مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

ثم إنه سبحانه وصف ذاته بأربع أنواع من صفات الكبرياء أولها : قوله : { الذي له ملك السماوات والأرض } وهذا كالتنبيه على الدلالة على وجوده سبحانه لأنه لا طريق إلى إثباته إلا بواسطة احتياج أفعاله إليه ، فكان تقديم هذه الصفة على سائر الصفات كالأمر الواجب وقوله : { له ما في السماوات والأرض } إشارة إلى احتياج هذه المخلوقات إليه سبحانه بزمان حدوثها وزمان بقائها في ماهيتها وفي وجودها ، وأنه سبحانه هو المتصرف فيها كيف يشاء . وثانيها : قوله : { ولم يتخذ ولدا } فبين سبحانه أنه هو المعبود أبدا ، ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه . فتكون هذه الصفة كالمؤكدة لقوله : { تبارك } ولقوله : { الذي له ملك السماوات والأرض } وهذا كالرد على النصارى . وثالثها : قوله : { ولم يكن له شريك في الملك } والمراد أنه هو المنفرد بالإلهية ، وإذا عرف العبد ذلك انقطع خوفه ورجاؤه عن الكل ، ولا يبقى مشغول القلب إلا برحمته وإحسانه . وفيه الرد على الثنوية والقائلين بعبادة النجوم ، والقائلين بعبادة الأوثان . ورابعها : قوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } وفيه سؤالات :

الأول : هل في قوله : { وخلق كل شيء } دلالة على أنه سبحانه خالق لأعمال العباد ؟ والجواب : نعم من وجهين : الأول : أن قوله : { وخلق كل شيء } يتناول جميع الأشياء فيتناول أفعال العباد ، والثاني : وهو أنه تعالى بعد أن نفى الشريك ذكر ذلك ، والتقدير أنه سبحانه لما نفى الشريك كأن قائلا قال : ههنا أقوام يعترفون بنفي الشركاء والأنداد ، ومع ذلك يقولون إنهم يخلقون أفعال أنفسهم . فذكر الله تعالى هذه الآية لتكون معينة في الرد عليهم ، قال القاضي الآية لا تدل عليه لوجوه . أحدها : أنه سبحانه صرح بكون العبد خالقا في قوله : { وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير } وقال : { فتبارك الله أحسن الخالقين } . وثانيها : أنه سبحانه تمدح بذلك فلا يجوز أن يريد به خلق الفساد . وثالثها : أنه سبحانه تمدح بأنه قدره تقديرا ولا يجوز أن يريد به إلا الحسن والحكمة دون غيره ، فثبت بهذه الوجوه أنه لابد من التأويل لو دلت الآية بظاهرها عليه ، فكيف ولا دلالة فيها البتة ، لأن الخلق عبارة عن التقدير فهو لا يتناول إلا ما يظهر فيه التقدير ، وذلك إنما يظهر في الأجسام لا في الأعراض والجواب :

أما قوله : { وإذ تخلق } وقوله : { أحسن الخالقين } فهما معارضان بقوله : { الله خالق كل شيء } وبقوله : { هل من خالق غير الله } وأما قوله لا يجوز التمدح بخلق الفساد ، قلنا لم لا يجوز أن يقع التمدح به نظرا إلى تقادير القدرة وإلى أن صفة الإيجاد من العدم والإعدام من الوجود ليست إلا له ؟ وأما قوله : الخلق لا يتناول إلا الأجسام ، فنقول لو كان كذلك لكان قوله { خلق كل شيء } خطأ لأنه يقتضي إضافة الخلق إلى جميع الأشياء مع أنه لا يصح في العقل إضافته إليها .

السؤال الثاني : في الخلق معنى التقدير فقوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } معناه وقدر كل شيء فقدره تقديرا والجواب : المعنى أحدث كل شيء إحداثا يراعي فيه التقدير والتسوية ، فقدره تقديرا وهيأه لما يصلح له ، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المستوي الذي تراه ، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في باب الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير فقدره لأمر ما ومصلحة ما مطابقا لما قدر غير متخلف عنه .

السؤال الثالث : هل في قوله : { فقدره تقديرا } دلالة على مذهبكم ؟ الجواب : نعم وذلك من وجوه . أحدها : أن التقدير في حقنا يرجع إلى الظن والحسبان ، أما في حقه سبحانه فلا معنى له إلا العلم به والإخبار عنه ، وذلك متفق عليه بيننا وبين المعتزلة ، فلما علم في الشيء الفلاني أنه لا يقع . فلو وقع ذلك الشيء لزم انقلاب علمه جهلا وانقلاب خبره الصدق كذبا ، وذلك محال والمفضي إلى المحال محال فإذن وقوع ذلك الشيء محال والمحال غير مراد فذلك الشيء غير مراد وإنه مأمور به ، فثبت أن الأمر والإرادة لا يتلازمان ، وظهر أن السعيد من سعد في بطن أمه ، والشقي من شقي في بطن أمه . وثانيها : أنه عند حصول القدرة والداعية الخالصة إن وجب الفعل ، كان فعل العبد يوجب فعل الله تعالى ، وحينئذ يبطل قول المعتزلة ، وإن لم يجب فإن استغنى عن المرجح فقد وقع الممكن لا عن مرجح وتجويزه يسد باب إثبات الصانع وإن لم يستغن عن المرجح ، فالكلام يعود في ذلك المرجح ، ولا ينقطع إلا عند الانتهاء إلى واجب الوجود . وثالثها : أن فعل العبد لو وقع بقدرته لما وقع إلا الشيء الذي أراد تكوينه وإيجاده ، لكن الإنسان لا يريد إلا العلم والحق فلا يحصل له إلا الجهل والباطل ، فلو كان الأمر بقدرته لما كان كذلك ، فإن قيل إنما كان لأنه اعتقد شبهة أوجبت له ذلك الجهل ، قلنا إن اعتقد تلك الشبهة لشبهة أخرى لزم التسلسل وهو محال فلابد من الانتهاء إلى جهل أول ، ووقع في قلب الإنسان لا بسبب جهل سابق ، بل الإنسان أحدثه ابتداء من غير موجب ، وذلك محال لأن الإنسان قط لا يرضى لنفسه بالجهل ولا يحاول تحصيل الجهل لنفسه بل لا يحاول إلا العلم ، فوجب أن لا يحصل له إلا ما قصده وأراده ، وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الكل بقضاء سار وقدر نافذ ، وهو المراد من قوله : { وخلق كل شيء فقدره تقديرا } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلَّذِي لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَمۡ يَتَّخِذۡ وَلَدٗا وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ شَرِيكٞ فِي ٱلۡمُلۡكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيۡءٖ فَقَدَّرَهُۥ تَقۡدِيرٗا} (2)

المفردات :

فقدره تقديرا : سواه تسوية قائمة على أساس ، لا اعوجاج فيه ، ولا زيادة ولا نقص عما تقتضيه الحكمة والمصلحة .

التفسير :

2 – { الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } .

تشتمل هذه الآية على صفات الله تعالى ، وكمالاته وقدرته :

1 – فقد خلق الله هذا الكون بقدرته ، وجعل السماء سقفا مرفوعا وزينها بالنجوم ، وجعل فيها بروجا وشمسا وقمرا منيرا ، وخلق الله الأرض ، وبسطها ، وجعل فيها طرقا يسير عليها الناس ، وأرسى فيها الجبال ، ويسر إعمارها بإنزال المطر وإنبات النبات ، وخلق الحيوانات ، والإنس والجن ، وقد عبر القرآن عن هذا المعنى في كثير من الآيات .

قال تعالى : { تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُّنِيرًا } . ( الفرقان : 61 ) .

وقال تعالى : { لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى } . ( طه : 6 ) .

وقال تعالى : { أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ * وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ * وَجَعَلْنَا السَّمَاء سَقْفًا مَّحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ } . ( الأنبياء : 30 – 33 ) .

تنزه الله عن الولد والشريك

ادعت النصارى أن المسيح ابن الله ، وقالت اليهود : عزير ابن الله ، وقد نفى القرآن ذلك عن الله ونزهه عن مشابهة الحوادث .

قال تعالى :

{ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ . . . } ( المؤمنون : 91 ) .

وفي الحديث الصحيح : ( لا أحد أحلم من الله ، إنهم ليدعون له ولدا ، وإنه ليعافيهم ويرزقهم ) .

وفي الحديث القدسي يقول الله عز وجل : ( يشتمني ابن آدم وما ينبغي له أن يشتمني ، ويكذبني ابن آدم وما ينبغي له أن يكذبني ، فأما شتمه لي فقوله : إن لي ولدا ، وأنا الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأما تكذيبه لي فقوله : ليس يعيدني كما بدأني ) .

وقد رد القرآن في آياته على المكذبين بالبعث فقال تعالى : { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ } . ( الأنبياء : 104 ) .

وقال سبحانه : { وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } . ( الروم : 27 ) .

وفي آخر سورة يس يقول الله تعالى : { وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ * الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُم بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ * إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . ( يس : 78 – 83 ) .

الخلق والتقدير :

أبدع الله خلق الأشياء على غير مثال سابق ، وآية ذلك تكامل هذا الكون ، وتعاون أجزائه : فالشمس ساطعة ، والقمر منير ، والبحار شاسعة ، والشمس ترسل أشعتها فوق المحيطات ، فيتصاعد البخار ، ثم تسوقه الرياح فيتساقط مطرا ، تتم به حياة الزرع والإنسان والحيوان ، والإنسان يستنشق الأوكسجين ، ويخرج ثاني أكسيد الكربون ، والنبات يأخذ ثاني أكسيد الكربون ويستنشقه ، ثم يخرج الأوكسجين ، فلو وجد الإنسان وحده لمات ، ولو وجد النبات وحده في هذا الكون لذبل وذوى ، فمن حسن تقدير الله وترتيبه وتدبيره ، وجود الإنسان والنبات ، والهواء مثلا فيه نسبة %21 من الأوكسجين ، ولو زادت هذه النسبة إلى %50 لزاد الاشتعال ، بحيث إن شرارة واحدة في الغابة تكفي لاشتعال الأشجار كلها ، ولو نقصت نسبة الأوكسجين في الهواء عن %21 لاختنق الإنسان ، وانخفض مستوى تقدمه وحضارته .

ولذلك قال تعالى : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } .

أي : أبدع خلق كل شيء في هذا الكون ، مع التنظيم والسبك ، والتكامل والإبداع ، والتنسيق بين المخلوقات ، بحيث يتم بينها التكامل والتعاون ، في إعمار الكون وإبداع نظامه .

وفسر ابن كثير : { وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } . بأن كل شيء مخلوق مربوب لله ، والله هو خالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه ، وكل شيء تحت قهره وتدبيره وتسخيره وتقديره .