعلى هذا التقدير لا يبقى وثوق بصحة نبوة الأنبياء ولا بصحة القرآن ، بل يجوز أن يكون كله كذبا وسفها ، ولما بطل ذلك علمنا أن العلم بعدم الإيمان والخبر عن عدم الإيمان لا يمنع من الإيمان . وسابعها : أنه لو جاز ورود الأمر بالمحال في هذه الصورة لجاز ورود أمر الأعمى بنقط المصاحف ، والمزمن بالطيران في الهواء ، وأن يقال لمن قيد يداه ورجلاه وألقي من شاهق جبل : لم لا تطير إلى فوق ؟ ولما لم يجز شيء من ذلك في العقول علمنا أنه لا يجوز الأمر بالمحال ، فثبت أن العلم بالعدم لا يمنع من الوجود ، وثامنها : لو جاز ورود الأمر بذلك لجاز بعثة الأنبياء إلى الجمادات وإنزال الكتب عليها ، وإنزال الملائكة لتبليغ التكاليف إليها حالا بعد حال ، ومعلوم أن ذلك سخرية وتلاعب بالدين . وتاسعها : أن العلم بوجود الشيء لو اقتضى وجوبه لأغنى العلم عن القدرة والإرادة ، فوجب أن لا يكون الله تعالى قادرا مريدا مختارا ، وذلك قول الفلاسفة القائلين بالموجب . وعاشرها : الآيات الدالة على أن تكليف ما لا يطاق لم يوجد ، قال الله تعالى { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } وقال { وما جعل عليكم في الدين من حرج } وقال { ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم } وأي حرج ومشقة فوق التكليف بالمحال ( المقام الثالث ) الجواب على سبيل التفصيل ، للمعتزلة فيه طريقان : الأول : طريقة أبي علي وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار ، فإنا لما قلنا : لو وقع خلاف معلوم الله تعالى لانقلب علمه جهلا قالوا خطأ : قول من يقول : إنه ينقلب علمه جهلا ، وخطأ أيضا قول من يقول : إنه لا ينقلب ، ولكن يجب الإمساك عن القولين : والثاني : طريقة الكعبي واختيار أبي الحسين البصري : أن العلم تبع المعلوم ، فإذا فرضت الواقع من العبد من الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل لله تعالى هو العلم بالإيمان ، ومتى فرضت الواقع منه هو الكفر بدلا عن الإيمان عرفت أن الحاصل في الأزل هو العلم بالكفر بدلا عن الإيمان ، فهذا فرض علم بدلا عن علم أخر ، لا أنه تغير العلم . فهذان الجوابان هما اللذان عليهما اعتماد جمهور المعتزلة . واعلم أن هذا المبحث صار منشأ لضلالات عظيمة : فمنها أن منكري التكاليف والنبوات قالوا : قد سمعنا كلام أهل الجبر فوجدناه قويا قاطعا ، وهذان الجوابان اللذان ذكرهما المعتزلة يجريان مجرى الخرافة ولا يلتفت العاقل إليهما ، وسمعنا كلام المعتزلة في أن مع القول بالجبر لا يجوز التكليف ويقبح ، والجواب الذي ذكره أهل الجبر ضعيف جدا فصار مجموع الكلامين كلاما قويا في نفي التكاليف ، ومتى بطل ذلك بطل القول بالنبوات . ومنها أن الطاعنين في القرآن قالوا : الذي قاله المعتزلة من الآيات الكثيرة الدالة على أنه لا منع من الإيمان ومن الطاعة فقد صدقوا فيه ، والذي قاله الجبرية : من أن العلم بعدم الإيمان مانع منه فقد صدقوا فيه ، فدل على أن القرآن ورد على ضد العقل وعلى خلافه ، وذلك من أعظم المطاعن وأقوى القوادح فيه ، ثم من سلم من هؤلاء أن هذا القرآن هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم توسل به إلى الطعن فيه ، وقال قوم من الرافضة : إن هذا الذي عندنا ليس هو القرآن الذي جاء به محمد بل غير وبدل . والدليل عليه اشتماله على هذه المناقضات التي ظهرت بسبب هذه المناظرة الدائرة بين أهل الجبر وأهل القدر . ومنها أن المقلدة الطاعنين في النظر والاستدلال احتجوا بهذه المناظرة وقالوا : لو جوزنا التمسك بالدلائل العقلية لزم القدح في التكليف والنبوة بسبب هذه المناظرة ، فإن كلام أهل الجبر في نهاية القوة في إثبات الجبر ، وكلام أهل القدر في بيانه أنه متى ثبت الجبر بطل التكليف بالكلية في نهاية القوة ، فيتولد من مجموع الكلامين أعظم شبهة في القدح والتكليف والنبوة ، فثبت أن الرجوع إلى العقليات يورث الكفر والضلال ، وعند هذا قيل من تعمق في الكلام تزندق . ومنها أن هشام بن الحكم زعم أنه سبحانه لا يعلم الأشياء قبل وقوعها وجوز البداء على الله تعالى وقال : إن قوله { إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون } إنما وقع على سبيل الاستدلال بالأمارة . ويجوز له أن يظهر خلاف ما ذكره ، وإنما قال بهذا المذهب فرارا من تلك الإشكالات المتقدمة . واعلم أن جملة الوجوه التي رويناها عن المعتزلة كلمات لا تعلق لها بالكشف عن وجه الجواب . بل هي جارية مجرى التشنيعات . فأما الجوابان اللذان عليهما اعتماد القوم ففي نهاية الضعف . أما قول أبي علي وأبي هشام والقاضي : خطأ قول من يقول إنه يدل ، وخطأ قول من يقول : إنه لا يدل : إن كان المراد منه الحكم بفساد القسمين كان ذلك حكما بفساد النفي والإثبات وذلك لا يرتضيه العقل وإن كان معناه أن أحدهما حق لكن لا أعرف أن الحق هو أنه يدل أو لا يدل كفى في دفعه تقرير وجه الاستدلال ، فإنا لما بينا أن العلم بالعدم لا يحصل إلا مع العدم ، فلو حصل الوجود معه لكان قد اجتمع العدم والوجود معا ولا يتمكن العقل من تقرير كلام أوضح من هذا وأقل مقدمات فيه .
وأما قول الكعبي ففي نهاية الضعف ، لأنا وإن كنا لا ندري أن الله تعالى كان في الأزل عالما بوجود الإيمان أو بعدمه لكنا نعلم أن العلم بأحد هذين الأمرين كان حاصلا ، وهو الآن أيضا حاضر ، فلو حصل مع العلم بأحد النقيضين ذلك النقيض الآخر لزم اجتماع النقيضين ، ولو قيل بأن ذلك العلم لا يبقى كان ذلك اعترافا بانقلاب العلم جهلا ، وهذا آخر الكلام في هذا البحث . واعلم أن الكلام المعنوي هو الذي تقدم ، وبقي في هذا الباب أمور أخرى إقناعية ولابد من ذكرها وهي خمسة : أحدها : روى الخطيب في كتاب تاريخ بغداد عن معاذ بن معاذ العنبري قال : كنت جالسا عند عمرو بن عبيد فأتاه رجل فقال : يا أبا عثمان سمعت والله اليوم بالكفر ، فقال : لا تعجل بالكفر ، وما سمعت ؟ قال : سمعت هاشما الأوقص يقول : إن { تبت يدا أبي لهب } وقوله { ذرني ومن خلقت وحيدا } إلى قوله { سأصليه سقر } إن هذا ليس في أم الكتاب والله تعالى يقول { حم والكتاب المبين } إلى قوله { وإنه في أم الكتاب لدينا لعلي حكيم } فما الكفر إلا هذا يا أبا عثمان ، فسكت عمرو هنيهة ثم أقبل علي فقال والله لو كان القول كما يقول ما كان على أبي لهب من لوم ، ولا على الوليد من لوم ، فلما سمع الرجل ذلك قال أتقول يا أبا عثمان ذلك ، هذا والله الذي قال معاذ فدخل بالإسلام وخرج بالكفر . وحكي أيضا أنه دخل رجل على عمرو بن عبيد وقرأ عنده { بل هو قرآن مجيد في لوح محفوظ } فقال له أخبرني عن { تبت } أكانت في اللوح المحفوظ ؟ فقال عمرو : ليس هكذا كانت ، بل كانت : تبت يدا من عمل بمثل ما عمل أبو لهب فقال له الرجل ، هكذا ينبغي أن تقرأ إذا قمنا إلى الصلاة : فغضب عمرو وقال : إن علم الله ليس بشيطان ، إن علم الله لا يضر ولا ينفع . وهذه الحكاية تدل على شك عمرو بن عبيد في صحة القرآن . وثانيها : روى القاضي في كتاب طبقات المعتزلة عن ابن عمر ، أن رجلا قام إليه فقال : يا أبا عبد الرحمان إن أقواما يزنون ويسرقون ويشربون الخمر ويقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ويقولون كان ذلك في علم الله فلم نجد منه بدا ، فغضب ثم قال سبحان الله العظيم ، قد كان في علمه أنهم يفعلونها فلم يحملهم على الله على فعلها . حدثني أبي عمر بن الخطاب أنه سمع رسول صلى الله عليه وسلم يقول :
«مثل علم الله فيكم كمثل السماء التي أظلتكم ، والأرض التي أقلتكم ، فكما لا تستطيعون الخروج من السماء والأرض فكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله تعالى ، وكما لا تحملكم السماء والأرض على الذنوب فكذلك لا يحملكم علم الله تعالى عليها » . واعلم أن في الأخبار التي يرويها الجبرية والقدرية كثرة ، والغرض من رواية هذا الحديث بيان أنه لا يليق بالرسول أن يقول مثل ذلك ، وذلك لأنه متناقض وفاسد ، أما المتناقض فلأن قوله «وكذلك لا تستطيعون الخروج من علم الله » صريح في الجبر وما قبله صريح في القدر فهو متناقض ، وأما أنه فاسد ، فلأنا بينا أن العلم بعدم الإيمان ووجود الإيمان متنافيان ، فالتكليف بالإيمان مع وجود العلم بعدم الإيمان تكليف بالجمع بين النفي والإثبات ، أما السماء والأرض فإنهما لا ينافيان شيئا من الأعمال ، فظهر أن تشبيه إحدى الصورتين بالأخرى لا يصدر إلا عن جاهل أو متجاهل ، وجل منصب الرسالة عنه . وثالثها : الحديثان المشهوران في هذا الباب : أما الحديث الأول : فهو ما روي في الصحيحين عن الأعمش عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق : «إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك ، ثم يكون مضغة مثل ذلك ، ثم يرسل الله إليه ملكا فينفخ فيه الروح فيؤمر بأربع كلمات ، فيكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أم سعيد ، فوالله الذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها ، وإن أحدكم ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها » وحكى الخطيب في تاريخ بغداد عن عمرو بن عبيد أنه قال : لو سمعت الأعمش يقول هذا لكذبته ، ولو سمعت زيد بن وهب يقول هذا ما أحببته ، ولو سمعت عبد الله بن مسعود يقول هذا ما قبلته ، ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا لرددته ، ولو سمعت الله عز وجل يقول هذا لقلت ليس على هذا أخذت ميثاقا . وأما الحديث الثاني : فهو مناظرة آدم وموسى عليهما السلام ، فإن موسى قال لآدم : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ؟ فقال آدم : أنت الذي اصطفاك الله لرسالاته ولكلامه وأنزل عليك التوراة فهل تجد الله قدره علي ؟ قال نعم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فحج آدم موسى ! والمعتزلة طعنوا فيه من وجوه : أحدها : أن هذا الخبر يقتضي أن يكون موسى قد ذم آدم على الصغيرة وذلك يقتضي الجهل في حق موسى عليه السلام ، وأنه غير جائز . وثانيها : أن الولد كيف يشافه والده بالقول الغليظ . وثالثها : أنه قال : أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة ، وقد علم موسى أن شقاء الخلق وإخراجهم من الجنة لم يكن من جهة آدم ، بل الله أخرجه منها . ورابعها : أن آدم عليه السلام احتج بما ليس بحجة ؛ إذ لو كان حجة لكان لفرعون وهامان وسائر الكفار أن يحتجوا بها ، ولما بطل ذلك علينا فساد هذه الحجة . وخامسها : أن الرسول عليه السلام صوب آدم في ذلك مع أنا بينا أنه ليس بصواب . إذا ثبت هذا وجب حمل الحديث على أحد ثلاثة أوجه . أحدها : أنه عليه السلام حكى ذلك عن اليهود لا أنه حكاه عن الله تعالى أو عن نفسه ، والرسول عليه السلام كان قد ذكر هذه الحكاية إلا أن الراوي حين دخل ما سمع إلا هذا الكلام ، فظن أنه عليه السلام ذكره عن نفسه لا عن اليهود . وثانيها : أنه قال : فحج آدم منصوبا أي أن موسى عليه السلام غلبه وجعله محجوبا وأن الذي أتى به آدم ليس بحجة ولا بعذر . وثالثها : وهو المعتمد أنه ليس المراد من المناظرة الذم على المعصية ، ولا الاعتذار منه بعلم الله بل موسى عليه السلام سأله عن السبب الذي حمله على تلك الزلة حتى خرج بسببها من الجنة ، فقال آدم : إن خروجي من الجنة لم يكن بسبب تلك الزلة ، بل بسبب أن الله تعالى كان قد كتب علي أن أخرج من الجنة إلى الأرض وأكون خليفة فيها ، وهذا المعنى كان مكتوبا في التوراة ، فلا جرم كانت حجة آدم قوية وصار موسى عليه السلام في ذلك كالمغلوب واعلم أن الكلام في هذه المسألة طويل جدا والقرآن مملوء منه وسنستقصي القول فيها في هذا التفسير إن قدر الله تعالى ذلك ؛ وفيما ذكرنا ههنا كفاية .
فأما الصورة الثانية فهي صورة الكافرين . وهي تمثل مقومات الكفر في كل أرض وفي كل حين :
( إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون . ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ، وعلى أبصارهم غشاوة ، ولهم عذاب عظيم ) . .
وهنا نجد التقابل تاما بين صورة المتقين وصورة الكافرين . . فإذا كان الكتاب بذاته هدى للمتقين ، فإن الإنذار وعدم الإنذار سواء بالقياس إلى الكافرين . إن النوافذ المفتوحة في أرواح المتقين ، والوشائج التي تربطهم بالوجود وبخالق الوجود ، وبالظاهر والباطن والغيب والحاضر . . إن هذه النوافذ المفتحة كلها هناك ، مغلقة كلها هنا . وإن الوشائج الموصولة كلها هناك ، مقطوعة كلها هنا :
كلام مستأنف يتميز به حال الكفرة الغواة المردة العتاة سيق إثر بيان بديع أحوال أضدادهم المتصفين بنعوت الكمال الفائزين بمطالبهم في الحال والمآل ، ولم يعطف على سابقه عطف القصة على القصة لأن المقصود من ذلك بيان اتصاف الكتاب بغاية الكمال في الهداية تقريراً لكونه يقيناً لا مجال للشك فيه ، ومن هذا ببيان اتصاف الكفار بالإصرار على الكفر والضلال بحيث لا يجدي فيهم الإنذار ، والقول إنهما مسوقان لبيان حال الكتاب وأنه هدى لقوم وليس هدى لآخرين لا يجدي نفعاً لأن عدم كونه هدى لهم مفهوم تبعاً لا مقصود أصالة على أن الانتفاع به صفة كمال له يؤيد ما سبق من تفخيم شأنه وإعلاء مكانه بخلاف عدم الانتفاع . وقيل إن ترك العطف لكونه استئنافاً آخر كأنه قيل ثانياً ما بال غيرهم لم يهتدوا به ؟ فأجيب بأنهم لإعراضهم وزوال استعدادهم لم ينجع فيهم دعوة الكتاب إلى الإيمان ، وليس بشيء لأنه بعد ما تقرر أن تلك الأوصاف المختصة هي المقتضية لم يبق لهذا السؤال وجه ، وأغرب من هذا تخيل أن الترك لغاية الاتصال زعماً أن شرح تمرد الكفار يؤكد كون الكتاب كاملاً في الهداية نعم يمكن على بعد أن يوجه السؤال بأن يقال : لو كان الكتاب كاملاً لكان هدى للكفار أيضاً فيجاب بأن عدم هدايته إياهم لتمردهم وتعنتهم لا لقصور في الكتاب .
والنجم تستصغر الأبصار رؤيته *** والذنب للطرف لا للنجم في الصغر
والعطف في قوله تعالى : { إِنَّ الأبرار لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الفجار لَفِي جَحِيمٍ } [ الإنفطار : 13 ] لاتحاد الجامع إذ الجملة الأولى مسوقة لبيان ثواب الأخيار ، والثانية لذكر جزاء الأشرار مع ما فيهما من الترصيع والتقابل وقد عد التضاد وشبهه جامعاً يقتضي العطف لأن الوهم ينزل المتضادين منزلة المتضايفين فيجتهد في الجمع بينهما في الذهن حتى قالوا : إن الضد أقرب خطوراً بالبال مع الضد من الأمثال . وصدرت الجملة بأن اعتناء بمضمونها وقد تصدر بها الأجوبة لأن السائل لكونه متردداً يناسبه التأكيد وتعريف الموصول إما للعهد( {[109]} ) والمراد من شافههم صلى الله عليه وسلم بالإنذار في عهده وهم مصرون على كفرهم أو للجنس كما في قوله تعالى : { كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ } [ البقرة : 171 ] وكقول الشاعر :
ويسعى إذا أبني لهدم صالحي *** وليس الذي يبني كمن شأنه الهدم
فهو حينئذٍ عام خصه العقل بغير المصري ، والإخبار بما ذكر قرينة عليه أو المخصص عود ضمير خاص عليه من الخبر لا الخبر نفسه وقد ذكر الأصوليون ثلاثة أقوال فيما إذا عاد ضمير خاص على العام فقيل يخصصه وقيل لا وقيل بالوقف ومثلوه بقوله تعالى : { والمطلقات يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثلاثة قُرُوء } [ البقرة : 228 ] فإن الضمير في بعولتهن للرجعيات فقط . وما ذكره بعض أجلة المفسرين أن المخصص هنا الخبر أورد عليه إن تعين المخبر عنه بمفهوم الخبر ينافي ما تقرر من أن المخبر عنه لا بد أن يكون متعيناً عند المخاطب قبل ورود الخبر فلو توقف تعين المخبر عنه على الخبر لزم الدور . والكفر بالضم مقابل الإيمان وأصله المأخوذ منه الكفر بالفتح مصدر بمعنى الستر يقال كفر يكفر من باب قتل ، وما في الصحاح من أنه من باب ضرب فالظاهر أنه غير صحيح( {[110]} ) وإن لم ينبه عليه في القاموس وشاع استعماله في ستر النعمة خاصة وفي مقابل الإيمان لأن فيه ستر الحق ونعم الفيض المطلق ، وقد صعب على المتكلمين تعريف الكفر الشرعي الغير التبعي ، واختلفوا في تعريفه على حسب اختلافهم في تعريف الإيمان إلا أن الذي عول عليه الشافعية رحمهم الله تعالى أنه إنكار ما علم مجيء الرسول صلى الله عليه وسلم به مما اشتهر حتى عرفه الخواص والعوام فلا يكفر جاحد المجمع عليه على الإطلاق بل من جحد مجمعاً عليه فيه نص وهو من الأمور الظاهرة التي يشترك في معرفتها سائر الناس كالصلاة وتحريم الخمر ومن جحد مجمعاً عليه لا يعرفه إلا الخواص كاستحقاق بنت الابن السدس مع بنت الصلب فليس بكافر ومن جحد مجمعاً عليه ظاهراً لا نص فيه ففي الحكم بتكفيره خلاف ، وأما ساداتنا الحنفية رضي الله تعالى عنهم فلم يشترطوا في الإكفار سوى القطع بثبوت ذلك الأمر الذي تعلق به الإنكار لا بلوغ العلم به حد الضرورة هذا أمر عظيم وكأنه لذلك قال ابن الهمام : يجب حمله على ما إذا علم المنكر ثبوته قطعاً لأن مناط التكفير التكذيب أو الاستخفاف ولا يرد على أخذ الإنكار في التعريف أن أهل الشرع حكموا على بعض الأفعال والأقوال بأنها كفر وليست إنكاراً من فاعلها ظاهراً لأنهم صرحوا بأنها ليست كفراً وإنما هي دالة عليه فأقيم الدال مقام مدلوله حماية لحريم الدين وصيانة لشريعة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم وليست بعض المنهيات التي تقتضيها الشهوة النفسانية كذلك فلا( {[111]} ) يبطل الطرد بغير الكفر من الفسق فليس شعار الكفار مثلاً ليس في الحقيقة كفراً كما قاله مولانا الإمام الرازي وغيره إلا أنهم كفروا به لكونه علامة ظاهرة على أمر باطن وهو التكذيب لأن الظاهر أن من يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأتي به فحيث أتى به دل على عدم التصديق وهذا إذا لم تقم قرينة على ما ينافي تلك الدلالة ولهذا قال بعض المحققين : إن لبس شعار الكفرة سخرية بهم وهزلاً ليس بكفر . وقال مولانا الشهاب : وليس ببعيد إذا قامت القرينة ، وأنا أقول : إذا قامت القرينة على غرض آخر غير السخرية والهزل لا كفر به أيضاً كما يظنه بعض من ادعى العلم اليوم وليس منه في قبيل ولا دبير ولا في العير ولا النفير ثم الإنكار هنا بمعنى الجحود ولا يرد أن من تشكك أو كان خالياً عن التصديق والتكذيب ليس بمصدق ولا جاحد وأنه قول بالمنزلة بين المنزلتين وهو باطل عند أهل السنة لأنه يجوز أن يكون كفر الشاك والخالي لأن تركهما الإقرار مع السعة والأعمال بالكلية دليل كما قاله الساليكوتي على التكذيب كما أن التلفظ بكلمة الشهادة دليل على التصديق ، وقيل : هو ههنا من أنكرت الشيء جهلته فلا ورود أيضاً ، وفيه أن الإنكار بمعنى الجهل يقابل المعرفة فيلزم أن يكون العارف الغير المصدق كأحبار اليهود واسطة فالمحذور باق بحاله .
وعرف في المواقف الكفر بأنه عدم تصديق الرسول صلى الله عليه وسلم في بعض ما علم مجيئه به بالضرورة ولعله أيضاً يقول بإقامة بعض الأفعال والأقوال مقام عدم التصديق واعترض على أخذ الضرورة بأن ما ثبت بالإجماع قد يخرج من الضروريات وكذا براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ثبتت بالقرآن ، وأدلته اللفظية غير موجبة للعلم فتخرج عن الضروريات أيضاً ؟
وأجيب بأن خروج ما ثبت بالإجماع عن الضروريات ممنوع والدلالة اللفظية تفيد العلم بانضمام القرائن وهي موجودة في براءة عائشة رضي الله تعالى عنها ولقد عد أصحابنا رضي الله تعالى عنهم في باب الإكفار أشياء كثيرة لا أراها توجب إكفاراً والإخراج عن الملة أمر لا يشبهه شيء فينبغي الاتئاد في هذا الباب مهما أمكن ، وقول ابن الهمام : أرفق بالناس وفي أبكار الأفكار في هذا البحث ما يقضي منه العجب ولا أرغب في طول بلا طول وفضول بلا فضل . واستدل المعتزلة بهذه الآية ونحوها على حدوث كلامه سبحانه وتعالى لاستدعاء صدق الأخبار بمثل هذا الماضي سابقة المخبر عنه أعني النسبة بالزمان وكل مسبوق بالزمان حادث ، وأجيب بأن سبق المخبر عنه يقتضي تعلق كلامه الأزلي بالمخبر عنه فاللازم سبق المخبر عنه على التعلق وحدوثه وهو لا يستلزم حدوث الكلام كما في علمه تعالى بوقوع الأشياء فإن له تعلقاً حادثاً مع عدم حدوثه ، أو يقال : إن ذاته تعالى وصفاته لما لم تكن زمانية يستوي إليها جميع الأزمنة استواءً جميع الأمكنة فالأنواع كل منها حاضر عنده في مرتبته واختلاف التعبيرات بالنظر إلى المخاطب الزماني رعاية للحكمة في باب التفهيم ، وقيل غير ذلك مما يطول ذكره ، وقد ذكرنا في الفائدة الرابعة ما يفيدك ذكره هنا فتذكر .
و{ سَوَاء } اسم مصدر بمعنى الاستواء وهو لا يثنى ولا يجمع وقد استغنوا عن تثنيته بتثنية { سي } إلا شذوذاً وكأنه في الأصل مصدر كما قاله الرضي ، ورفع على أنه خبران وما بعده مرتفع به على الفاعلية كأنه قيل إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه أو خبر مبتدأ محذوف تقديره الأمران سواء ثم بين الأمرين بقوله سبحانه : { أأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ } أو خبر لما بعده أي إنذارك وعدمه سيان وهو المشهور على ألسنة الطلبة في مثله .
وأورد عليه أمور . الأول : إن الفعل لا يسند إليه . الثاني : إنه مبطل لصدارة الاستفهام . الثالث : إن الهمزة و{ أَمْ } موضوعان لأحد الأمرين وكل ما يدل على الاستواء لا يسند إلا إلى متعدد ، فلذا يقال : استوى وجوده وعدمه ولا يقال أو عدمه . الرابع : إنه على تقدير كونه خبراً يلزم أن لا يصح تقديمه لالتباس المبتدأ بالفاعل . ويجاب أما عن الأول فبأنه من جنس الكلام المهجور فيه جانب اللفظ إلى جانب المعنى ، والعرب تميل في مواضع من كلامهم مع المعاني ميلاً بيناً ومن ذلك لا تأكل السمك وتشرب اللبن أي لا يكن منك أكل السمك وشرب اللبن ولو أجرى على ظاهره لزم عطف الاسم المنصوب على الفعل بل المفرد على جملة لا محل لها . ودعوى البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله أنه استعمل فيه اللفظ في جزء معناه وهو الحدث تجوزاً فلذا صح الإخبار عنه كما يجوز الإخبار عما يراد به مجرد لفظه كضرب ماض مفتوح الباء على ما فيها لا تتأتى فيما إذا كان المعادلان أو أحدهما بعد همزة التسوية جملة اسمية كما في قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنتُمْ صامتون } [ الأعراف : 193 ] ويدخل في الميل مع المعنى مع أنه لا يلزم عليه الخروج عن الحقيقة وقد نقل ابن جني عن أبي علي( {[112]} ) أنه قال : الجملة المركبة من المبتدأ والخبر تقع موقع الفعل المنصوب بأن إذا انتصب وانصرف القول به والرأي فيه إلى مذهب المصدر كقوله تعالى : { هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } [ الروم : 28 ] وكقوله سبحانه وتعالى : { أعنده عِلْمُ الغيب فَهُوَ يرى } [ النجم : 35 ] ألا ترى أن الفاء جواب الاستفهام وهي تصرف الفعل بعدها إلى الانتصاب بأن مضمرة والفعل المنصوب مصدر لا محالة حتى كأنه قال أعنده علم الغيب فرؤيته وهل بينكم شركة فاستواء ، وأما عن الثاني والثالث فبأن الهمزة و{ أَمْ } انسلخا عن معنى الاستفهام عن أحد الأمرين ولما كانا مستويين في علم المستفهم جعلا مستويين في تعلق الحكم بكليهما ، ولهذا قيل : تجوز بهما عن معنى الواو العاطفة الدالة على اجتماع متعاطفيها في نسبة ما من غير ملاحظة تقدم أو تأخر ، ثم إن مثل هذا المعنى وإن كان مراداً إلا أنه لا يلاحظ في عنوان الموضوع بعد السبك كما لا يلاحظ معنى العاطف فلا يقال في الترجمة هنا إلا الإنذار وعدمه سواء من غير نظر إلى التساوي حتى يقال إذا كان تقدير المبتدأ المتساويان يلغو حمل سواء عليه فيدفع بما يدفع ، وقد قال الإمام الآقسراي : إن أنذرتهم الخ .
انتقل عن أن يكون المقصود أحدهما إلى أن يكون المراد كليهما وهذا معنى الاستواء الموجود فيه ، وأما الحكم بالاستواء في عدم النفع فلم يحصل إلا من قوله : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } وذكر أنه ظفر بمثله عن أبي علي الفارسي ، وكلام المولى الفناري يحوم حول هذا الحمى ، وذهب بعض المحققين إلى أنهما في الأصل للاستفهام عن أحد الأمرين ، وهما مستويان في علم المستفهم ، وقد ذهب ذلك الاستواء هنا إذ سلخ عنهما الاستفهام وبقي الاستواء في العلم وهو معنى قول من قال الهمزة و{ أَمْ } مجردتان لمعنى الاستواء فيكون الحاصل فيما نحن فيه المتساويان في علمك مستويان في عدم الجدوى وهذا على ما فيه تكلف مستغنى عنه بما ذكرناه ومثله ما ذكر العاملي من أن تمام معناهما الاستواء والاستفهام معاً فجردا عن معنى الاستفهام وصارا لمجرد الاستواء ولتكرر الحكم بالاستواء بمعنى واحد يحصل التأكيد كأنه قيل سواء الإنذار وعدمه سواء وهو بعيد عن ساحة التحقيق كما لا يخفى ويوهم قولهم بالتجريد أن هناك مجازاً مرسلاً استعمل فيه الكل في جزئه ، والتحقيق إنه إما استعارة أو مستعمل في لازم معناه ثم المشهور أنه لا يجوز العطف بعد سواء بأو إن كان هناك همزة التسوية حتى قال في «المغني » : إنه من لحن الفقهاء ، وفي شرح الكتاب للسيرافي { سواء } إذا دخلت بعدها ألف الاستفهام لزمت { أَمْ } كسواء على أقمت أم قعدت فإذا عطف بعدها أحد اسمين على آخر عطف بالواو لا غير نحو سواء عندي زيد وعمرو فإذا كان بعدها فعلان بغير استفهام عطف أحدهما على الآخر بأو كقولك سواء عليّ قمت أو قعدت فإن كان بعدها مصدران مثل سواء عليّ قيامك وقعودك فلك العطف بالواو وبأو . وإنما دخلت في الفعلين بغير استفهام لما في ذلك من معنى المجازاة ، فتقدير المثال إن قمت أو قعدت فهما على سواء ، والظاهر من هذا ببيان استعمالات العرب لسواء ولم يحك في شيء من ذلك شذوذاً فقراءة ابن محيصن من طريق الزعفراني سواء عليهم أنذرتهم أو لم تنذرهم شاذة رواية فقط لا استعمالاً كما يفهمه كلام ابن هشام فافهم هذا المقام فقد غلط فيه أقوام بعد أقوام . وأما عن الرابع فبأن النحاة قد صرحوا بتخصيص ذلك بالخبر الفعلي دون الصفة نحو زيد قام فلا يقدم لالتباس المبتدأ بالفاعل حينئذٍ فإذا لم يمتنع في صريح الصفة فعدم امتناعه هنا أولى على ما قيل ، وإنما عدل سبحانه عن المصدر فلم يأت به على الأصل لوجهين ، لفظي وهو حسن دخول الهمزة وأم لأنهما في الأصل للاستفهام وهو بالفعل أولى ، ومعنوي وهو إيهام التجدد نظراً لظاهر الصيغة ، وفيه إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم أحدث ذلك وأوجده فأدى الأمانة وبلغ الرسالة وإنما لم يؤمنوا لسبق الشقاء ودرك القضاء لا لتقصير منه وحاشاه فهو وإن أفاد اليأس فيه تسلية له صلى الله عليه وسلم .
وعلى هنا باعتبار أصل معناه لأن الاستواء يتعدى بعلى كقوله تعالى : { استوى عَلَى العرش } [ الأعراف : 54 ] وقيل بمعنى عند ، ففي «المغني » على تجرد للظرفية ، وعلى ذلك أكثر المفسرين والقول بأنها هنا للمضرة كدعاء عليه ليس بشيء لأن { سواء } تستعمل مع على مطلقاً ، فيقال : مودتي دائمة سواء على أزرت أم لم تزر { والإنذار } التخويف مطلقاً أو الإبلاغ وأكثر ما يستعمل في تخويف عذاب الله تعالى ويتعدى إلى اثنين كقوله تعالى : { إِنَّا أنذرناكم عَذَاباً قَرِيباً } [ النبأ : 40 ] { فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صاعقة } [ فصلت : 13 ] فالمفعول الثاني هنا محذوف أي العذاب ظاهراً ومضمراً واستحسن أن لا يقدر ليعم ، وفي البحر : الإنذار الإعلام مع التخويف في مدة تسع التحفظ من المخوف فإن لم تسع فهو إشعار وإخبار لا إنذار ولم يذكر سبحانه البشارة لأنها تفهم بطريق دلالة النص لأن الإنذار أوقع في القلب وأشد تأثيراً فإذا لم ينفع كانت البشارة بعدم النفع أولى . وقيل لا محل للبشارة هنا لأن الكافر ليس أهلاً لها . وقوله عز من قائل : { لاَ يُؤْمِنُونَ } يحتمل أن تكون مفسرة لإجمال ما قبلها مما فيه الاستواء والكفر وعدم نفع الإنذار في الماضي بحسب الظاهر مسكوت فيه عن الاستمرار { وَلاَ يُؤْمِنُونَ } دال عليه ومبين له فلا حاجة إلى القول بأن هذا بالنظر إلى مفهوم اللفظ مع قطع النظر عن أنه إخبار عن المصرين وهي حينئذٍ لا محل لها من الإعراب كما هو شأن الجمل المفسرة ، وعند الشلوبين لها محل لأنها عطف بيان عنده ويحتمل أن تكون حالاً مؤكدة لما قبلها وصاحب الحال ضمير عليهم أو أنذرتهم وليس هذا كزيد أبوك عطوفاً لفقد ما يشترط( {[113]} ) في هذا النوع ههنا وأن تكون بدلاً ، إما بدل اشتمال لاشتمال عدم نفع ما مر على عدم الإيمان ، أو بدل كل لأنه عينه بحسب المآل أو خبراً بعد خبر أو خبر مبتدأ محذوف أي هم لا يؤمنون أو خبر إن والجملة قبلها اعتراض . وفي التسهيل : الاعتراضية هي المفيدة تقوية وهي هنا كالعلة للحكم لدلالتها على قسوة قلوبهم وعدم تأثرها بالإنذار وهو مقتض لعدم الإيمان ؛ وحيث أن الموضوع دال على عدم الإيمان في الماضي والمحمول على استمراره في المستقبل اندفع توهم عدم الفائدة في الإخبار وجعل الجملة دعائية بعيد ، وأبعد منه ما روي أن الوقف على أم لم تنذر والابتداء بهم لا يؤمنون على أنه مبتدأ وخبر بل ينبغي أن لا يلتفت إليه .
وقرأ الجحدري : { سواء } بتخفيف الهمزة على لغة الحجاز فيجوز أنه أخلص الواو ويجوز أنه جعل الهمزة بين بين أي بين الهمزة والواو( {[114]} ) ، وعن الخليل أنه قرأ سوء عليهم بضم السين مع واو بعدها فهو عدول عن معنى المساواة إلى السب والقبح وعليه لا تعلق أعرابياً له بما بعده كما في البحر ، وقرأ الكوفيون وابن ذكوان وهي لغة بني تميم أأنذرتهم بتحقيق الهمزتين وهو الأصل ، وأهل الحجاز لا يرون الجمع بينهما طلباً للتخفيف فقرأ الحرميان وأبو عمرو وهشام بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية إلا أن أبا عمرو وقالون وإسماعيل بن جعفر عن نافع وهشام يدخلون بينهما ألفاً وابن كثير لا يدخل .
وروي تحقيقهما عن هشام مع إدخال ألف بينهما وهي قراءة ابن عباس وابن أبي إسحاق . وروي عن ورش كابن كثير وكقالون إبدال الهمزة الثانية ألفاً فيلتقي ساكنان على غير حدهما عند البصريين ، وزعم الزمخشري أن ذلك لحن وخروج عن كلام العرب من وجهين أحدهما : الجمع بين ساكنين على غير حدة الثاني : إن طريق تخفيف الهمزة المتحركة المفتوح ما قبلها هو بالتسهيل بين بين لا بالقلب ألفاً لأنه طريق الهمزة الساكنة وما قالوه مذهب البصريين ، والكوفيون أجازوا الجمع على غير الحد الذي أجازه البصريون ، وهذه القراءة من قبيل الأعداء ، ورواية المصريين عن ورش وأهل بغداد يروون التسهيل بين بين كما هو القياس فلا يكون الطعن فيها طعناً فيما هو من السبع المتواتر إلا أن المعتزلي أساء الأدب في التعبير ، وقد احتج بهذه الآية وأمثالها من قال بوقوع التكليف بالممتنع لذاته بناءً على أن يراد بالموصول ناس بأعيانهم ، وحاصل الاستدلال أنه سبحانه وتعالى أخبر بأنهم لا يؤمنون وأمرهم بالإيمان وهو ممتنع إذ لو كان ممكناً لما لزم من فرض وقوعه محال لكنه لازم إذ لو آمنوا انقلب خبره كذباً وشمل إيمانهم الإيمان بأنهم لا يؤمنون لكونه مما جاء به صلى الله عليه وسلم وإيمانهم بأنهم لا يؤمنون فرع اتصافهم بعدم الإيمان فيلزم اتصافهم بالإيمان وعدم الإيمان فيجتمع الضدان ، وكلا الأمرين من انقلاب خبره تعالى كذباً واجتماع الضدين محال وما يستلزم المحال محال { وأجيب } بأن إيمانهم ليس من المتنازع فيه لأنه أمر ممكن في نفسه وبإخباره سبحانه وتعالى بعدم الإيمان لا يخرج من الإمكان ، غايته أنه يصير ممتنعاً بالغير واستلزام وقوعه الكذب أو اجتماع الضدين بالنظر إلى ذلك لأن إخباره تعالى بوقوع الشيء أو عدم وقوعه لا ينفي القدرة عليه ولا يخرجه من الإمكان الذاتي لامتناع الانقلاب ، وإنما ينفي عدم وقوعه أو وقوعه فيصير ممتنعاً بالغير واللازم للممكن أن لا يلزم من فرض وقوعه نظراً إلى ذاته محال ، وأما بالنظر إلى امتناعه بالغير فقد يستلزم الممتنع بالذات كاستلزام عدم المعلول الأول عدم الواجب .
وقيل : في بيان استحالة إيمانهم بأنهم لا يؤمنون أنه تكليف بالنقيضين لأن التصديق في الإخبار بأنهم لا يصدقونه في شيء يستلزم عدم تصديقهم في ذلك والتكليف بالشيء تكليف بلوازمه ، وقوبل بالمنع لا سيما اللوازم العدمية .
وقيل : لأن تصديقهم في أن لا يصدقوه يستلزم أن لا يصدقوه وما يستلزم وجوده عدمه محال ، ورد بأنه يجوز أن يكون ذلك الاستلزام لامتناعه بالغير كما فيما نحن فيه ، وقيل لأن إذعان الشخص بخلاف ما يجد في نفسه محال . واعترض بأنه يجوز أن لا يخلق الله تعالى العلم بتصديقه فيصدقه في أن لا يصدقه نعم إنه خلاف العادة لكنه ليس من الممتنع بالذات كذا قيل ، ولا يخلو المقام بعد عن شيء وأي شيء ، والبحث طويل واستيفاؤه هنا كالتكليف بما لا يطاق وسيأتيك إن شاء الله تعالى على أتم وجه .
ثم فائدة الإنذار بعد العلم بأنه لا يثمر استخراج سر ما سبق به العلم التابع للمعلوم من الطوع والآباء في المكلفين { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى الله حُجَّةٌ بَعْدَ الرسل } [ النساء : 165 ] فإن الله تعالى لو أدخل ابتداء كلا داره التي سبق العلم بأنه داره لكان شأن المعذب منهم ما وصف الله تعالى بقوله : { وَلَوْ أَنَّا أهلكناهم بِعَذَابٍ مّن قَبْلِهِ لَقَالُواْ رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى } [ طه : 134 ] فأرسل رسلاً مبشرين ومنذرين ليتخرج ما في استعدادهم من الطوع والآباء فيهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة فإن الذكرى تنفع المؤمنين وتقوم به الحجة على الآخرين إذ بعد الذكرى وتبليغ الرسالة تتحرك الدواعي للطوع والآباء بحسب الاستعداد الأزلي فيترتب عليه الفعل أو الترك بالمشيئة السابقة للعلم التابع للمعلوم الثابت الأزلي فيترتب عليه النفع والضرّ من الثواب والعقل وإنما قامت الحجة على الكافر لأن ما امتنع من الإتيان به بعد بلوغ الدعوة وظهور المعجزة من الإيمان لو كان ممتنعاً لذاته مطلقاً لما وقع من أحد لكنه قد وقع فعلم أن عدم وقوعه منه كان عن إباء ناشئ من استعداده الأزلي باختياره السيئ وإن كان إباؤه بخلق الله تعالى به فإن فعل الله تعالى تابع لمشيئته التابعة لعلمه التابع للمعلوم والمعلوم من حيث ثبوته الأزلي غير مجعول فتعلق العلم به على ما هو عليه في ثبوته الغير المجعول مما يقتضيه استعداده الأزلي في الإرادة تعلقت بتخصيص ما سبق العلم به من مقتضى استعداده الأزلي فأبرزته القدرة على طبق الإرادة قال تعالى : { أعطى كُلَّ شيء خَلْقَهُ } فلهذا قال : { قُلْ فَلِلَّهِ الحجة البالغة فَلَوْ شَاء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنعام : 149 ] لكنه لم يشأ إذ لم يسبق به العلم لكونه كاشفاً للمعلوم وما في استعداده الأزلي فالمعلوم المستعد للهداية في نفسه كشفه عما هو عليه من قبوله لها ، والمستعد للغواية تعلق به على ما هو عليه من عدم قبوله لها فلم يشأ إلا ما سبق به العلم من مقتضيات الاستعداد فلم تبرز القدرة إلا ما شاء الله تعالى فصح أن لله الحجة البالغة سبحانه إذا نوزع لأن الله تعالى : { قَدْ أعطى كُلَّ شيء خَلْقَهُ } وما يقتضيه استعداده وما نقص منه شيئاً ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : «فمن وجد خيراً فليحمد الله » فإن الله متفضل بالإيجاد ولا واجب عليه ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه لأنه ما أبرز قدرته بجوده ورحمته مما اقتضته الحكمة من الأمر الذي لا خير فيه له إلا لكونه مقتضى استعداده فالحمد لله على كل حال ونعوذ به من أحوال أهل الزيغ والضلال ، وإنما قال سبحانه : { سَوَاء عَلَيْهِمْ } ولم يقل عليك لأن الإنذار وعدمه ليسا سواء لديه صلى الله عليه وسلم لفضيلة الإنذار الواجب عليه على تركه ، وإذا أريد بالموصول ناس معينون على أنه تعريف عهدي كما مر كان فيه معجزة لأخباره بالغيب وهو موت أولئك على الكفر كما كان .