الدر المصون في علم الكتاب المكنون للسمين الحلبي - السمين الحلبي  
{۞وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا} (17)

قوله تعالى : { تَّزَاوَرُ } : قرأ ابن عامر " تَزْوَرُّ " بزنةِ تَحْمَرُّ ، والكوفيون " تَزَاوَرُ " بتخفيفِ الزايِ ، والباقون بتثقِيلها . ف " تَزْوَرُّ " بمعنى تميل من الزَّوَر وهو المَيَلُ ، وزاره بمعنى مال إليه ، وقول الزُّور : مَيّلٌ عن الحق ، ومنه الأَزْوَرُ وهو المائلُ بعينه وبغيرها . قال عمر بن أبي ربيعة :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** . . . وجَنْبي خِيفة القوم أَزْوَرُ

وقيل : تَزْوَرُّ بمعنى تَنْقَبِضُ مِنْ ازْوَرَّ ، أي : انقبضَ . ومنه قولُ عنترة :

فازْوَرَّ مَنْ وَقَعَ القَنا بلَبانِه *** وشكا إليَّ بعَبْرَةٍ وتَحَمْحُمِ

وقيل : مال . ومثلُه قولُ بِشْر بن أبي خازم :

يَؤُمُ بها الحداةُ مياهَ نَخْلٍ *** وفيها عن أبانَيْنِ ازْوِرارُ

أي : مَيْلٌ .

وأما " تزاوَرُ " و " تَّوازَرُ " فأصلهما تَتَزاوَرُ بتاءين ، فالكوفيون حذفوا إحدى التائين ، وغيرُهم أَدْغم ، وقد تقدَّم تحقيقُ هذا في " تَظَاهَرون " و " تَساءلون " ونحوِهما . ومعنى ذلك الميل أيضاً .

وقرأ أبو رجاء والجحدري وابن أبي عبلة وأيُّوب السُّختياني " تَزْوَارُّ " بزنة تَحْمارُّ . وعبد الله وأبو المتوكل " تَزْوَئِرُّ " بهمزةٍ مكسورةٍ قبل راءٍ مشددة ، وأصلُها " تَزْوارُّ " كقراءة أبي رجاء ومَنْ معه ، وإنما كَرِهَ الجمعَ بين الساكنين ، فأبدل الألفَ همزةً على حدِّ إبدالها في " جَأَنّ " و " الضَّأَلِّين " . وقد تقدَّم تحقيقُه أولَ هذا التصنيف أخرَ الفاتحة .

و { إِذَا طَلَعَت } معمولٌ ل " تَرَى " أو ل " تَزَاوَرُ " ، وكذا { إِذَا غَرَبَت } معمولٌ للأولِ أو للثاني وهو " تَقْرضهم " . والظاهرُ تمحُّضُه للظرفيةِ ، ويجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً .

ومعنى " تَقْرِضُهم " تَقْطَعهُم لا تُقَرِّبهم ، لأنَّ القَرْضَ القَطْعُ ، من القَطِيعةِ والصَّرْم . قال ذو الرمة :

إلى ظُعُنٍ يَقْرِضْنَ أقْواز مُشْرِفٍ *** شِمالاً ، وعن أَيْمَانِهِنَّ الفوارِسُ

والقَرْضُ : القَطْعُ . وتقدَّم تحقيقُه في البقرة . وقال الفارسي : " معنى تَقْرِضُهم : تُعْطيهم مِنْ ضوئِها شيئاً ثم تزولُ سريعاً كالقَرْضِ يُسْتَرَدُّ " . وقد ضُعِّف قولُه بأنه كان ينبغي أن يُقْرأ " تُقْرِضُهم " بضم التاء لأنه مِنْ أَقْرض .

وقرئ " يَقْرِضهم " بالياء مِنْ تحتُ ، أي : الكهف ، وفيه مخالَفَةٌ بين الفعلين وفاعلِهما ، فالأَوْلى أن يعودَ على الشمس ويكون كقوله :

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** ولا أرضَ أَبْقَلَ إبْقالَها

وهو قولُ ابنِ كَيْسان .

و " ذات اليمين " و " ذات الشِّمال " ظرفا مكانٍ بمعنى جهةِ اليمين وجهةِ الشِّمال .

قوله : { وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِّنْهُ } جملةٌ حاليةٌ ، أي : نفعلُ هذا مع اتساع مكانِهم ، وهو أعجبُ لحالِهم ، إذ كان ينبغي أَنْ تصيبَهم الشمسُ لاتِّساعِه . والفَجْوَةُ : المُتَّسَعُ ، من الفَجا ، وهو تباعدُ ما بين الفَخْذَين . يقال : رجلٌ أَفْجَى وامرأة فَجْواء ، وجمع الفَجْوَة فِجاءٌ كقَصْعَة وقِصاع .

قوله : " ذلك " مبتدأٌ مُشار به إلى جميعِ ما تقدم مِنْ حديثهم . و " من " آياتِ الله " الخبرُ . ويجوز أن يكونَ " ذلك " خبرَ مبتدأ محذوفٍ ، أي : الأمرُ ذلك . و { مِنْ آيَاتِ اللَّهِ } حالٌ .