مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (65)

قوله تعالى { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا هو السميع العليم ألا إن لله من في السموات والأرض وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون }

اعلم أن القوم لما أوردوا أنواع الشبهات التي حكاها الله تعالى عنهم فيما تقدم من هذه السورة وأجاب الله عنها بالأجوبة التي فسرناها وقررناها ، عدلوا إلى طريق آخر ، وهو أنهم هددوه وخوفوه وزعموا أنا أصحاب التبع والمال ، فنسعى في قهرك وفي إبطال أمرك ، والله سبحانه أجاب عن هذا الطريق بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } .

واعلم أن الإنسان إنما يحزن من وعيد الغير وتهديده ومكره وكيده ، لو جوز كونه مؤثرا في حاله ، فإذا علم من جهة علام الغيوب أن ذلك لا يؤثر ، خرج من أن يكون سببا لحزنه . ثم إنه تعالى كما أزال عن الرسول حزن الآخرة بسبب قوله : { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون } فكذلك أزال حزن الدنيا بقوله : { ولا يحزنك قولهم إن العزة لله جميعا } فإذا كان الله تعالى هو الذي أرسله إلى الخلق وهو الذي أمره بدعوتهم إلى هذا الدين كان لا محالة ناصرا له ومعينا ، ولما ثبت أن العزة والقهر والغلبة ليست إلا له ، فقد حصل الأمن وزال الخوف .

فإن قيل : فكيف آمنه من ذلك ولم يزل خائفا حتى احتاج إلى الهجرة والهرب ، ثم من بعد ذلك يخاف حالا بعد حال ؟

قلنا : إن الله تعالى وعده الظفر والنصرة مطلقا والوقت ما كان معينا ، فهو في كل وقت كان يخاف من أن لا يكون هذا الوقت المعين ذلك الوقت ، فحينئذ يحصل الانكسار والانهزام في هذا الوقت .

وأما قوله تعالى : { إن العزة لله جميعا } ففيه أبحاث :

البحث الأول : قال القاضي : إن العزة بالألف المكسورة وفي فتحها فساد يقارب الكفر لأنه يؤدي إلى أن القوم كانوا يقولون : { إن العزة لله جميعا } وأن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يحزنه ذلك . أما إذا كسرت الألف كان ذلك استئنافا ، وهذا يدل على فضيلة علم الإعراب . قال صاحب «الكشاف » : وقرأ أبو حيوة { أن العزة } بالفتح على حذف لام العلة يعني : لأن العزة على صريح التعليل .

البحث الثاني : فائدة { إن العزة لله } في هذا المقام أمور : الأول : المراد منه أن جميع العزة والقدرة هي لله تعالى يعطي ما يشاء لعباده ، والغرض منه أنه لا يعطي الكفار قدرة عليه ، بل يعطيه القدرة عليهم حتى يكون هو بذلك أعز منهم ، فآمنه الله تعالى بهذا القول من إضرار الكفار به بالقتل والإيذاء ، ومثله قوله تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي } { إنا لننصر رسلنا } الثاني : قال الأصم : المراد أن المشركين يتعززون بكثرة خدمهم وأموالهم ويخوفونك بها وتلك الأشياء كلها لله تعالى . فهو القادر على أن يسلب منهم كل تلك الأشياء وأن ينصرك وينقل أموالهم وديارهم إليك .

فإن قيل : قوله : { إن العزة لله جميعا } كالمضادة لقوله تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين }

قلنا : لا مضادة ، لأن عزة الرسول والمؤمنين كلها بالله فهي لله .

أما قوله : { هو السميع العليم } أي يسمع ما يقولون ويعلم ما يعزمون عليه وهو يكافئهم بذلك .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ} (65)

{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ 65 أَلا إِنَّ لِلّهِ مَن فِي السَّمَاوَات وَمَن فِي الأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ شُرَكَاء إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ 66 }

المفردات :

العزة : الغلبة والقهر .

التفسير :

65 { وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا . . . } الآية .

كان الرسول صلى الله عليه وسلم حريصا على هداية قومه ، وكان الحزن يشتد عليه بسبب تكذيبهم وإيذائهم له ، وكان القرآن يمسح آلامه ويدعوه إلى التسرية وانشراح الصدر .

قال تعالى : { فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بها الحديث أسفا } . ( الكهف : 6 ) .

قال تعالى : { قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون } . ( الأنعام : 33 ) .

وفي هذه الآية يقول الله تعالى : { ولا يحزنك قولهم } .

لا يشتد حزنك من قولهم : إن محمدا ساحر أو كاهن أو شاعر أو كذاب ، أو ينقل أساطير الأولين . و النهي عن الحزن وهو أمر نفسي لا اختيار للإنسان فيه ، والمراد به هنا : النهي عن لوازمه كالإكثار من محاولة تجديد شأن المصائب ، وتعظيم أمرها ، وبذلك تتحدد الآلام ويصعب نسيانها .

{ إن العزة لله جميعا } .

إن القوة الكاملة ، والقدرة الكامنة ، والخلق الأمر بيد الله وحده ، لا راد لأمره ولا معقب لقضائه ؛ فالخلق جميعا في قبضته ، والملك كله في يده ، وهؤلاء المشركون لن يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ؛ فهم مخلوقون مربوبون خاضعون لقدرة الله .

قال تعالى : { قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير } . ( آل عمران : 26 ) .

وعزة المؤمنين مستمدة من عزة الله ، فهم في طاعته و كنفه وهو يفيض عليهم من فضله ونعمه .

قال تعالى : { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين . . . } . ( المنافقون : 8 ) ، فلا تعارض بين هذه الآية والآية التي معنا ؛ فإن العزة جميعا لله سبحانه ، كما قال عز شأنه : { أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا } . ( النساء : 139 ) .

وقال عز شأنه : { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } . ( الصافات : 180 ) .

قال الشوكاني في تفسير هذه الآية :

{ إن العزة لله جميعا } .

أي : إن الغلبة والقهر له في مملكته وسلطانه ، فكيف يقدرون عليك حتى تحزن لأقوالهم .

{ هو السميع العليم } .

فهو السميع لكل مسموع ، العليم بهم وبجميع من في الكون ؛ فينصرك عليهم ويحقق لك الغلبة ، وقد تحقق وعد الله لرسوله ؛ فتم له النصر والفتح ، وذلك من المبشرات التي عجلها الله لرسوله في الدنيا .