مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ} (80)

قوله تعالى { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين }

اعلم أن هذا نوع آخر من دلائل التوحيد ، وأقسام النعم والفضل ، والسكن المسكن ، وأنشد الفراء :

جاء الشتاء ولما اتخذ سكنا *** يا ويح كفي من حفر القراميص

والسكن ما سكنت إليه وما سكنت فيه . قال صاحب «الكشاف » : السكن فعل بمعنى مفعول ، وهو ما يسكن إليه وينقطع إليه من بيت أو ألف .

واعلم أن البيوت التي يسكن الإنسان فيها على قسمين :

القسم الأول : البيوت المتخذة من الخشب والطين والآلات التي بها يمكن تسقيف البيوت ، وإليها الإشارة بقوله : { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا } وهذا القسم من البيوت لا يمكن نقله ، بل الإنسان ينتقل إليه .

والقسم الثاني : القباب والخيام والفساطيط ، وإليها بقوله : { وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم } وهذا القسم من البيوت يمكن نقله وتحويله من مكان إلى مكان . واعلم أن المراد الأنطاع ، وقد تعمل العرب البيوت من الأدم وهي جلود الأنعام أي يخف عليكم حملها في أسفاركم . قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو : { يوم ظعنكم } بفتح العين والباقون ساكنة العين . قال الواحدي : وهما لغتان كالشعر والشعر والنهر والنهر .

واعلم أن الظعن سير البادية لنجعة ، أو حضور ماء ، أو طلب مرتع ، وقد يقال لكل شاخص لسفر : ظاعن ، وهو ضد الخافض . وقوله : { ويوم إقامتكم } بمعنى لا يثقل عليكم في الحالين . وقوله : { ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها } قال المفسرون وأهل اللغة : الأصواف للضأن والأوبار للإبل والأشعار للمعز . وقوله : { أثاثا } الأثاث أنواع متاع البيت من الفرش والأكسية . قال الفراء : ولا واحد له ، كما أن المتاع لا واحد له . قال : ولو جمعت ، فقلت : آثثة في القليل وأثث في الكثير لم يبعد . وقال أبو زيد : واحدها أثاثة . قال ابن عباس في قوله : { أثاثا } يريد طنافس وبسطا وثيابا وكسوة . قال الخليل : وأصله من قولهم : أث النبات والشعر إذا كثر . وقوله : { متاعا } أي ما يتمتعون به . وقوله : { إلى حين } يريد إلى حين البلا ، وقيل : إلى حين الموت . وقيل : إلى حين بعد الحين ، وقيل : إلى يوم القيامة .

فإن قيل : عطف المتاع على الأثاث والعطف يقتضي المغايرة ، وما الفرق بين الأثاث والمتاع ؟

قلنا : الأقرب أن الأثاث ما يكتسي به المرء ويستعمله في الغطاء والوطاء ما يفرش في المنازل ويزين به .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ} (80)

77

ويخطو السياق خطوة أخرى في أسرار الخلق وآثار القدرة ومظاهر النعمة ، يدخل بها إلى بيوت القوم وما يسر لهم فيها وحولها من سكن ومتاع وأكنان وظلال !

( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ، وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين . والله جعل لكم مما خلق ظلالا ؛ وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم . كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون ) . .

والسكن والطمأنينة في البيوت نعمة لا يقدرها حق قدرها إلا المشردون الذين لا بيوت لهم ولا سكن ولا طمأنينة . وذكرها في السياق يجيء بعد الحديث عن الغيب ، وظل السكن ليس غريبا عن ظل الغيب ، فكلاهما فيه خفاء وستر . والتذكير بالسكن يمس المشاعر الغافلة عن قيمة هذه النعمة .

ونستطرد هنا إلى شيء عن نظرة الإسلام إلى البيت ، بمناسبة هذا التعبير الموحي : ( والله جعل لكم من بيوتكم سكنا ) . . فهكذا يريد الإسلام البيت مكانا للسكينة النفسية والاطمئنان الشعوري . هكذا يريده مريحا تطمئن إليه النفس وتسكن وتأمن سواء بكفايته المادية للسكنى والراحة ، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض ، ويسكن من فيه كل إلى الآخر . فليس البيت مكانا للنزاع والشقاق والخصام ، إنما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام .

ومن ثم يضمن الإسلام للبيت حرمته ، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه . فلا يدخله داخل إلا بعد الاستئذان ، ولا يقتحمه أحد - بغير حق - باسم السلطان ، ولا يتطلع أحد على من فيه لسبب من الأسباب ، ولا يتجسس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة ، فيروع أمنهم ، ويخل بالسكن الذي يريده الإسلام للبيوت ، ويعبر عنه ذلك التعبير الجميل العميق !

ولأن المشهد مشهد بيوت وأكنان وسرابيل ، فإن السياق يعرض من الأنعام جانبها الذي يتناسق مع مفردات المشهد : ( وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ، ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين ) . وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبي الضرورات وما يلبي الأشواق ، فيذكر المتاع ، إلى جانب الأثاث . والمتاع ولو أنه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات ، إلا أنه يشي بالتمتع والارتياح .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنۢ بُيُوتِكُمۡ سَكَنٗا وَجَعَلَ لَكُم مِّن جُلُودِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ بُيُوتٗا تَسۡتَخِفُّونَهَا يَوۡمَ ظَعۡنِكُمۡ وَيَوۡمَ إِقَامَتِكُمۡ وَمِنۡ أَصۡوَافِهَا وَأَوۡبَارِهَا وَأَشۡعَارِهَآ أَثَٰثٗا وَمَتَٰعًا إِلَىٰ حِينٖ} (80)

{ والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين80 والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم كذلك يتم نعمته عليكم لعلكم تسلمون81 فإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين82 يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها وأكثرهم الكافرون83 } .

المفردات :

سكنا : مسكنا تستقرون فيه وتؤمنون وتهدءون .

ظعنكم : سفركم أو رحيلكم لطلب الماء أو المرتع .

الأنعام : جمع نعم وتشمل الإبل والبقر والغنم .

الأصواف : للضأن ، والأوبار : للإبل ، والأشعار : للمعز .

متاعا : المتاع : ما يتمتع به في المتجر والمعاش .

إلى حين : أي : إلى انقضاء آجالكم .

80

التفسير :

80 { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها و أوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } .

يَمتنّ الله على عباده بالبيوت التي يسكنونها فيهدءون ويستريحون ويستقرون ، فهي سكن تسكن فيه النفس وتهدأ على عوراتها وأسرارها ، ومن الواجب المحافظة على هذا الأمن النفسي والجسدي ، فلا نتطلع إلى أسرار الآخرين ، ولا نتجسس عليهم ولا نفاجئهم في ظلام الليل أو قبيل الفجر ، وأن نحفظ للجار سره وعرضه فلا نتجسس عليهم ، ولا نتطلع إلى عوراته ، ولا نؤذيه في نفسه أو أسرته حتى يحقق البيت السكن والأمن ، ومن نعم الله : أن جعل لنا بيوتا يسيرة ، هي الخيام التي نصنع منها قبابا وفساطيط ، نستظل بها عند السفر والترحال ، وعند الإقامة ، وتتخذ هذه الخيام من الصوف والوبر والشعر .

{ ومن أصوافها و أوبارها وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين } .

جعل الله لنا من أصواف الضأن و أوبار الإبل وأشعار المعز ، أثاثا لبيوتنا نكتسي به حينا ، ونستعمله في الغطاء والفراش حينا آخر ، ونتخذه للتجارة والتمتع به .

{ إلى حين } . إلى نهاية آجالنا .