وأما قوله تعالى : { ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } .
فاعلم أن الشجرة الخبيثة هي الجهل بالله ، فإنه أول الآفات وعنوان المخالفات ورأس الشقاوات ثم إنه تعالى شبهها بشجرة موصوفة بصفات ثلاثة :
الصفة الأولى : أنها تكون خبيثة فمنهم من قال إنها الثوم ، لأنه صلى الله عليه وسلم وصف الثوم بأنها شجرة خبيثة ، وقيل : إنها الكراث . وقيل : إنها شجرة الحنظل لكثرة ما فيها من المضار وقيل : إنها شجرة الشوك .
واعلم أن هذا التفصيل لا حاجة إليه ، فإن الشجرة قد تكون خبيثة بحسب الرائحة وقد تكون بحسب الطعم ، وقد تكون بحسب الصورة والمنظر ، وقد تكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة ، والشجرة الجامعة لكل هذه الصفات وإن لم تكن موجودة ، إلا أنها لما كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب .
والصفة الثانية : قوله : { اجتثت من فوق الأرض } وهذه الصفة في مقابلة قوله : { أصلها ثابت } ومعنى اجتثت استؤصلت . وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة كلها ، وقوله : { من فوق الأرض } معناه : ليس لها أصل ولا عرق ، فكذلك الشرك بالله تعالى ليس له حجة ولا ثبات ولا قوة .
والصفة الثالثة : قوله ما لها من قرار ، وهذه الصفة كالمتممة للصفة الثانية ، والمعنى أنه ليس لها استقرار . يقال : قر الشيء قرارا ، كقولك : ثبت ثباتا ، شبه بها القول الذي لم يعضد بحجة فهو داحض غير ثابت .
واعلم أن هذا المثال في صفة الكلمة الخبيثة في غاية الكمال ، وذلك لأنه تعالى بين كونها موصوفة بالمضار الكثيرة ، وخالية عن كل المنافع . أما كونها موصوفة بالمضار فإليه الإشارة بقوله : { خبيثة } وأما كونها خالية عن كل المنافع فإليه الإشارة بقوله : { اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار } والله أعلم .
( وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ )
وإن الكلمة الخبيثة - كلمة الباطل - لكالشجرة الخبيثة ؛ قد تهيج وتتعالى وتتشابك ؛ ويخيل إلى بعض
الناس أنها أضخم من الشجرة الطيبة وأقوى . ولكنها تظل نافشة هشة ، وتظل جذورها في التربة قريبة حتى لكأنها على وجه الأرض . . وما هي إلا فترة ثم تجتث من فوق الأرض ، فلا قرار لها ولا بقاء .
ليس هذا وذلك مجرد مثل يضرب ، ولا مجرد عزاء للطيبين وتشجيع . إنما هو الواقع في الحياة ، ولو أبطأ تحققه في بعض الأحيان .
والخير الأصيل لا يموت ولا يذوي . مهما زحمه الشر وأخذ عليه الطريق . . والشر كذلك لا يعيش إلا ريثما يستهلك بعض الخير المتلبس به - فقلما يوجد الشر الخالص - وعندما يستهلك ما يلابسه من الخير فلا تبقى فيه منه بقية ، فإنه يتهالك ويتهشم مهما تضخم واستطال .
إن الخير بخير ! وإن الشر بشر !
( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) . .
فهي أمثال مصداقها واقع في الأرض ، ولكن الناس كثيرا ما ينسونه في زحمة الحياة .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.