مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (246)

القصة الثانية

قصة طالوت

قوله عز وجل { ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا ومالنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين } .

الملأ الأشراف من الناس ، وهو اسم الجماعة ، كالقوم والرهط والجيش ، وجمعه أملاء ، قال الشاعر :

وقال لها الأملاء من كل معشر *** وخير أقاويل الرجال سديدها

وأصلها من الملء ، وهم الذين يملأون العيون هيبة ورواء ، وقيل : هم الذين يملأون المكان إذا حضروا ، وقال الزجاج : الملأ الرؤساء ، سموا بذلك لأنهم يملأون القلوب بما يحتاج إليه ، من قولهم : ملأ الرجل يملأ ملأة فهو ملىء .

قوله تعالى : { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا } في الآية مسائل :

المسألة الأولى : تعلق هذه الآية بما قبلها من حيث إنه تعالى لما فرض القتال بقوله : { وقاتلوا في سبيل الله } ثم أمرنا بالإنفاق فيه لما له من التأثير في كمال المراد بالقتال ذكر قصة بني إسرائيل ، وهي أنهم لما أمروا بالقتال نكثوا وخالفوا فذمهم الله تعالى عليه ، ونسبهم إلى الظلم والمقصود منه أن لا يقدم المأمورون بالقتال من هذه الأمة على المخالفة ، وأن يكونوا مستمرين في القتال مع أعداء الله تعالى .

المسألة الثانية : لا شك أن المقصود الذي ذكرناه حاصل ، سواء علمنا أن النبي من كان من أولئك ، وأن أولئك الملأ من كانوا أو لم نعلم شيئا من ذلك ، لأن المقصود هو الترغيب في باب الجهاد وذلك لا يختلف ، وإنما يعلم من ذلك النبي ومن ذلك الملأ بالخبر المتواتر وهو مفقود ، وأما خبر الواحد فإنه لا يفيد إلا الظن ، ومنهم من قال : إنه يوشع بن نون بن افرايم بن يوسف ، والدليل عليه قوله تعالى : { من بعد موسى } وهذا ضعيف لأن قوله : { من بعد موسى } كما يحتمل الاتصال يحتمل الحصول من بعد زمان ، ومنهم من قال : كان اسم ذلك النبي أشمويل من بني هرون واسمه بالعربية : إسماعيل ، وهو قول الأكثرين ، وقال السدي : هو شمعون ، سمته أمه بذلك ، لأنها دعت الله تعالى أن يرزقها ولدا فاستجاب الله تعالى دعاءها ، فسمته شمعون ، يعني سمع دعاءها فيه ، والسين تصير شينا بالعبرانية ، وهو من ولد لاوي بن يعقوب عليه السلام .

المسألة الثالثة : قال وهب والكلبي : إن المعاصي كثرت في بني إسرائيل ، والخطايا عظمت فيهم ، ثم غلب عليهم عدو لهم فسبي كثيرا من ذراريهم ، فسألوا نبيهم ملكا تنتظم به كلمتهم ويجتمع به أمرهم ، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم ، وقيل تغلب جالوت على بني إسرائيل ، وكان قوام بني إسرائيل بملك يجتمعون عليه يجاهد الأعداء ، ويجري الأحكام ، ونبي يطيعه الملك ، ويقيم أمر دينهم ، ويأتيهم بالخبر من عند ربهم .

أما قوله : { نقاتل فى سبيل الله } فاعلم أنه قرىء { نقاتل } بالنون والجزم على الجواب ، وبالنون والرفع على أنه حال ، أي ابعثه لنا مقدرين القتال ، أو استئناف كأنه قيل : ما تصنعون بالملك ، قالوا نقاتل ، وقرىء بالياء والجزم على الجواب ، وبالرفع على أنه صفة لقوله : { ملكا } أما قوله : { قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : قرأ نافع وحده { عسيتم } بكسر السين ههنا ، وفي سورة محمد صلى الله عليه وسلم ، واللغة المشهورة فتحها ووجه قراءة نافع ما حكاه ابن الأعرابي أنهم يقولون : هو عسى بكذا وهذا يقوي { عسيتم } بكسر السين ، ألا ترى أن عسى بكذا ، مثل حري وشحيح وطعن أبو عبيدة في هذه القراءة فقال لو جاز ذلك لجاز { عسى ربكم } أجاب أصحاب نافع عنه من وجهين الأول : أن الياء إذا سكنت وانفتح ما قبلها حصل في التلفظ بها نوع كلفة ومشقة ، وليست الياء من { عسى } كذلك ، لأنها وإن كانت في الكتابة ياء إلا أنها في اللفظ مدة ، وهي خفيفة فلا تحتاج إلى خفة أخرى .

والجواب الثاني : هب أن القياس يقتضي جواز { عسى ربكم } إلا أنا ذكرنا أنهما لغتان ، فله أن يأخذ باللغتين فيستعمل إحداهما في موضع والأخرى في موضع آخر .

المسألة الثانية : خبر { هل عسيتم } وهو قوله : { أن لا تقاتلوا } والشرط فاصل بينهما ، والمعنى هل قاربتم أن تقاتلوا بمعنى أتوقع جبنكم عن القتال فأدخل { هل } مستفهما عما هو متوقع عنده ومظنون ، وأراد بالاستفهام التقرير ، وثبت أن المتوقع كائن له ، وأنه صائب في توقعه كقوله تعالى : { هل أتى على الإنسان حين من الدهر } معناه التقرير ، ثم إنه تعالى ذكر أن القوم قالوا : { وما لنا أن لا نقاتل فى سبيل الله } وهذا يدل على ضمان قوي خصوصا واتبعوا ذلك بعلة قوية توجب التشدد في ذلك ، وهو قولهم : { وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } لأن من بلغ منه العدو هذا المبلغ فالظاهر من أمره الاجتهاد في قمع عدوه ومقاتلته .

فإن قيل : المشهور أنه يقال : مالك تفعل كذا ؟ ولا يقال : مالك أن تفعل كذا ؟ قال تعالى : { مالكم لا ترجون لله وقارا } وقال : { وما لكم لا تؤمنون بالله } .

والجواب من وجهين : الأول : وهو قول المبرد : أن { ما } في هذه الآية جحد لا استفهام كأنه قال : ما لنا نترك القتال ، وعلى هذا الطريق يزول السؤال .

الوجه الثاني : أن نسلم أن { ما } ههنا بمعنى الاستفهام ، ثم على هذا القول وجوه الأول : قال الأخفش : أن ههنا زائدة ، والمعنى : ما لنا لا نقاتل وهذا ضعيف ، لأن القول بثبوت الزيادة في كلام الله خلاف الأصل الثاني : قال الفراء : الكلام ههنا محمول على المعنى ، لأن قولك : مالك لا تقاتل معناه ما يمنعك أن تقاتل ؟ فلما ذهب إلى معنى المنع حسن إدخال أن فيه قال تعالى : { ما منعك أن تسجد } وقال : { مالك أن لا تكون مع الساجدين } الثالث : قال الكسائي : معنى { وما لنا أن لا نقاتل } أي شيء لنا في ترك القتال ؟ ثم سقطت كلمة { فى } ورجح أبو علي الفارسي ، قول الكسائي على قول الفراء ، قال : وذلك لأن على قول الفراء لا بد من إضمار حرف الجر ، والتقدير : ما يمنعنا من أن نقاتل ، إذا كان لا بد من إضمار حرف الجر على القولين ، ثم على قول الكسائي يبقى اللفظ مع هذا الإضمار على ظاهره ، وعلى قول الفراء لا يبقى ، فكان قول الكسائي لا محالة أولى وأقوى .

أما قوله : { فلما كتب عليهم القتال تولوا } فاعلم أن في الكلام محذوفا تقديره : فسأل الله تعالى ذلك فبعث لهم ملكا وكتب عليهم القتال فتولوا .

أما قوله : { إلا قليلا منهم } فهم الذين عبروا منهم النهر وسيأتي ذكرهم ، وقيل : كان عدد هذا القليل ثلثمائة وثلاثة عشر على عدد أهل بدر { والله عليم بالظالمين } أي هو عالم بمن ظلم نفسه حين خالف ربه ولم يف بما قيل من ربه ، وهذا هو الذي يدل على تعلق هذه الآية بقوله قبل ذلك : { وقاتلوا في سبيل الله } فكأنه تعالى أكد وجوب ذلك بأن ذكر قصة بني إسرائيل في الجهاد وعقب ذلك بأن من تقدم على مثله فهو ظالم والله أعلم بما يستحقه الظالم وهذا بين في كونه زجرا عن مثل ذلك في المستقبل وفي كونه بعثا على الجهاد ، وأن يستمر كل مسلم على القيام بذلك ، والله أعلم .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَـٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّـٰلِمِينَ} (246)

243

ثم يورد السياق التجربة الثانية ، وأبطالها هم بنو إسرائيل من بعد موسى :

( ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله . قال : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ! قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله ، وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ؟ فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم . والله عليم بالظالمين ) . .

ألم تر ؟ كأنها حادث واقع ومشهد منظور . . لقد اجتمع الملأ من بني إسرائيل ، من كبرائهم وأهل الرأي فيهم - إلى نبي لهم . ولم يرد في السياق ذكر اسمه ، لأنه ليس المقصود بالقصة ، وذكره هنا لا يزيد شيئا في إيحاء القصة ، وقد كان لبني إسرائيل كثرة من الأنبياء يتتابعون في تاريخهم الطويل . . لقد اجتمعوا إلى نبي لهم ، وطلبوا إليه أن يعين لهم ملكا يقاتلون تحت إمرته ( في سبيل الله ) . . وهذا التحديد منهم لطبيعة القتال ، وأنه في ( سبيل الله )يشي بانتفاضة العقيدة في قلوبهم ، ويقظة الإيمان في نفوسهم ، وشعورهم بأنهم أهل دين وعقيدة وحق ، وأن أعداءهم على ضلالة وكفر وباطل ؛ ووضوح الطريق أمامهم للجهاد في سبيل الله .

وهذا الوضوح وهذا الحسم هو نصف الطريق إلى النصر . فلا بد للمؤمن أن يتضح في حسه أنه على الحق وأن عدوه على الباطل ؛ ولا بد أن يتجرد في حسه الهدف . . في سبيل الله . . فلا يغشيه الغبش الذي لا يدري معه إلى أين يسير .

وقد أراد نبيهم أن يستوثق من صدق عزيمتهم ، وثبات نيتهم ، وتصميمهم على النهوض بالتبعة الثقيلة ، وجدهم فيما يعرضون عليه من الأمر :

( قال : هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا ! ) . .

ألا ينتظر أن تنكلوا عن القتال إن فرض عليكم ؟ فأنتم الآن في سعة من الأمر . فأما إذا استجبت لكم ، فتقرر القتال عليكم فتلك فريضة إذن مكتوبة ؛ ولا سبيل بعدها إلى النكول عنها . . إنها الكلمة اللائقة بنبي ، والتأكد اللائق بنبي . فما يجوز أن تكون كلمات الأنبياء وأوامرهم موضع تردد أو عبث أو تراخ .

وهنا ارتفعت درجة الحماسة والفورة ؛ وذكر الملأ أن هناك من الأسباب الحافزة للقتال في سبيل الله ما يجعل القتال هو الأمر المتعين الذي لا تردد فيه :

( قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا ؟ ) . .

ونجد أن الأمر واضح في حسهم ، مقرر في نفوسهم . . إن أعداءهم أعداء الله ولدين الله . وقد أخرجوهم من ديارهم وسبوا أبناءهم . فقتالهم واجب ؛ والطريق الواحدة التي أمامهم هي القتال ؛ ولا ضرورة إلى المراجعة في هذه العزيمة أو الجدال .

ولكن هذه الحماسة الفائرة في ساعة الرخاء لم تدم . ويعجل السياق بكشف الصفحة التالية :

( فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم ) . .

وهنا نطلع على سمة خاصة من سمات إسرائيل في نقض العهد ، والنكث بالوعد ، والتفلت من الطاعة ، والنكوص عن التكليف ، وتفرق الكلمة ، والتولي عن الحق البين . . ولكن هذه كذلك سمة كل جماعة لا تنضج تربيتها الإيمانية ؛ فهي سمة بشرية عامة لا تغير منها إلا التربية الإيمانية العالية الطويلة الأمد العميقةالتأثير . وهي - من ثم - سمة ينبغي للقيادة أن تكون منها على حذر ، وأن تحسب حسابها في الطريق الوعر ، كي لا تفاجأ بها ، فيتعاظمها الأمر ! فهي متوقعة من الجماعات البشرية التي لم تخلص من الأوشاب ، ولم تصهر ولم تطهر من هذه العقابيل .

والتعقيب على هذا التولي :

( والله عليم بالظالمين ) . .

وهو يشي بالاستنكار ؛ ووصم الكثرة التي تولت عن هذه الفريضة - بعد طلبها - وقبل أن تواجه الجهاد مواجهة عملية . . وصمها بالظلم . فهي ظالمة لنفسها ، وظالمة لنبيها ، وظالمة للحق الذي خذلته وهي تعرف أنه الحق ، ثم تتخلى عنه للمبطلين !

إن الذي يعرف أنه على الحق ، وأن عدوه على الباطل - كما عرف الملأ من بني إسرائيل وهم يطلبون أن يبعث لهم نبيهم ملكا ليقاتلوا ( في سبيل الله ) . . ثم يتولى بعد ذلك عن الجهاد ولا ينهض بتبعة الحق الذي عرفه في وجه الباطل الذي عرفه . . إنما هو من الظالمين المجزيين بظلمهم . . ( والله عليم بالظالمين ) . .