فتح الرحمن في تفسير القرآن لتعيلب - تعيلب  
{وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَمَا هُم بِمُؤۡمِنِينَ} (8)

بعض من البشر يقولون بألسنتهم ما ليس بقلوبهم ، فكلامهم كلام المتخشعين وطويتهم على المكر والاحتيال والغدر بالمؤمنين : { . . أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا }{[132]} ولم تسبق سورة البقرة في النزول سورة تحدثت عن المنافقين في ثلاث عشرة آية كما نقرأها هنا ولعل من حكمة الله تعالى في ذلك أن السورة التي سبقتها نزلت قبل الهجرة ، وهناك لم يكن من يظهر الإسلام ويخفي الكفر ، بل كان على العكس من ذلك . قد يحدث أن يظهر شخص الكفر مستكرها لكنه على الحقيقة مؤمن فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، ونصره الله تعالى يوم بدر أكل الحقد صدور اليهود ، فانبعث عبد الله بن أبي سلول وكان رأسا في المدينة وقال : هذا أمر قد توجه ؛ وأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على مثل ضغنه وخبثه ، يريدون أن يكيدوا الإسلام من داخله بعد أن يئسوا من النيل منه ، وهم يناؤونه ويناصبونه العداء السافر المستعلن ، يعتقدون بجهلهم أنهم يتلونه والتوائهم يغرون الله وأهل الإيمان ، خابوا وخسروا فإن الله عليم بذات الصدور وقد هتك أستارهم وفضح أمرهم بقوله عز وجل : { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون }{[133]} أي إنما يقولون ذلك إذا جاءوك فقط : { وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وَهُم قد خرجوا به والله أعلم بما يكتمون }{[134]}


[132]:سورة الأحزاب من الآية 19.
[133]:سورة المنافقون الآية 1.
[134]:سورة المائدة الآية 61.