مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

ثم قال تعالى في صفاتهم : { وربطنا على قلوبهم } أي ألهمناها الصبر وثبتناها : { إذ قاموا } وفي هذا القيام أقوال : الأول : قال مجاهد كانوا عظماء مدينتهم فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد ، فقال رجل منهم أكبر القوم إني لأجد في نفسي شيئا ما أظن أن أحدا يجده ، قالوا ما تجد ؟ قال أجد في نفسي أن ربي رب السماوات والأرض . القول الثاني : أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار ، وقالوا : ربنا رب السماوات والأرض ، وذلك لأنه كان يدعو الناس إلى عبادة الطواغيت ، فثبت الله هؤلاء الفتية ، وعصمهم حتى عصوا ذلك الجبار ، وأقروا بربوبية الله ، وصرحوا بالبراءة عن الشركاء والأنداد . والقول الثالث : وهو قول عطاء ومقاتل أنهم قالوا ذلك عند قيامهم من النوم وهذا بعيد لأن الله استأنف قصتهم بقوله : { نحن نقص عليك } وقوله : { لقد قلنا إذا شططا } معنى الشطط في اللغة مجاوزة الحد ، قال الفراء يقال قد أشط في السوم إذا جاوز الحد ولم يسمع إلا أشط يشط أشطاطا وشططا ، وحكى الزجاج وغيره شط الرجل وأشط إذا جاوز الحد ، ومنه قوله : { ولا تشطط } وأصل هذا من قولهم شطت الدار إذا بعدت ، فالشطط البعد عن الحق ، وهو ههنا منصوب على المصدر ، والمعنى لقد قلنا إذا قولا شططا ،

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا} (14)

المفردات :

ربطنا : شددنا وقوّينا ، وربط الله على قلبه ، أي : قوّى عزيمته .

قاموا : وقفوا بين يدي ملكهم الجبار دقيانوس .

إلها : أي : معبودا آخر لا استقلالا ولا شريكا .

التفسير :

14- { وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا } .

أي : ألهمناهم قوة العزيمة وصدق الإيمان ، وثبات اليقين ، حين وقفوا أمام الملك الظالم ديقيانوس في ثبات وصدق ، ولم يستجيبوا لدعوته لهم إلى عبادة الأوثان ، بل أعلنوا إيمانهم بالله وحده لا شريك له ، وقالوا : { ربنا رب السماوات والأرض } هو وحده خالق السماوات والأرض والكون كله ؛ فينبغي أن نتوجه إليه وحده بالعبادة .

{ لن ندعو من دونه إلها } . أي : لن نعبد من دون رب السماوات والأرض إلها ، لا على طريق الاستقلال ، ولا على سبيل الاشتراك ؛ إذ لا رب غيره ولا معبود سواه .

{ لقد قلنا إذن شططا } .

أي : إذا دعونا غير الله ، وعبدنا الأوثان أو الأصنام أو غيرهما ؛ لقد أبعدنا عن الحق ، وتجاوزنا الصواب .

قال الآلوسي :

إنهم أشاروا بالجملة الأولى وهي : { ربنا رب السماوات والأرض } إلى توحيد الربوبية .

وأشاروا بالجملة الثانية : { لن ندعو من دونه إلها إلى توحيد الألوهية . 1 ه .

فهم يعبدون الله وحده سبحانه رب السماوات والأرض ولا يعبدون مع الله آلهة أخرى من الأوثان .

وعبدة الأصنام كانوا يؤمنون بوجود الله ، وكانوا مع ذلك يعبدون آلهة أخرى يتقربون بعبادتنا إلى الله ، وهو انحراف في العقيدة .

وقد حكى القرآن عنهم قوله : { ولئن سألتم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله . . . ( لقمان : 25 ، الزمر : 38 ) .

وقوله سبحانه حكاية عنهم : { ما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زلفى } . الزمر : 3 .

وكان أهل الجاهلية يقولون في تلبيتهم للحج : لبيك لا شريك لك ، إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك .