مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا} (89)

ثم قال تعالى : { ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله }

وفيه مسألتان :

المسألة الأولى : أنه تعالى لما قال قبل هذه الآية : { أتريدون أن تهدوا من أضل الله } وكان ذلك استفهاما على سبيل الإنكار قرر ذلك الاستبعاد بأن قال : بلغوا في الكفر إلى أنهم يتمنون أن تصيروا أيها المسلمون كفارا ، فلما بلغوا في تعصبهم في الكفر إلى هذا الحد فكيف تطمعون في إيمانهم .

المسألة الثانية : قوله : { فتكونون سواء } رفع بالنسق على { تكفرون } والمعنى : ودوا لو تكونون ، والفاء عاطفة ولا يجوز أن يجعل ذلك جواب التمني ، ولو أراد ذلك على تأويل إذا كفروا استووا لكان نصبا ، ومثله قوله : { ودوا لو تدهن فيدهنون } ولو قيل : { فيدهنوا } على الجواب لكان ذلك جائزا في الإعراب ، ومثله : { ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم } ومعنى قوله : { فتكونون سواء } أي في الكفر ، والمراد فتكونون أنتم وهم سواء إلا أنه اكتفى بذكر المخاطبين عن ذكر غيرهم لوضوح المعنى بسبب تقدم ذكرهم ، واعلم أنه تعالى لما شرح للمؤمنين كفرهم وشدة غلوهم في ذلك الكفر ، فبعد ذلك شرح للمؤمنين كيفية المخالطة معهم فقال : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا فى سبيل الله } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : دلت الآية على أنه لا يجوز موالاة المشركين والمنافقين والمشتهرين بالزندقة والإلحاد ، وهذا متأكد بعموم قوله تعالى : { يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء } والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين ، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى ، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة ، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة ، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه والله أعلم .

المسألة الثانية : قوله : { فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا } قال أبو بكر الرازي : التقدير حتى يسلموا ويهاجروا ، لأن الهجرة في سبيل الله لا تكون إلا بعد الإسلام ، فقد دلت الآية على إيجاب الهجرة بعد الإسلام ، وأنهم وإن أسلموا لم يكن بيننا وبينهم موالاة إلا بعد الهجرة ، ونظيره قوله : { ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا } .

واعلم أن هذا التكليف إنما كان لازما حال ما كانت الهجرة مفروضة قال صلى الله عليه وسلم : «أنا بريء من كل مسلم أقام بين أظهر المشركين وأنا بريء من كل مسلم مع مشرك » فكانت الهجرة واجبة إلى أن فتحت مكة ، ثم نسخ فرض الهجرة . عن طاوس عن ابن عباس قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة «لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية »

وروي عن الحسن أن حكم الآية ثابت في كل من أقام في دار الحرب فرأى فرض الهجرة إلى دار الإسلام قائما .

المسألة الثالثة : اعلم أن الهجرة تارة تحصل بالانتقال من دار الكفر إلى دار الإيمان ، وأخرى تحصل بالانتقال عن أعمال الكفار إلى أعمال المسلمين ، قال صلى الله عليه وسلم : «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه » وقال المحققون : الهجرة في سبيل الله عبارة عن الهجرة عن ترك مأموراته وفعل منهياته ، ولما كان كل هذه الأمور معتبرا لا جرم ذكر الله تعالى لفظا عاما يتناول الكل فقال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } فإنه تعالى لم يقل : حتى يهاجروا عن الكفر ، بل قال : { حتى يهاجروا فى سبيل الله } وذلك يدخل فيه مهاجرة دار الكفر ومهاجرة شعار الكفر ، ثم لم يقتصر تعالى على ذكر الهجرة ، بل قيده بكونه في سبيل الله ، فإنه ربما كانت الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام ، ومن شعار الكفر إلى شعار الإسلام لغرض من أغراض الدنيا ، إنما المعتبر وقوع تلك الهجرة لأجل أمر الله تعالى .

ثم قال تعالى : { فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا } . والمعنى فإن أعرضوا عن الهجرة ولزموا مواضعهم خارجا عن المدينة فخذوهم إذا قدرتم عليهم ، واقتلوهم أينما وجدتموهم في الحل والحرم ، ولا تتخذوا منهم في هذه الحالة وليا يتولى شيئا من مهماتكم ولا نصيرا ينصركم على أعدائكم .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَدُّواْ لَوۡ تَكۡفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَآءٗۖ فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ أَوۡلِيَآءَ حَتَّىٰ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَخُذُوهُمۡ وَٱقۡتُلُوهُمۡ حَيۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡۖ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنۡهُمۡ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرًا} (89)

المفردات :

أولياء : أعوانا ونصراء ، توالونهم .

التفسير :

89- وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . الآية يفصح القرآن عن حقيقة مشاعر هؤلاء المنافقين ، فهم لم يكتفوا بكفرهم ، ورجوعهم إلى الضلال ، بل يتمنون أن يقضوا على معالم الحق والإيمان .

والقرآن يلمس مشاعر المؤمنين لمسة قوية ، مفزع لهم وهو يقول لهم : وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء . . . فقد كانوا حديثي عهد بنبذ الكفر ، وتذوق حلاوة الإيمان ، فمن حاول أن يردهم إلى وهدة الضلال ، وظلام الجاهلية ؛ وجب أن ينفروا منه ، وأن يبعدوا عنه .

فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ . . . أي : إذا كان الأمر كما علمتم ؛ فلا تتخذوا من هؤلاء المنافقين أولياء وأصدقاء ، حتى يهاجروا من مكة إلى المدينة ؛ إخلاصا لله ، وطلبا لمرضاته .

فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ . . . فإن أعرضوا عن الإيمان الصادق ، والهجرة الصحيحة ، فذلك هو الدليل المادي على نفاقهم وخداعهم . . . فأسروا إن قدرتم عليهم ، واقتلوهم إذا تمكنتم منهم ، في أي مكان تجدونهم فيه ؛ دفعا لشرهم ، وردا لكيدهم .

وَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا . أي : ولا تجعلوا منهم- في هذه الحالة- وليا يتولى شيئا من مهام أموركم ، ولا نصيرا تستنصرون به على أعدائكم .

إن الإسلام يتسامح مع أصحاب العقائد المخالفة له ؛ فلا يكرههم أبدا على اعتناق عقيدته ، بل ويحافظ على حياتهم وأموالهم ودمائهم ، وهو يمتعهم بخير الوطن الإسلامي ، بلا تمييز بينهم وبين أهل الإسلام وهو يدعهم يتحاكمون إلى شريعتهم في غير ما يتعلق بمسائل النظام العام .

إن الإسلام يتسامح هذا التسامح مع مخالفته جهارا نهارا في العقيدة ، ولكنه لا يتسامح مع من يقولون : إنهم يوحدون الله ، ويشهدون بالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ، ثم يناصرون أعداء الإسلام ، وينضمون إلى معسكر الكافرين ؛ لأن في هذا خداع للإسلام والمسلمين .