مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

قوله تعالى : { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم }

فيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع { يحزنك } بضم الياء وكسر الزاي ، وكذلك في جميع ما في القرآن إلا قوله : { لا يحزنهم الفزع الأكبر } في سورة الأنبياء ، فإنه فتح الياء وضم الزاي ، والباقون كلهم بفتح الياء وضم الزاي . قال الأزهري : اللغة الجيدة : حزنه يحزنه على ما قرأ به أكثر القراء ، وحجة نافع أنهما لغتان يقال : حزن يحزن كنصر ينصر ، وأحزن يحزن كأكرم يكرم لغتان .

المسألة الثانية : اختلفوا في سبب نزول الآية على وجوه : الأول : أنها نزلت في كفار قريش ، والله تعالى جعل رسوله آمنا من شرهم ، والمعنى : لا يحزنك من يسارع في الكفر بأن يقصد جمع العساكر لمحاربتك ، فإنهم بهذا الصنيع إنما يضرون أنفسهم ولا يضرون الله ، ولا بد من حمل ذلك على أنهم لن يضروا النبي وأصحابه من المؤمنين شيئا ، وإذا حمل على ذلك فلا بد من حمله على ضرر مخصوص ، لأن من المشهور أنهم بعد ذلك ألحقوا أنواعا من الضرر بالنبي عليه الصلاة والسلام ، والأولى أن يكون ذلك محمولا على أن مقصودهم من جمع العساكر إبطال هذا الدين وإزالة هذه الشريعة ، وهذا المقصود لا يحصل لهم ، بل يضمحل أمرهم وتزول شوكتهم ، ويعظم أمرك ويعلو شأنك . الثاني : أنها نزلت في المنافقين ، ومسارعتهم هي أنهم كانوا يخوفون المؤمنين بسبب وقعة أحد ويؤيسونهم من النصرة والظفر ، أو بسبب أنهم كانوا يقولون إن محمدا طالب ملك ، فتارة يكون الأمر له ، وتارة عليه ، ولو كان رسولا من عند الله ما غلب ، وهذا كان ينفر المسلمين عن الإسلام ، فكان الرسول يحزن بسببه . قال بعضهم : إن قوما من الكفار أسلموا ثم ارتدوا خوفا من قريش فوقع الغم في قلب الرسول صلى الله عليه وسلم بذلك السبب ، فإنه عليه السلام ظن أنهم بسبب تلك الردة يلحقون به مضرة . فبين الله أن ردتهم لا تؤثر في لحوق ضرر بك قال القاضي : ويمكن أن يقوي هذا الوجه بأمور : الأول : أن المستمر على الكفر لا يوصف بإنه يسارع في الكفر ، وإنما يوصف بذلك من يكفر بعد الإيمان . الثاني : أن إرادته تعالى أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة لا يليق إلا بمن قد آمن ، فاستوجب ذلك ، ثم أحبط . الثالث : أن الحزن إنما يكون على فوات أمر مقصود ، فلما قدر النبي صلى الله عليه وسلم الانتفاع بإيمانهم ، ثم كفروا حزن صلى الله عليه وسلم عند ذلك لفوات التكثير بهم ، فآمنه الله من ذلك وعرفه أن وجود إيمانهم كعدمه في أن أحواله لا تتغير .

القول الرابع : أن المراد رؤساء اليهود : كعب بن الأشرف وأصحابه الذين كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم لمتاع الدنيا . قال القفال رحمه الله : ولا يبعد حمل الآية على جميع أصناف الكفار بدليل قوله تعالى :

{ يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر } إلى قوله : { ومن الذين هادوا } فدلت هذه الآية على أن حزنه كان حاصلا من كل هؤلاء الكفار .

المسألة الثالثة : في الآية سؤال : وهو أن الحزن على كفر الكافر ومعصية العاصي طاعة ، فكيف نهى الله عن الطاعة ؟

والجواب من وجهين : الأول : أنه كان يفرط ويسرف في الحزن على كفر قومه حتى كاد يؤدي ذلك إلى لحوق الضرر به ، فنهاه الله تعالى عن الإسراف فيه ألا ترى إلى قوله تعالى : { فلا تذهب نفسك عليهم حسرات } الثاني : أن المعنى لا يحزنوك بخوف أن يضروك ويعينوا عليك ، ألا ترى إلى قوله : { إنهم لن يضروا الله شيئا } يعني أنهم لا يضرون بمسارعتهم في الكفر غير أنفسهم ، ولا يعود وبال ذلك على غيرهم ألبتة .

ثم قال : { إنهم لن يضروا الله شيئا } والمعنى أنهم لن يضروا النبي وأصحابه شيئا ، وقال عطاء : يريد : لن يضروا أولياء الله شيئا .

ثم قال تعالى : { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أنه رد على المعتزلة ، وتنصيص على أن الخير والشر بإرادة الله تعالى ، قال القاضي : المراد أنه يريد الأخبار بذلك والحكم به .

واعلم أن هذا الجواب ضعيف من وجهين : الأول : أنه عدول عن الظاهر ، والثاني : بتقدير أن يكون الأمر كما قال ، لكن الإتيان بضد ما أخبر الله عنه وحكم به محال فيعود الإشكال .

المسألة الثانية : قالت المعتزلة : الإرادة لا تتعلق بالعدم ، وقال أصحابنا ذلك جائز ، والآية دالة على قول أصحابنا لأنه قال : { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } فبين أن إرادته متعلقة بهذا العدم . قالت المعتزلة : المعنى أنه تعالى ما أراد ذلك كما قال : { ولا يريد بكم العسر } قلنا : هذا عدول عن الظاهر .

المسألة الثالثة : الآية تدل على أن النكرة في موضع النفي تعم ، إذ لو لم يحصل العموم لم يحصل تهديد الكفار بهذه الآية ثم قال : { ولهم عذاب عظيم } وهذا كلام مبتدأ والمعنى أنه كما لاحظ لهم البتة من منافع الآخرة فلهم الحظ العظيم من مضار الآخرة .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

121

وأخيرا يتجه السياق في ختام الاستعراض والتعقيب ، إلى الرسول [ ص ] يسليه ويؤسيه عما يقع في قلبه الكريم من الأسى والحزن ، من مسارعة الكفار إلى الكفر ، ونشاطهم فيه كأنهم في سباق إلى هدف ! فإن هذا لن يضر الله شيئا . وإنما هي فتنة الله لهم ، وقدر الله بهم ، فقد علم الله من أمرهم وكفرهم ما يؤهلهم للحرمان في الآخرة ؛ فتركهم يسارعون في الكفر إلى نهايته ! وقد كان الهدى مبذولا لهم ، فآثروا عليه الكفر ؛ فتركوا يسارعون في الكفر . وأملي لهم ليزدادوا إثما مع الإملاء في الزمن والإملاء في الرخاء . فهذا الإمهال والإملاء إنما هو وبال عليهم وبلاء . . ويختم الاستعراض بكشف حكمة الله وتدبيره من وراء الأحداث كلها : من وراء ابتلاء المؤمنين وإمهال الكافرين . إنها تمييز الخبيث من الطيب ، بالاختبار والابتلاء ، فقد كان أمر القلوب غيبا مما يستأثر الله به ، ولا يطلع الناس عليه ، فشاء سبحانه أن يكشف هذا الغيب بالصورة المناسبة للبشر ، وبالوسيلة التي يدركها البشر . . فكان الابتلاء للمؤمنين والإمهال للكافرين ، ليتكشف المخبوء في القلوب ، ويتميز الخبيث من الطيب ؛ ويتبين المؤمنون بالله ورسله على وجه القطع واليقين :

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئا ، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم . إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ، ولهم عذاب أليم . ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ، إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ، ولهم عذاب مهين . ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه ، حتى يميز الخبيث من الطيب ، وما كان الله ليطلعكم على الغيب ، ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء ، فآمنوا بالله ورسله ، وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم ) . .

إن هذا الختام هو أنسب ختام لاستعراض الغزوة التي أصيب فيها المسلمون هذه الإصابة ؛ والتي رجع منها المشركون بالنصر والغلبة . . فهناك دائما تلك الشبهة الكاذبة التي تحيك في بعض الصدور ؛ أو الأمنية العاتبة التي تهمس في بعض القلوب ، أمام المعارك التي تنشب بين الحق والباطل . ثم يعود فيها الحق بمثل هذه الإصابة ، ويعود منها الباطل ذا صولة وجولة !

هناك دائما الشبهة الكاذبة ، أو الأمنية العاتبة : لماذا يا رب ؟ لماذا يصاب الحق وينجو الباطل ؟ لماذا يبتلى أهل الحق وينجو أهل الباطل ؟ ولماذا لا ينتصر الحق كلما التقى مع الباطل ، ويعود بالغلبة والغنيمة ؟ أليس هو الحق الذي ينبغي أن ينتصر ؟ وفيم تكون للباطل هذه الصولة ؟ وفيم يعود الباطل من صدامه مع الحق بهذه النتيجة ، وفيها فتنة للقلوب وهزة ؟ !

ولقد وقع بالفعل أن قال المسلمون يوم أحد في دهشة واستغراب : " أنى هذا ؟ ! " . .

ففي هذا المقطع الختامي يجيء الجواب الأخير ، والبيان الأخير . ويريح الله القلوب المتعبة ، ويجلو كل خاطرة تتدسس إلى القلوب من هذه الناحية ، ويبين سنته وقدره وتدبيره في الأمر كله : أمس واليوم وغدا . وحيثما التقى الحق والباطل في معركة فانتهت بمثل هذه النهاية :

إن ذهاب الباطل ناجيا في معركة من المعارك وبقاءه منتفشا فترة من الزمان ، ليس معناه أن الله تاركه ، أو أنه من القوة بحيث لا يغلب ، أو بحيث يضر الحق ضررا باقيا قاضيا . .

وإن ذهاب الحق مبتلى في معركة من المعارك ، وبقاءه ضعيف الحول فترة من الزمان ، ليس معناه إن الله مجافيه أو ناسيه ! أو أنه متروك للباطل يقتله ويرديه . .

كلا . إنما هي حكمة وتدبير . . هنا وهناك . . يملي للباطل ليمضي إلى نهاية الطريق ؛ وليرتكب أبشع الآثام ، وليحمل أثقل الأوزار ، ولينال أشد العذاب باستحقاق ! . . ويبتلى الحق ، ليميز الخبيث من الطيب ، ويعظمالأجر لمن يمضي مع الابتلاء ويثبت . . فهو الكسب للحق والخسار للباطل ، مضاعفا هذا وذاك ! هنا وهناك !

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ، إنهم لن يضروا الله شيئا ، يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ، ولهم عذاب عظيم ) . .

إنه يواسي النبي [ ص ] ويدفع عنه الحزن الذي يساور خاطره ؛ وهو يرى المغالين في الكفر ، يسارعون فيه ، ويمضون بعنف واندفاع وسرعة ، كأنما هنالك هدف منصوب لهم يسارعون إلى بلوغه !

وهو تعبير مصور لحالة نفسية واقعية . فبعض الناس يرى مشتدا في طريق الكفر والباطل والشر والمعصية ؛ كأنه يجهد لنيل السبق فيه ! فهو يمضي في عنف واندفاع وحماسة كأن هناك من يطارده من الخلف ، أو من يهتف له من الإمام ، إلى جائزة تنال !

وكان الحزن يساور قلب رسول الله [ ص ] حسرة على هؤلاء العباد ؛ الذين يراهم مشمرين ساعين إلى النار ، وهو لا يملك لهم ردا ، وهم لا يسمعون له نذارة ! وكان الحزن يساور قلبه كذلك لما يثيره هؤلاء المشمرون إلى النار المسارعون في الكفر ، من الشر والأذى يصيب المسلمين ، ويصيب دعوة الله ، وسيرها بين الجماهير ، التي كانت تنتظر نتائج المعركة مع قريش لتختار الصف الذي تنحاز إليه في النهاية . . فلما أسلمت قريش واستسلمت دخل الناس في دين الله أفواجا . . ومما لا شك فيه أنه كان لهذه الاعتبارات وقعها في قلب الرسول الكريم . فيطمئن الله رسوله [ ص ] ويواسي قلبه ، ويمسح عنه الحزن الذي يساوره .

( ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر . إنهم لن يضروا الله شيئا ) . .

وهؤلاء العباد المهازيل لا يبلغون أن يضروا الله شيئا . والأمر في هذا لا يحتاج إلى بيان . إنما يريد الله سبحانه أن يجعل قضية العقيدة قضيته هو ؛ وأن يجعل المعركة مع المشركين معركته هو . ويريد أن يرفع عبء هذه العقيدة وعبء هذه المعركة عن عاتق الرسول [ ص ] وعاتق المسلمين جملة . . فالذين يسارعون في الكفر يحاربون الله ، وهم أضعف من أن يضروا الله شيئا . . وهم إذن لن يضروا دعوته . ولن يضروا حملة هذه الدعوة . مهما سارعوا في الكفر ، ومهما أصابوا أولياء الله بالأذى .

إذن لماذا يتركهم الله يذهبون ناجين ، وينتفشون غالبين ، وهم أعداؤه المباشرون ؟

لأنه يدبر لهم ما هو أنكى وأخزى !

( يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ) . .

يريد لهم أن يستنفدوا رصيدهم كله ؛ وأن يحملوا وزرهم كله ، وأن يستحقوا عذابهم كله ، وأن يمضوا مسارعين في الكفر إلى نهاية الطريق !

( ولهم عذاب عظيم ) . .

ولماذا يريد الله بهم هذه النهاية الفظيعة ؟ لأنهم استحقوها بشرائهم الكفر بالإيمان .

/خ179

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِۚ إِنَّهُمۡ لَن يَضُرُّواْ ٱللَّهَ شَيۡـٔٗاۚ يُرِيدُ ٱللَّهُ أَلَّا يَجۡعَلَ لَهُمۡ حَظّٗا فِي ٱلۡأٓخِرَةِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (176)

175

176- { ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيا } .

المفردات :

يسارعون في الكفر : أي يسارعون في نصرته والاهتمام بشئونه والتهوين من شأن المؤمنين وتخويفهم .

حظا في الآخرة : اي نصيبا من الثواب فيها .

التفسير :

كان للمنافقين مواقف شائنة في غزوة احد فقد عاد عبد الله بن أبي بثلث الناس ولما دارت الدائرة على المسلمين في أحد بسبب موقف المنافقين أولا وبسبب ترك الرماة أماكنهم فوق الجبل لحماية ظهور المسلمين ثانيا ورجعوا إلى المدينة أظهر المنافقون كثيرا من الشتامة والبغضاء وقالوا في حق الذين قتلوا في المعركة . . { لو كانوا عندنا ماتوا وما قتلوا } ( آل عمران 156 ) .

ولما استعرض الرسول الأمين هذه المواقف حزن وتألم فأنزل الله هذه الآية لتسليته أي لا ينبغي يا محمد أن تحزن لمسارعة هؤلاء الضالين في الكفر فإنهم لم يضروا أوليائي بشيء من الضرر وقد استفاد المسلمون في هذه الغزوة إذ عرفوا أعداءهم المنبثين فأخذوا حذرهم . { يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة } . أي حكمته فيهم انه يريد بمشيئته وقدرته ألا يجعل لهم نصيبا في الآخرة بسبب ما أبدوه من أسباب الفرقة والتخذيل والشماتة . { ولهم عذاب عظيم } وعقاب أليم فوق عذاب الحرمان من نعيم الجنة .

وفي معنى هذه الآية قوله تعالى : { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن اللذين هادوا . . ( المائدة 41 ) .