ثم إنه تعالى ذكر السبب الأصلي في وقوع هؤلاء الجاهلين الضالين في أودية الضلال ومقامات الخزي والنكال وهو حب الدنيا والرغبة في المال والجاه واعتقادهم أن ذلك إنما يحصل بسبب جدهم واجتهادهم فقال : { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } وفيه مباحث :
الأول : قال ابن عباس رضي الله عنهما : إن الإنسان ها هنا هو الوليد بن المغيرة وهذا بعيد ، بل المراد أن نوع الإنسان من شأنه أنه إذا فاز بمقصوده ووصل إلى مطلوبه اغتر وصار غافلا عن عبودية الله تعالى متمردا عن طاعة الله كما قال : { إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى }
البحث الثاني : قوله { أعرض } أي ولى ظهره أي عرضه إلى ناحية ونأى بجانبه أي تباعد ، ومعنى النأي في اللغة البعد والإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه والنأي بالجانب أن يلوي عنه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك عادة المتكبرين وفي قوله { نأى } قراءات . إحداها : وهي قراءة العامة بفتح النون والهمزة وفي حم السجدة مثله وهي اللغة الغالبة والنأي البعد يقال نأى أي بعد . وثانيها : قراءة ابن عامر ناء وله وجهان تقديم اللام على العين كقولهم راء في رأى ويجوز أن يكون من نأى بمعنى نهض . وثالثها : قراءة حمزة والكسائي بإمالة الفتحتين وذلك لأنهم أمالوا الهمزة من نأى ثم كسروا النون إتباعا للكسرة مثل رأى . ورابعها : قرأ أبو عمرو وعاصم في رواية أبي بكر ونصير عن الكسائي وحمزة نأى بفتح النون وكسر الهمزة على الأصل في فتح النون وإمالة الهمزة . ثم قال تعالى : { وإذا مسه الشر كان يؤوسا } أي إذا مسه فقر أو مرض أو نازلة من النوازل كان يؤوسا شديد اليأس من رحمة الله : { ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون } والحاصل أنه إن فاز بالنعمة والدولة اغتر بها فنسي ذكر الله ، وإن بقي في الحرمان عن الدنيا استولى عليه الأسف والحزن ولم يتفرغ لذكر الله تعالى فهذا المسكين محروم أبدا عن ذكر الله ونظيره قوله تعالى : { فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن } إلى قوله : { ربى أهانن } وكذلك قوله : { إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا }
فأما حين يترك الإنسان بلا شفاء ورحمة . حين يترك لنزعاته واندفاعاته فهو في حال النعمة متبطر معرض لا يشكر ولا يذكر ، وهو في حال الشدة يائس من رحمة الله ، تظلم في وجهه فجاج الحياة :
( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه ، وإذا مسه الشر كان يؤوسا ) . .
والنعمة تطغى وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر ، والشدة تيئس وتقنط ما لم يتصل الإنسان بالله ، فيرجو ويأمل ، ويطمئن إلى رحمة الله وفضله ، فيتفاءل ويستبشر .
ومن هنا تتجلى قيمة الإيمان وما فيه من رحمة في السراء والضراء سواء .
ونأى بجانبه : أي : لوى عطفه عن الطاعة وولاها ظهره .
شاكلته : أي : مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلال .
يئوسا : أي : شديد اليأس والقنوط من رحمة الله .
83- { وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا } .
{ وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه } أي : وإذا أنعمنا على الإنسان بمال وعافية ، وفتح ونصر وفعل ما يريد أعرض عن طاعتنا وبعد عن طريقنا .
والنعمة تطغي وتبطر ما لم يذكر الإنسان واهبها فيحمد ويشكر{[481]} وفسر الطبري النعمة هنا : بالنجاة من الشدة .
يقول تعالى ذكره : ( وإذا أنعمنا على الإنسان فنجيناه من كرب ما هو فيه في البحر ، وهو ما قد أشرف فيه عليه من الهلاك ، بعصوف في الريح عليه ، إلى البر وغير ذلك من نعمنا ، أعرض عن ذكرنا ، وقد كان بنا مستغيثا دون كل أحد سوانا في حال الشدة التي كان فيها- ونأى بجانبه- يقول وبعد منا بجانبه يعني ، بنفسه ، كأن لم يدعنا إلى ضر مسه قبل ذلك ){[482]} .
قال تعالى : { هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين . فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق . . . } ( يونس : 23 ، 22 ) .
وقال سبحانه : { ولما كشفنا عنه ضره مرّ كأن لم يدعنا إلى ضرّ مسه . . . } ( يونس : 12 ) .
وقال سبحانه : { فلما نجاكم إلى البر أعرضتم . . . ( الإسراء : 67 ) .
{ وإذا مسه الشر كان يؤوسا } . أي : وإذا أصابته الجوائح وانتابته النوائب ؛ كان يؤوسا قنوطا من حصول الخير بعد ذلك .
وإذا مسه الشر من مرض أو فقر كان يؤوسا شديد اليأس من روح الله والحاصل أنه إن فاز بالمطلوب الدنيوي ، وظفر بالمقصود الديني ، نسي المنعم الحقيقي . وإن فاته شيء من ذلك ، استولى عليه الأسف حتى كاد يتلف أو يدنف ، وكلتا الخصلتين مذمومة ، ولا مقتضى لهما إلا العجز والطيش وكل بقدر{[483]} ونحو الآية قوله تعالى : { ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه إنه ليؤوس كفور } . ( هود : 9 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.