ثم قال تعالى : { وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق } وفيه مباحث :
البحث الأول : أنا ذكرنا في تفسير قوله : { وإن كادوا ليستفزونك من الأرض } قولين : أحدهما : المراد منه سعي كفار مكة في إخراجه منها . والثاني : المراد منه أن اليهود قالوا له الأولى لك أن تخرج من المدينة إلى الشام ثم إنه تعالى قال له : أقم الصلاة واشتغل بعبادة الله تعالى ولا تلتفت إلى هؤلاء الجهال فإنه تعالى ناصرك ومعينك ثم عاد بعد هذا الكلام إلى شرح تلك الواقعة فإن فسرنا تلك الآية أن المراد منها أن كفار مكة أرادوا إخراجه من مكة كان معنى هذه الآية أنه تعالى أمره بالهجرة إلى المدينة وقال له : { رب أدخلني مدخل صدق } وهو المدينة { وأخرجني مخرج صدق } وهو مكة . وهذا قول الحسن وقتادة وإن فسرنا تلك الآية بأن المراد منها أن اليهود حملوه على الخروج من المدينة والذهاب إلى الشام فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم منها ثم أمره الله تعالى بأن يرجع إليها كان المراد أنه عليه الصلاة والسلام عند العود إلى المدينة قال : { رب أدخلني مدخل صدق } وهو المدينة { وأخرجني مخرج صدق } يعني أخرجني منها إلى مكة مخرج صدق أي افتحها لي . والقول الثاني : في تفسير هذه الآية وهو أكمل مما سبق أن المراد { وقل رب أدخلني } في الصلاة { وأخرجني } منها مع الصدق والإخلاص وحضور ذكرك والقيام بلوازم شكرك . والقول الثالث : وهو أكمل مما سبق أن المراد : { وقل رب أدخلني } - في القيام بمهمات أداء دينك وشريعتك - وأخرجني } منها بعد الفراغ منها إخراجا لا يبقى علي منها تبعة ربقية . والقول الرابع : وهو أعلى مما سبق : { وقل رب أدخلني } في بحار دلائل توحيدك وتنزيهك وقدسك ثم أخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول ومن التأمل في آثار حدوث المحدثات إلى الاستغراق في معرفة الأحد الفرد المنزه عن التكثيرات والتغيرات . والقول الخامس : أدخلني في كل ما تدخلني فيه مع الصدق في عبوديتك والاستغراق بمعرفتك وأخرجني عن كل ما تخرجني عنه مع الصدق في العبودية والمعرفة والمحبة والمقصود منه أن يكون صدق العبودية حاصلا في كل دخول وخروج وحركة وسكون . والقول السادس : أدخلني القبر مدخل صدق وأخرجني منه مخرج صدق .
البحث الثاني : مدخل بضم الميم مصدر كالإدخال يقال أدخلته مدخلا كما قال : { وقل رب أنزلني منزلا مباركا } ومعنى إضافة المدخل والمخرج إلى الصدق مدحهما كأنه سأل الله تعالى إدخالا حسنا وإخراجا حسنا لا يرى فيهما ما يكره ثم قال تعالى : { واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } أي حجة بينة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني . وبالجملة فقد سأل الله تعالى أن يرزقه التقوية على من خالفه بالحجة وبالقهر والقدرة ، وقد أجاب الله تعالى دعاءه وأعلمه بأنه يعصمه من الناس فقال : { والله يعصمك من الناس } وقال : { ألا إن حزب الله هم المفلحون } وقال : { ليظهره على الدين كله }
أدخلني مدخل صدق : أي : أدخلني في القبر إدخالا مرضيا . مدخل اسم المكان من أدخل .
وأخرجني مدخل صدق : أي : وأخرجني منه عند البعث إخراجا محفوفا بالكرامة ، وقيل : المراد : إدخاله المدينة وإخراجه من مكة وقيل : إدخاله مكة ظافرا وإخراجه منها آمنا شر المشركين وقيل : إدخاله فيما حمله من أعباء الرسالة ، وإخراجه منها مؤديا حقها وقيل : إدخاله في كل ما يلابسه من مكان وأمر ، وإخراجه منه .
سلطانا نصيرا : أي : برهانا ناصرا على الخصوم .
80- { وقل رب أدخلني مُدخَل صدق وأخرجني مُخرج صدق وجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا } .
{ وقل رب أدخلني مُدخل صدق } أي : مدخلا حسنا مرضيا بلا آفة { وأخرجني مُخرج صدق } أي : مخرجا مرضيا من غير آفة الميل إلى النفس ولا الضلال بعد الهدى .
وخلاصة ذلك : أدخلني إدخالا مرضيا كإدخالي للمدينة مهاجرا وإدخالي مكة فاتحا ، وإدخالي في القبر حين الموت ، وأخرجني إخراجا محفوفا بالكرامة والرضا ، كإخراجي من مكة مهاجرا وإخراجي من القبر للبعث .
والأولى أن يقال : إنه عام في كل ما يدخل فيه ويلابسه ثم يتركه من أمر ومكان ، وقيل : أراد : إدخاله مكة ظاهر عليها بالفتح وإخراجه منها آمنا من المشركين ، وقيل : إدخاله الغار وإخراجه منه سالما ، وقيل : إدخاله فيما حمله من عظيم الأمر وهو النبوة وإخراجه منه مؤديا لما كلفه من غير تفريط وقيل : أراد : رب ، أدخلني الصلاة وأخرجني منها مع الصدق والإخلاص وحضور القلب ، أو أدخلني في مجاري دلائل التوحيد وأخرجني من الاشتغال بالدليل إلى ضياء معرفة المدلول{[470]} .
{ واجعلي من لدنك سلطانا نصيرا } . أي : حجة ظاهرة تنصرني بها على جميع من خالفني ، أو ملكا وعزا ناصرا للإسلام ودويه .
وهذا دعاء يعلمه الله لنبيه ؛ ليدعوه ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وفيما تتجه إليه دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج ، كناية عن صدق الرحلة كلها ، بدئها وختامها ، أولها وآخرها وما بين الأول والآخر{[471]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.