ثم قال تعالى : { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } وفيه مباحث :
البحث الأول : قرأ ابن عامر تزور ساكنة الزاي المعجمة مشددة الراء مثل تحمر ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي تزاور بالألف والتخفيف والباقون تزاور بالتشديد والألف والكل بمعنى واحد ، والتزاور هو الميل والانحراف ، ومنه زاره إذا مال إليه والزور الميل عن الصدق ، وأما التشديد فأصله تتزاور سكنت التاء الثانية وأدغمت في الزاي ، وأما التخفيف فهو تفاعل من الزور وأما تزور فهو من الازورار .
البحث الثاني : قوله : { وترى الشمس } أي أنت أيها المخاطب ترى الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم وليس المراد أن من خوطب بهذا يرى هذا المعنى ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو ، ومعناه أنك لو رأيته لرؤيته على هذه الصورة .
البحث الثالث : قوله : { ذات اليمين } أي جهة اليمين وأصله أن ذات صفة أقيمت مقام الموصوف لأنها تأنيث ذو في قولهم رجل ذو مال ، وامرأة ذات مال ، والتقدير كأنه قيل تزاور عن كهفهم جهة ذات اليمين ، وأما قوله : { وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال } ففيه بحثان :
البحث الأول : قال الكسائي قرضت المكان أي عدلت عنه وقال أبو عبيدة القرض في أشياء فمنها القطع ، وكذلك السير في البلاد أي إذا قطعها . تقول لصاحبك هل وردت مكان كذا فيقول المجيب إنما قرضته فقوله : { تقرضهم ذات الشمال } أي تعدل عن سمت رؤوسهم إلى جهة الشمال .
البحث الثاني : للمفسرين ههنا قولان : القول الأول : أن باب ذلك الكهف كان مفتوحا إلى جانب الشمال فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف وإذا غربت كانت على شماله فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف ، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل ، والمقصود أن الله تعالى صان أصحاب الكهف من أن يقع عليهم ضوء الشمس وإلا لفسدت أجسامهم فهي مصونة عن العفونة والفساد . والقول الثاني : أنه ليس المراد ذلك ، وإنما المراد أن الشمس إذا طلعت منع الله ضوء الشمس من الوقوع . وكذا القول حال غروبها ، وكان ذلك فعلا خارقا للعادة وكرامة عظيمة خص الله بها أصحاب الكهف ، وهذا قول الزجاج واحتج على صحته بقوله : { ذلك من آيات الله } قال ولو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرا معتادا مألوفا فلم يكن ذلك من آيات الله ، وأما إذا حملنا الآية على هذا الوجه الثاني كان ذلك كرامة عجيبة فكانت من آيات الله ، واعلم أنه تعالى أخبر بعد ذلك أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء ، قال : { وهم في فجوة منه } أي من الكهف ، والفجوة متسع في مكان ، قال أبو عبيدة وجمعها فجوات ، ومنه الحديث :
« فإذا وجد فجوة نص » ثم قال تعالى : { ذلك من آيات الله } وفيه قولان الذين قالوا إنه يمنع وصول ضوء الشمس بقدرته قالوا المراد من قوله ذلك أي ذلك التزاور والميل ، والذين لم يقولوا به قالوا المراد بقوله ذلك أي ذلك الحفظ الذي حفظهم الله في الغار تلك المدة الطويلة ، من آيات الله الدالة على عجائب قدرته وبدائع حكمته ، ثم بين تعالى أنه كما أن بقاءهم هذه المدة الطويلة مصونا عن الموت والهلاك من تدبيراته ولطفه وكرمه ، فكذلك رجوعهم أولا عن الكفر ورغبتهم في الإيمان كان بإعانة الله ولطفه فقال : { من يهد الله فهو المهتد } مثل أصحاب الكهف : { ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا } كدقيانوس الكافر وأصحابه ، ومناظرات أهل الجبر والقدر في هذه الآية معلومة .
( وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال ، وهم في فجوة منه . ذلك من آيات الله . من يهد الله فهو المهتد . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا . وتحسبهم أيقاظا وهم رقود . ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال . وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد . لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ، ولملئت منهم رعبا ) .
وهو مشهد تصويري عجيب ، ينقل بالكلمات هيئة الفتية في الكهف ، كما يلتقطها شريط متحرك . والشمس تطلع على الكهف فتميل عنه كأنها متعمدة . ولفظ( تزاور )تصور مدلولها وتلقي ظل الإرادة في عملها . والشمس تغرب فتجاوزهم إلى الشمال وهم في فجوة منه . .
وقبل أن يكمل نقل المشهد العجيب يعلق على وضعهم ذاك بأحد التعليقات القرآنية التي تتخلل سياق القصص لتوجيه القلوب في اللحظة المناسبة :
( ذلك من آيات الله ) . . وضعهم هكذا في الكهف والشمس لا تنالهم بأشعتها وتقرب منهم بضوئها . وهم في مكانهم لا يموتون ولا يتحركون .
( من يهد الله فهو المهتد . ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) . . وللهدى والضلال ناموس . فمن اهتدى بآيات الله فقد هداه الله وفق ناموسه وهو المهتدي حقا . ومن لم يأخذ بأسباب الهدى ضل ، وجاء ضلاله وفق الناموس الإلهي فقد أضله الله إذن ، ولن تجد له من بعد هاديا .
{ وترى الشمس } لو رأيتهم ، والخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، أو لكل أحد . { إذا طلعت تزاورُ عن كهفهم } تميل عنه ولا يقع شعاعها عليهم فيؤذيهم ، لأن الكهف كان جنوبيا ، أو لأن الله تعالى زورها عنهم . وأصله تتزاور فأدغمت التاء في الزاي ، وقرأ الكوفيون بحذفها وابن عامر ويعقوب " تزور " كتحمر ، وقرئ " تزاور " كتحمار وكلها من الزور بمعنى الميل . { ذات اليمين } جهة اليمين وحقيقتها الجهة ذات اسم اليمين . { وإذا غربت تقرضُهم } تقطعهم وتصرم عنهم . { ذات الشمال } يعني يمين الكهف وشماله لقوله : { وهم في فجوةٍ منه } أي وهم في متسع من الكهف ، يعني في وسطه بحيث ينالهم روح الهواء ولا يؤذيهم كرب الغار ولا حر الشمس ، وذلك لأن باب الكهف في مقابلة بنات نعش ، وأقرب المشارق والمغارب إلى محاذاته مشرق رأس السرطان ومغربه ، والشمس إذا كان مدارها مداره تطلق مائلة عنه مقابلة لجانبه الأبيض وهو الذي يلي المغرب ، وتغرب محاذية لجانبه الأيسر فيقع شعاعها على جانبيه ، ويحلل عفونته ويعدل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادهم ويبلي ثيابهم . { ذلك من آيات الله } أي شأنهم وإيواؤهم إلى كهف شأنه كذلك ، أو إخبارك قصتهم ، أو ازورار الشمس عنهم وقرضها طالعة وغاربة من آيات الله . { من يهد الله } بالتوفيق . { فهو المُهتد } الذي أصاب الفلاح ، والمراد به إما الثناء عليهم أو التنبيه على أن أمثال هذه الآيات كثيرة ولكن المنتفع بها من وفقه الله للتأمل فيها والاستبصار بها . { ومن يضلل } ومن يخذله . { فلن تجد له وليّاً مرشداً } من يليه ويرشده .
{ تقرضهم } : تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم .
{ في فجوة منه } : متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها .
{ من آيات الله } : أي دلائل قدرته .
ما زال السياق الكريم في عرض قصة أصحاب الكهف يقول تعالى في خطاب رسوله صلى الله عليه وسلم { وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم } أي تميل عنه ذات اليمين { وإذا غربت تقرضهم } أي تتركهم وتتجاوز عنهم فلا تصيبهم ذات الشمال . وقوله تعالى : { وهم في فجوة منه } أي متسع من الكهف ينالهم برد الريح ونسيمها ، وقوله { ذلك من آيات الله } أي وذلك المذكور من ميلان الشمس عنهم إذا طلعت وقرضاً لهم إذا غربت من دلائل قدرة الله تعالى ورحمته بأوليائه ولطفه بهم ، وقوله تعالى : { ومن يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً } يخبر تعالى أن الهداية بيده وكذلك الإضلال فليطلب العبد من ربه الهداية إلى صراطه المستقيم ، وليستعذ من الضلال المبين ، إذ من يضله الله لن يوجد له ولي يرشده بحال من الأحوال .
- بيان لطف الله تعالى بأوليائه بإكرامهم في هجرتهم إليه .
- تقرير أن الهداية بيد الله فالمهتدي من هداه الله والضال من أضله الله ولازم ذلك طلب الهداية من الله ، والتعوذ به من الضلال لأنه مالك ذلك .