أما قوله : { قال الذي عنده علم من الكتاب } ففيه بحثان :
الأول : اختلفوا في ذلك الشخص على قولين : قيل كان من الملائكة ، وقيل كان من الإنس ، فمن قال بالأول اختلفوا ، قيل هو جبريل عليه السلام ، وقيل هو ملك أيد الله تعالى به سليمان عليه السلام ، ومن قال بالثاني اختلفوا على وجوه . أحدها : قول ابن مسعود : إنه الخضر عليه السلام . وثانيها : وهو المشهور من قول ابن عباس : إنه آصف بن برخيا وزير سليمان ، وكان صديقا يعلم الاسم الأعظم إذا دعا به أجيب . وثالثها : قول قتادة : رجل من الإنس كان يعلم اسم الله الأعظم . ورابعها : قول ابن زيد : كان رجلا صالحا في جزيرة في البحر ، خرج ذلك اليوم ينظر إلى سليمان . وخامسها : بل هو سليمان نفسه . والمخاطب هو العفريت الذي كلمه ، وأراد سليمان عليه السلام إظهار معجزة فتحداهم أولا ، ثم بين للعفريت أنه يتأتى له من سرعة الإتيان بالعرش ما لا يتهيأ للعفريت ، وهذا القول أقرب لوجوه . أحدها : أن لفظة ( الذي ) موضوعة في اللغة للإشارة إلى شخص معين عند محاولة تعريفه بقصة معلومة والشخص المعروف بأنه عنده علم الكتاب هو سليمان عليه السلام ، فوجب انصرافه إليه ، أقصى ما في الباب أن يقال ، كان آصف كذلك أيضا لكنا نقول إن سليمان عليه السلام ، كان أعرف بالكتاب منه لأنه هو النبي ، فكان صرف هذا اللفظ إلى سليمان عليه السلام أولى . الثاني : أن إحضار العرش في تلك الساعة اللطيفة درجة عالية فلو حصلت لآصف دون سليمان لاقتضى ذلك تفضيل آصف على سليمان عليه السلام ، وأنه غير جائز . الثالث : أن سليمان عليه السلام ، لو افتقر في ذلك إلى آصف لاقتضى ذلك قصور حال سليمان في أعين الخلق . الرابع : أن سليمان قال : { هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم أكفر } وظاهره يقتضي أن يكون ذلك المعجز قد أظهره الله تعالى بدعاء سليمان .
البحث الثاني : اختلفوا في الكتاب ، فقيل اللوح المحفوظ ، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام . وقيل كتاب سليمان ، أو كتاب بعض الأنبياء ، ومعلوم في الجملة أن ذلك مدح ، وأن لهذا الوصف تأثيرا في نقل ذلك العرش ، فلذلك قالوا إنه الاسم الأعظم وإن عنده وقعت الإجابة من الله تعالى في أسرع الأوقات .
أما قوله تعالى : { أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك } ففيه بحثان :
الأول : ( آتيك ) في الموضعين ، يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل .
الثاني : اختلفوا في قوله : { قبل أن يرتد إليك طرفك } على وجهين : الأول : أنه أراد المبالغة في السرعة ، كما تقول لصاحبك افعل ذلك في لحظة ، وهذا قول مجاهد . الثاني : أن نجريه على ظاهره ، والطرف تحريك الأجفان عند النظر ، فإذا فتحت الجفن فقد يتوهم أن نور العين امتد إلى المرئي ، وإذا أغمضت الجفن فقد يتوهم أن ذلك النور ارتد إلى العين ، فهذا هو المراد من ارتداد الطرف وههنا سؤال : وهو أنه كيف يجوز والمسافة بعيدة أن ينقل العرش في هذا القدر من الزمان ، وهذا يقتضي إما القول بالطفرة أو حصول الجسم الواحد دفعة واحدة في مكانين جوابه : أن المهندسين قالوا كرة الشمس مثل كرة الأرض مائة وأربعة وستين مرة ، ثم إن زمان طلوعها زمان قصير ، فإذا قسمنا زمان طلوع تمام القرص على زمان القدر الذي بين الشام واليمن كانت اللمحة كثيرة فلما ثبت عقلا إمكان وجود هذه الحركة السريعة ، وثبت أنه تعالى قادر على كل الممكنات زال السؤال ، ثم إنه عليه السلام ( لما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ) والكلام في تفسير الابتلاء قد مر غير مرة ، ثم إنه عليه السلام بين أن نفع الشكر عائد إلى الشاكر لا إلى الله تعالى ، أما أنه عائد إلى الشاكر فلوجوه . أحدها : أنه يخرج عن عهدة ما وجب عليه من الشكر . وثانيها : أنه يستمد به المزيد على ما قال : { لئن شكرتم لأزيدنكم } ، وثالثها : أن المشتغل بالشكر مشتغل باللذات الحسية وفرق ما بينهما كفرق ما بين المنعم والنعمة في الشرف ، ثم قال : { ومن كفر فإن ربي غني كريم } غني عن شكره لا يضره كفرانه ، كريم لا يقطع عنه نعمه بسبب إعراضه عن الشكر .
فإذا ( الذي عنده علم من الكتاب )يعرض أن يأتي به في غمضة عين قبل أن يرتد إليه طرفه ، ولا يذكر اسمه ، ولا الكتاب الذي عنده علم منه . إنما نفهم أنه رجل مؤمن على اتصال بالله ، موهوب سرا من الله يستمد به من القوة الكبرى التي لا تقف لها الحواجز والأبعاد . وهو أمر يشاهد أحيانا على أيدي بعض المتصلين ، ولم يكشف سره ولا تعليله ، لأنه خارج عن مألوف البشر في حياتهم العادية . وهذا أقصى ما يقال في الدائرة المأمونة التي لا تخرج إلى عالم الأساطير والخرافات !
ولقد جرى بعض المفسرين وراء قوله : ( عنده علم من الكتاب )فقال بعضهم : إنه التوراة . وقال بعضهم : إنه كان يعرف اسم الله الأعظم . وقال بعضهم غير هذا وذاك . وليس فيما قيل تفسير ولا تعليل مستيقن . والأمر أيسر من هذا كله حين ننظر إليه بمنظار الواقع ، فكم في هذا الكون من أسرار لا نعلمها ، وكم فيه من قوى لا نستخدمها . وكم في النفس البشرية من أسرار كذلك وقوى لا نهتدي إليها . فحيثما أراد الله هدى من يريد إلى أحد هذه الأسرار وإلى واحدة من هذه القوى فجاءت الخارقة التي لا تقع في مألوف الحياة ، وجرت بإذن الله وتدبيره وتسخيره ، حيث لا يملك من لم يرد الله أن يجريها على يديه أن يجريها .
وهذا الذي عنده علم من الكتاب ، كانت نفسه مهيأة بسبب ما عنده من العلم ، أن تتصل ببعض الأسرار والقوى الكونية التي تتم بها تلك الخارقة التي تمت على يده ، لأن ما عنده من علم الكتاب وصل قلبه بربه على نحو يهيئه للتلقي ، ولاستخدام ما وهبه الله من قوى وأسرار .
وقد ذكر بعض المفسرين أنه هو سليمان نفسه - عليه السلام - ونحن نرجح أنه غيره . فلو كان هو لأظهره السياق باسمه ولما أخفاه . والقصة عنه ، ولا داعي لإخفاء اسمه فيها عند هذا الموقف الباهر . وبعضهم قال : إن اسمه آصف ابن برخيا ولا دليل عليه .
( فلما رآه مستقرا عنده قال : هذا من فضل ربي ، ليبلوني أأشكر أم أكفر ? ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ، ومن كفر فإن ربي غني كريم ) .
لقد لمست هذه المفاجأة الضخمة قلب سليمان - عليه السلام - وراعه أن يحقق الله له مطالبه على هذا النحو المعجز ؛ واستشعر أن النعمة - على هذا النحو - ابتلاء ضخم مخيف ؛ يحتاج إلى يقظة منه ليجتازه ، ويحتاج إلى عون من الله ليتقوى عليه ؛ ويحتاج إلى معرفة النعمة والشعور بفضل المنعم ، ليعرف الله منه هذا الشعور فيتولاه . والله غني عن شكر الشاكرين ، ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ، فينال من الله زيادة النعمة ، وحسن المعونة على اجتياز الابتلاء . ومن كفر فإن الله( غني )عن الشكر( كريم )يعطي عن كرم لا عن ارتقاب للشكر على العطاء .
{ الذي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ } ( قيل هو آصف ) وكان صاحب كرامة . وكراماتُ الأولياءِ مُلْتَحِقَةٌ بمعجزات الأنبياء ، إذ لو لم يكن النبيُّ صادقاً في نبوته لم تكن الكرامة تظهر على من يُصَدِّقه ويكون من جملة أمته .
ومعلومٌ أنه لا يكون في وُسْعِ البَشَرِ الإتيانُ بالعرش بهذه السرعة ، وأن ذلك لا يحصل إلا بخصائص قدرة الله تعالى . وقَطْعُ المسافة البعيدة في لحظةٍ لا يصح تقديره في الجواز إلا بأحد وجهين : إمَّا بأن يُقَدِّم اللَّهُ المسافةَ بين العرش وبين منزل سليمان ، وإمَّا بأن يعدم العرش ثم يعيده في الوقت الثاني بحضرة سليمان . وأيُّ واحدٍ من القسمين كان - لم يكن إلاّ من قِبَل الله ، فالذي كان عنده علم من الكتاب دعا الله - سبحانه - واستجاب له في ذلك ، وأحضر العرش ، وأمر سليمان حتى غَيَّرَ صورته فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه ، وأثبته على تركيبٍ آخر غير ما كان عليه .
ولمّا رأى سليمان ذلك أخذ في الشكر لله - سبحانه - والاعتراف بِعِظمِ نِعَمِه ، والاستيحاء ، والتواضع له ، وقال : { هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّى } : لا باستحقاقٍ مني ، ولا باستطاعةٍ من غيري ، بل أحمد النعمةَ لربِّي حيث جعل في قومي ومِنْ أمتي مَنْ له الجاهُ عنده فاستجاب دعاءَه .
وحقيقةُ الشكرِ - على لسان العلماء - الاعترافُ بنعمة المُنْعِم على جهة الخضوع . والأحسنُ أن يقال الشكرُ هو الثناءُ على المُحْسِنِ بِذِكْرِ إحسانه ، فيدخل في هذا شكرُ اللَّهِ للعبد لأنه ثناءٌ منه على العبد بذكر إحسان العبد ، وشكرُ العبد ثناءٌ على الله بذكر إحسانه . . . إلاّ أَنَّ إحسان الحقِّ هو إنعامُه ، وإحسانُ العبد طاعتُه وخدمتُه لله ، وما هو الحميد من أفعاله .
فأمَّا على طريقِ أهل المعاملة وبيان الإشارة : فالشكرُ صَرْفُ النعمة في وجه الخدمة .
ويقال الشكر أَلاَّ تستعينَ بنعمته على معاصيه .
ويقال الشكر شهودُ المنعِم من غير مساكنةٍ إلى النعمة .
ويقال الشكر رؤية العجز عن الشكر .
ويقال أعظمُ الشكرِ الشكرُ على توفيق الشكر .
ويقال الشكر على قسمين : شكر العوام على شهود المزيد ، قال تعالى :
{ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ } [ إبراهيم : 7 ] ، وشكر الخواص يكون مجرداً عن طلب المزيد ، غيرَ متعرض لمنال العِوَض .
ويقال حقيقةُ الشكرِ قيد النعم وارتباطها ؛ لأَنَّ بالشكر بقاءَها ودوامَها
قال الذي عنده علمٌ من الكتاب : رجل أعطاه الله علماً خاصا ، وقوة روحية .
قبل أن يرتد إليك طرفُك : قبل أن تطرف عينك ، والمراد هو السرعة الفائقة .
وقال رجل { عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الكتاب أَنَاْ آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ } وكان الأمر كما قال . فجاء به ووُضع في الصرح الذي هيئ لاستقبالها . فلما رأى سليمان عرش بلقيس أمامه قال : الحمد لله . . . . هذا من فضلِ ربي ليختبرني أأشكر أم أكفر . . ومن شكَر الله ففائدة الشكر تعود إليه ، ومن جَحد ولم يشكر فإن الله غنيّ عن العباد وعبادتهم ، كريم بالإنعام عليهم وإن لم يعبدوه .
أما الطريقة التي جيء بها بالعرض فشيءٌ لم يأت تفصيل له بخبر صحيح ، وهو معجزة خارقة للعادة ، كبقية المعجزات نسلّم بها تسليما .
وأهل القصص وبعض المفسرين يذكرون أن سليمان تزوّج منها وجاءه منها ولد ، ويزعم ملوك الحبشة أنهم أبناء سليمان من الولد الذي ولدته من سليمان ، لكن هذا زعمٌ منهم .