روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي  
{قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا} (84)

هذا ثم إنه سبحانه بعد ذكر حال القرآن بالنسبة إلى المؤمنين وإلى الكافرين وبين حال الكافر في حالي الانعام ومقابله ذكر ما يصلح جواباً لمن يقول : لم كان الأمر كذلك ؟

فقال عز قائلاً :

{ قُلْ كُلٌّ } أي واحد من المؤمن والكافر والمعرض والمقبل والراجي والقانط { يَعْمَلُ } عمله { على شَاكِلَتِهِ } أي على مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله وما هو عليه في نفس الأمر وتشابهه في الحسن والقبح من قولهم طريق ذو شواكل أي طرق تشعب منه وهو مأخوذ من الشكل بفتح الشين أي المثل والنظير ويقال لست من شكلي ولا شاكلتي وأما الشكل بكسر الشين فالهيئة يقال جارية حسنة الشكل أي الهيئة ، وظاهر عبارة القاموس أن كلا من الشكل والشكل يطلق على المثل والهيئة .

وهذا التفسير مروي عن الفراء . والزجاج . واختاره الزمخشري وغيره لقوله تعالى : { فَرَبُّكُمْ } الذي برأكم متخالفين { أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً } أسد طريقاً وأبين منهاجاً وفسر مجاهد الشاكلة بالطبيعة على أنها من شكلت الدابة إذا قيدتها أي على طبيعته التي قيدته لأن سلطان الطبيعة على أنها من شكلت الدابة إذا قيدتها أي على طبيعته التي قيدته لأن سلطان الطبيعة على الإنسان ظاهر وهو ضابط له وقاهر . وروى ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومثل ذلك في المأخذ تفسير بعضهم بالعادة ومن مشهور كلامهم العادات قاهرات ، وكذا تفسير ابن زيد لها بالدين وكلا التفسرين دون الأولين . ولعل الدين هنا بمعنى الحال وهو أحد معانيه .

وجوز الإمام وغيره أن يكون المراد أن كل أحد يفعل على وفق ما شاكل جوهر نفسه ومقتضى روحه فإن كانت نفساً مشرقة حرة ظاهرة علوية صدرت عنه أفعال فاضلة كريمة { والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ } وإن كانت نفساً كدرة نذلة خبيثة ظلمانية سفلية صدرت عنه أفعال خسيسة فاسدة { والذى خَبُثَ لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } [ الأعراف : 58 ] واختار أن النفوس الناطقة البشرية مختلفة الماهية ولذا اختلفت آثارها . وسيأتي الكلام على ذلك إن شاء الله تعالى قريباً ، ولا يرد أن خسة الأفعال وشرافتها إذا كانتا تابعتين لخسة النفس وشرافتها وهما أمران خلقيان لا مدخل للاختيار فيهما فعلام المدح والذم والثواب والعقاب لأنهم قالوا : إن ذلك لأمر ذاتي وهو حسن استعداد النفس في نفسها وسوء استعدادها أيضاً في نفسها ولا تثاب النفس ولا تعاقب إلا لاستعدادها في الأكل وطلبها لذلك بلسان حالها والمشهور إطلاق القول بأن ذلك غير مجعول وإنما المجعول وجوده وإبراز على طبق ما هو عليه في نفسه فاعملوا فكل ميسر لما خلق له ومن وجد خيراً فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه وقال بعض : إنه مجعول بالجعل البسيط على معنى أنه أثر الفيض الأقدس الذي هو مقتضى ذاته عز وجل بطريق الإيجاب ويجري نحو هذا في الوجهين الأولين .

وقال بعض المتأخرين( {[573]} ) من فلاسفة الإسلام المتصدين للجمع برأيهم بين الشريعة ؛ والفلسفة إن ذات الإنسان بحسب الفطرة الأصلية لا تقتضي إلا الطاعة واقتضاؤها للمعصية بحسب العوارض الغريبة الجارية مجرى المرض والخروج عن الحالة الطبيعية فيكون ميلها للمعصية مثل ميل منحرف المزاج الأصلي إلى أكل الطين ، وقد ثبت في الحكمة أن الطبيعة بسبب عارض غريب تحدث في جسم المريض مزاجاً خاصاً يسمى مرضاً فالمرض من الطبيعة بتوسط العارض الغريب كما أن الصحة منها ، وفي الحديث القدسي : «إني خلقت عبادي كلهم حنفاء وإنهم أتتهم الياطين فاجتالتهم عن دينهم » ، وفي الأثر : «كل مولود يولد على فطرة الإسلام ثم أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه » أي بواسطة الشياطين أو المراد بهم ما يعم شياطين الإنس والجن أو الشياطين كناية عن العوارض الغريبة فالخلق لو لم يحصل لهم مس من الشيطان ماعصوا ولبقوا على فطرتهم لكن مسهم الشيطان ففسدت عليهم فطرتهم الأصلية فاقتضوا أشياء منافية لهم مضادة لجوهرهم البهي الإلهي من الهيئات الظلمانية ونسوا أنفسهم وما جبلوا عليه

ولولا المزعجات من الليالي . . . لما ترك القطا طيب المنام

ولذا احتاجوا إلى رسل يبلغونهم آيات الله تعالى ويسنون لهم ما يذكرهم عهد ذواتهم من نحو الصلاة والصيام والزكاة وصلة الأرحام ليعودوا إلى فطرتهم الأصلية ومقتضى ذاتهم البهية ويعتدل مزاجهم ويتقوم إعوجاجهم ، ولذا قيل : الأنبياء أطباء وهم أعرف بالداء والدواء ، ثم إن ذلك المرض الذي عرض لذواتهم والحالة المنافية التي قامت بهم لولا أن وجدوا من ذواتهم قبولاً لعروضهما لهم ورخصة في لحوقهما بهم لم يكونا يعرضان ولا يلحقان فإذا كان مما تقتضيه ذواتهم أن تلحقهم أمور منافية مضادة لجواهرهم فإذا لحقتهم تلك الأمور اجتمعت فيها جهتهان الملاءمة والمنافاة أما كونها ملائمة فلكون ذواتهم اقتضتها ، وأما كونها منافية فلأنها اقتضتها على أن تكون منافية لهم فلو لم تكن منافية لم يكن ما فرض مقتضى لها بل أمراً آخر ، وانظر إلى طبيعة( {[574]} ) التي تقتضي يبوسة حافظة لأي شكل كان صارت ممسكة للشكل القسري المنافي لكرويتها الطبيعية ومنعت عن العود إليها فعروض ذلك الشكل للأرضية لكونها مقسورة من وجه ومطبوعة من وجه فالإنسان عند عروض مثل هذا المنافي ملتذ متألم سعيد شقي ملتذ ولكن لذاته ألمه سعيد ولكن سعادته شقاوته وهذا لعمرك أمر عجيب لكنه أوضح بنمط غريب ، ومن تأمل وأنصف ظهر له أن لا ملخص لكثير من الشبهات في هذا الفصل إلا بالذهاب إلى القول بالاستعداد الأزلي وأن لكل شيء حالة في نفسه مع قطع النظر عن سائر الاعتبارات لا يفاض عليه إلا هي لئلا يلزم انقلاب العلم جهلاً وهو من أعظم المستحيلات والإثابة والتعذيب تابعان لذلك فسبحان الحكيم المالك فتثبت فكم قد زلت في هذا المقام أقدام أعلام كالأعلام نسأل الله تعالى أن ينور أفهامنا ويثبت أقدامنا ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

ثم اعلم أنه روى عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أنه قال : لم أر في القرآن أرجى من هذه الآية لا يشاكل بالعبد إلا العصيان ولا يشاكل بالرب إلا الغفران قال ذلك حين تذاكروا القرآن فقال عمر : لم أر آية أرجى من التي فيها { غَافِرِ الذنب وَقَابِلِ التوب } [ غافر : 3 ] قدم الغفران قبل قبول التوبة ، وقال عثمان : لم أر آية أرجى من { نَبّىء عِبَادِى أَنّى أَنَا الغفور الرحيم } [ الحجر : 49 ] .

وقال علي كرم الله تعالى وجهه : لم أر أرجى من { قُلْ ياعبادى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } [ الزمر : 53 ] الآية ، وقيل في الأرجى غير ذلك وسيمر عليك إن شاء الله تعالى لكن ما قاله الصديق لا يتأتى إلا على تقدير أن يراد كل أحد مطلقاً يعمل على شاكلته فافهم .

( ومن باب الإشارة ) :{ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ } [ الإسراء : 84 ] على طريقته التي تشاكل استعداده وكل اناء بالذي فيه يرشح


[573]:- هو الملا صدر الدين الشيرازي صاحب الأسفار لاصحاب حواشي شرح التجريد المشهور حاله مع ملا جلال اهـ منه.
[574]:- قوله: إلى طبيعة التي تقتضي الخ كذا في نسخة المؤلف وفيه حذف الموصوف والأصل إلى طبيعة الآرض التي تقتضي الخ وانظر.