ثم قال تعالى : { قل كل يعمل على شاكلته } قال الزجاج : الشاكلة الطريقة والمذهب . والدليل عليه أنه يقال هذا طريق ذو شواكل أي يتشعب منه طرق كثيرة ثم الذي يقوي عندي أن المراد من الآية ذلك قوله تعالى : { فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } وفيه وجه آخر وهو أن المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفسه نفسا مشرقة خيرة طاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة وإن كانت نفسه نفسا كدرة نذلة خبيثة مضلة ظلمانية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة ، وأقول : العقلاء اختلفوا في أن النفوس الناطقة البشرية هل هي مختلفة بالماهية أم لا ؟ منهم من قال : إنها مختلفة بالماهية وإن اختلاف أفعالها وأحوالها لأجل اختلاف جواهرها وماهياتها ، ومنهم من قال إنها متساوية في الماهية واختلاف أفعالها لأجل اختلاف أمزجتها . والمختار عندي هو القسم الأول والقرآن مشعر بذلك ، وذلك لأنه تعالى بين في الآية المتقدمة أن القرآن بالنسبة إلى البعض يفيد الشفاء والرحمة وبالنسبة إلى أقوام آخرين يفيد الخسار والخزي ثم أتبعه بقوله : { قل كل يعمل على شاكلته } ومعناه أن اللائق بتلك النفوس الطاهرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الذكاء والكمال ، وبتلك النفوس الكدرة أن يظهر فيها من القرآن آثار الخزي والضلال كما أن الشمس تعقد الملح وتلين الدهن وتبيض ثوب القصار وتسود وجهه . وهذا الكلام إنما يتم المقصود منه إذا كانت الأرواح والنفوس مختلفة بماهياتها فبعضها مشرقة صافية يظهر فيها من القرآن نور على نور وبعضها كدرة ظلمانية يظهر فيها من القرآن ضلال على ضلال ونكال على نكال .
أهدى سبيلا : أي أسد طريقا ، وأقوم منهجا .
84- { قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } .
{ قل كل يعمل على شاكلته } أي : إن كلا من الشاكر والكافر يعمل على طريقته ، وحاله في الهدى والضلال ، وما طبع عليه من الخير والشر ، من قلهم : ( طريق ذو شواكل ) ، وهي الطرق التي تتشعب منه ، لتشاكلها ، أي : تشابهها في الشكل ، فسميت عادة المرء بها ؛ لأنها تشاكل حاله .
{ فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا } . أي : فربكم أعلم من كل واحد ؛ بمن منكم أوضح طريقا ، وإتباعا للحق ، فيؤتيه أجره موفورا ، ومن هو أضل سبيلا فيعاقبه بما يستحق ؛ لأنه يعلم ما طبع عليه الناس في أصل الخلقة ، وما استعدوا له ، وغيره يعلم أمورهم بالتجربة وفي هذه الآية تهديد خفي بعاقبة العمل واتجاه ؛ ليأخذ الإنسان حذره ، ويحاول أن يسلك سبيل الهدى ويجد طريقه إلى الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.