مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ} (48)

قوله تعالى : { فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أولم يكفروا بما أوتي من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرءون بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين } .

اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم عند الخوف قالوا هلا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ، بين أيضا أنه بعد الإرسال إلى أهل مكة قالوا { لولا أوتى مثل ما أوتي موسى } فهؤلاء قبل البعثة يتعلقون بشبهة وبعد البعثة يتعلقون بأخرى ، فظهر أنه لا مقصود لهم سوى الزيغ والعناد .

أما قوله : { فلما جاءهم الحق من عندنا } أي جاءهم الرسول المصدق بالكتاب المعجز مع سائر المعجزات قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى من الكتاب المنزل جملة واحدة ومن سائر المعجزات كقلب العصا حية واليد البيضاء وفلق البحر وتظليل الغمام وانفجار الحجر بالماء والمن والسلوى ومن أن الله كلمه وكتب له في الألواح وغيرها من الآيات فجاءوا بالاقتراحات المبنية على التعنت والعناد كما قالوا { لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ) وما أشبه ذلك .

واعلم أن الذي اقترحوه غير لازم لأنه لا يجب في معجزات الأنبياء عليهم السلام أن تكون واحدة ولا فيما ينزل إليهم من الكتب أن يكون على وجه واحد إذ الصلاح قد يكون في إنزاله مجموعا كالتوراة ومفرقا كالقرآن ، ثم إنه تعالى أجاب عن هذه الشبهة بقوله : { أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } واختلفوا في أن الضمير في قوله : { أو لم يكفروا } إلى من يعود ، وذكروا وجوها أحدها : أن اليهود أمروا قريشا أن يسألوا محمدا أن يؤتى مثل ما أوتي موسى عليه السلام فقال تعالى : { أولم يكفروا بما أوتي موسى } يعني أولم تكفروا يا هؤلاء اليهود الذين استخرجوا هذا السؤال بموسى عليه السلام مع تلك الآيات الباهرة . وثانيها : أن الذين أوردوا هذا الاقتراح كفار مكة ، والذين كفروا بموسى هم الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام إلا أنه تعالى جعلهم كالشيء الواحد لأنهم في الكفر والتعنت كالشيء الواحد . وثالثها : قال الكلبي إن مشركي مكة بعثوا رهطا إلى يهود المدينة ليسألهم عن محمد وشأنه فقالوا إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط إليهم وأخبروهم بقول اليهود قالوا إنه كان ساحرا كما أن محمدا ساحر ، فقال تعالى : { أولم يكفروا بما أوتي موسى } . ورابعها : قال الحسن قد كان للعرب أصل في أيام موسى عليه السلام فمعناه على هذا أو لم يكفر آباؤهم بأن قالوا في موسى وهارون ساحران . وخامسها : قال قتادة أولم يكفر اليهود في عصر محمد بما أوتي موسى من قبل من البشارة بعيسى ومحمد عليهما السلام فقالوا ساحران . وسادسها : وهو الأظهر عندي أن كفار قريش ومكة كانوا منكرين لجميع النبوات ثم إنهم لما طلبوا من الرسول صلى الله عليه وسلم معجزات موسى عليه السلام قال الله تعالى : { أولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل } بل بما أوتي جميع الأنبياء من قبل ، فعلمنا أنه لا غرض لكم في هذا الاقتراح إلا التعنت ، ثم إنه تعالى حكى كيفية كفرهم بما أوتي موسى من وجهين : الأول : قولهم : { وإن تظاهرا } قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة ( ساحران ) بالألف وقرأ أهل الكوفة بغير ألف وذكروا في تفسير الساحرين وجوها . أحدها : المراد هارون وموسى عليهما السلام تظاهرا أي تعاونا وقرئ ( اظاهرا ) على الإدغام وسحران بمعنى ذوي سحر وجعلوهما سحرين مبالغة في وصفهما بالسحر وكثير من المفسرين فسروا قوله : { سحران } بأن المراد هو القرآن والتوراة واختار أبو عبيدة القراءة بالألف لأن المظاهرة بالناس وأفعالهم أشبه منها بالكتب وجوابه : إنا بينا أن قوله : { سحران } يمكن حمله على الرجلين وبتقدير أن يكون المراد الكتابين لكن لما كان كل واحد من الكتابين يقوي الآخر لم يبعد أن يقال على سبيل المجاز تعاونا كما تقول تظاهرت الأخبار وهذه التأويلات إنما تصح إذا حملنا قوله : { أولم يكفروا بما أوتي موسى } إما على كفار مكة أو على الكفار الذين كانوا في زمان موسى عليه السلام ولا شك أن ذلك أليق بمساق الآية . الثاني : قولهم : { إنا بكل كافرون } أي بما أنزل على محمد وموسى وسائر الأنبياء عليهم السلام ومعلوم أن هذا الكلام لا يليق إلا بالمشركين لا باليهود وذلك مبالغة في أنهم مع كثرة آيات موسى عليه السلام كذبوه فما الذي يمنع من مثله في محمد صلى الله عليه وسلم وإن ظهرت حجته .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{فَلَمَّا جَآءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُواْ لَوۡلَآ أُوتِيَ مِثۡلَ مَآ أُوتِيَ مُوسَىٰٓۚ أَوَلَمۡ يَكۡفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُۖ قَالُواْ سِحۡرَانِ تَظَٰهَرَا وَقَالُوٓاْ إِنَّا بِكُلّٖ كَٰفِرُونَ} (48)

{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون( 48 ) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين( 49 ) فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين( 50 ) }

المفردات :

الحق : القرآن المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، أو الرسول المصدق بالقرآن .

سحران : أي : ما أوتيه موسى ، وما أوتيه محمد صلى الله عليه وسلم .

تظاهرا : تعاونا بتصديق كل منهما الآخر .

48

التفسير :

48-{ فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون }

بعد فترة من الرسل أرسل الله محمدا صلى الله عليه وسلم ، فلما جاءهم بالحق : بالرسالة الحق ، وبالقرآن الحق ، وبالقول الحق والصدق ، والدعوة إلى الإيمان والإسلام : أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وقالوا في أسباب كفرهم : هلا أوتي محمد صلى الله عليه وسلم معجزات مادية ملحوظة مثل ما أوتي موسى ، " يعنون مثل العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم ، وتنقيص الزروع والثمار مما يضيق على أعداء الله ، وكفلق البحر ، وتظليل الغمام ، وإنزال المن والسلوى ، إلى غير ذلك من الآيات الباهرة ، والحجج القاهرة على يدي موسى عليه السلام حجة وبرهانا له على فرعون وملئه )xvii .

وقريب من هذا المعنى ما حكاه القرآن عنهم حين قالوا : { لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا*أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها . . } [ الفرقان : 7 ، 8 ] .

{ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل . . }

أو لم يكفر أمثالهم في الكفر والعناد بما أوتي موسى ؟ حيث كذبوا موسى ، وكفروا برسالته ، كما قالوا : { أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا . . } [ يونس : 78 ] .

وقال تعالى : { فكذبوهما فكانوا من المهلكين } [ المؤمنون : 48 ] .

قال ابن كثير :

{ أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل . . }

أي : أو لم يكفر البشر بما أوتي موسى من تلك الآيات العظيمة } .

{ قالوا سحران تظاهرا . . }

أي : سحر موسى وسحر هارون تعاونا .

{ وقالوا إنا بكل كافرون }

أي : بكل منهما كافرون . اه .

أي : إن التكذيب لم يكن في أهل مكة وحدهم ، بل سبقهم قوم فرعون ، حيث أيد الله موسى بآيات باهرة منها تسع آيات بينات ، لكنهم كذبوا موسى وهارون ، وقالوا : ساحران تعاونا وإنا كافرون بهما ، فالكفر والعناد كانا طبيعة في المكذبين بالرسل على مختلف العصور ، كأنما وصى السابق منهم اللاحق .

قال تعالى : { أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [ الذاريات : 53 ] .

رأي آخر في تفسير الآية

روى أن أهل مكة بعثوا رهطا إلى رؤساء اليهود ، فسألوهم عن شأن محمد صلى الله عليه وسلم فقالوا : إنا نجده في التوراة بنعته وصفته ، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود ، قال كفار مكة : { سحران تظاهرا . . } أي : سحر موسى وسحر محمد { وقالوا إنا بكل كافرون } أي : بكل من الكتابين –التوراة والقرآن- كافرون ، قالوا ذلك تأكيدا لكفرهم وعتوهم وتماديهم في العناد والطغيان .

قال الآلوسي :

وقرأ الأكثرون : { قالوا سحران تظاهرا . . } وأرادوا بهما محمدا وموسى عليهما الصلاة والسلام .

وجاء في ظلال القرآن ما يأتي :

لقد كان في الجزيرة يهود ، وكان معهم التوراة ، فلم يؤمن لهم العرب ، ولم يصدقوا بما بين أيديهم من التوراة ، ولقد علموا أن صفة محمد صلى الله عليه وسلم مكتوبة في التوراة ، واستفتوا بعض أهل الكتاب فيما جاءهم به فأفتوهم بما يفيد أنه الحق ، وأنه مطابق لما بين أيديهم من الكتاب ، فلم يذعنوا لهذا كله ، وادعوا أن التوراة سحر ، وأن القرآن سحر ، وأنهما من أجل هذا يتطابقان ، ويصدق أحدهما الآخر ، { قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون } .

فهو المراء إذن واللجاجة ، لا طلب الحق ولا نقصان البراهين ، ولا ضعف الدليل .