مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

قوله تعالى : { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين } .

اعلم أن الله تعالى لما وعد على الطاعة والتوبة من المعصية الغفران والجنات ، أتبعه بذكر ما يحملهم على فعل الطاعة وعلى التوبة من المعصية وهو تأمل أحوال القرون الخالية من المطيعين والعاصين فقال : { قد خلت من قبلكم سنن } وفي الآية مسائل :

المسألة الأولى : قال الواحدي : أصل الخلو في اللغة الانفراد والمكان الخالي هو المنفرد عمن يسكن فيه ويستعمل أيضا في الزمان بمعنى المضي لأن ما مضى انفرد عن الوجود وخلا عنه ، وكذا الأمم الخالية ، وأما السنة فهي الطريقة المستقيمة والمثال المتبع ، وفي اشتقاق هذه اللفظة وجوه : الأول : أنها فعلة من سن الماء يسنه إذا والى صبه ، والسن الصب للماء ، والعرب شبهت الطريقة المستقيمة بالماء المصبوب فإنه لتوالي أجزاء الماء فيه على نهج واحد يكون كالشيء الواحد ، والسنة فعلة بمعنى مفعول ، وثانيها : أن تكون من : سننت النصل والسنان أسنه سنا فهو مسنون إذا حددته على المسن ، فالفعل المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة على معنى أنه مسنون ، وثالثها : أن يكون من قولهم : سن الإبل إذا أحسن الرعي ، والفعل الذي داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم سمي سنة بمعنى أنه عليه الصلاة والسلام أحسن رعايته وإدامته .

المسألة الثانية : المراد من الآية : قد انقضت من قبلكم سنن الله تعالى في الأمم السالفة ، واختلفوا في ذلك ، فالأكثرون من المفسرين على أن المراد سنن الهلاك والاستئصال بدليل قوله تعالى : { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } وذلك لأنهم خالفوا الأنبياء والرسل للحرص على الدنيا وطلب لذاتها ، ثم انقرضوا ولم يبق من دنياهم أثر وبقي اللعن في الدنيا والعقاب في الآخرة عليهم ، فرغب الله تعالى أمة محمد صلى الله عليه وسلم في تأمل أحوال هؤلاء الماضين ليصير ذلك داعيا لهم إلى الإيمان بالله ورسله والإعراض عن الرياسة في الدنيا ما بقيت لا مع المؤمن ولا مع الكافر ، ولكن المؤمن يبقى له بعد موته الثناء الجميل في الدنيا والثواب الجزيل في العقبى ، والكافر بقي عليه اللعنة في الدنيا والعقاب في العقبى ثم إنه تعالى قال : { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } لأن التأمل في حال أحد القسمين يكفي في معرفة حال القسم الآخر ، وأيضا يقال الغرض منه زجر الكفار عن كفرهم وذلك إنما يعرف بتأمل أحوال المكذبين والمعاندين ، ونظير هذه الآية قوله تعالى : { ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون } وقوله : { والعاقبة للمتقين } وقوله : { أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } .

المسألة الثالثة : ليس المراد بقوله { فسيروا في الأرض فانظروا } الأمر بذلك لا محالة ، بل المقصود تعرف أحوالهم ، فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا ، ولا يمتنع أن يقال أيضا : أن لمشاهدة آثار المتقدمين أثرا أقوى من أثر السماع كما قال الشاعر :

إن آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِكُمۡ سُنَنٞ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ} (137)

{ قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين ولا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الأعلون إن كنتم مؤمنين إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم ان تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين }

المفردات :

خلت : مضت :

سنن : السنن والطرائق والمراد منها عقوبات الأمم المكذبة .

التفسير :

137- { قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }

يشبه ان تكون هذه الآيات في التعقيب على غزوة أحد ولعل إنسانا يتساءل عن سر هزيمة المؤمنين أو تعرضهم للبلاء وعن سر انتصار الكفار أو حصولهم على المال والغنى والسلطان في هذه الدنيا فبين سبحانه في هذه الآية ما يجيب على التساؤل :

والمراد بالسنن هنا : وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى على حسب عادته وهي الإهلاك والدمار بسبب كفرهم وفسوقهم عن أمره .

والمعنى : انه قد مضت من قبل زمانكم طرائق سنها الله تعالى فالحق يصارع الباطل وينتصر أحدهما على الآخر بما سنه سبحانه من سنة النصر والهزيمة .

وقد جرت سننه في خلقه أن يجعل العاقبة للمؤمنين الصادقين وان يملى للكافرين ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر فإن كنتم في شك من ذلك : { فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين }

أي فسيروا في الأرض متأملين متبصرين فسترون الحال السيئة التي انتهى إليها المكذبون من تخريب ديارهم وبقايا آثارهم .

قالوا ليس المراد بقوله فسيروا في الأرض الأمر بذلك لا محالة بل المقصود تعرف أحوالهم فإن حصلت هذه المعرفة بغير المسير في الأرض كان المقصود حاصلا94 .

{ فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } .

المقصود بهذا التعبير تصوير حالة هؤلاء المكذبين التي تدعو إلى العجب وتثير الاستغراب وتغرس الاعتبار والاتعاظ في قلوب المتأملين .

لان هؤلاء المكذبين مكن الله لهم في الأرض ومنحهم الكثير من نعمه ولكنهم لم يشكروه عليها فأهلكهم الله بسبب طغيانهم .

فهذه الآية وأشباهها من الآيات تدعو الناس إلى الاعتبار بأحوال من سبقوهم وإلى الاتعاظ بأيام الله وبالتاريخ وما فيه من أحداث وبالآثار التي تركها السابقون فإنها دليل واضح وشاهد يتحدث كما قال الشاعر :

تلك آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار