قوله تعالى : { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب * الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار } .
واعلم أن مؤمن آل فرعون لما قال : { ومن يضلل الله فما له من هاد } ذكر لهذا مثلا ، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة فأصروا على الشك والشبهة ، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل ، وهذا يدل على أن من أضله الله { فما له من هاد } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : قيل إن يوسف هذا هو يوسف بن يعقوب عليهما السلام ، ونقل صاحب «الكشاف » أنه يوسف بن أفراييم بن يوسف ابن يعقوب أقام فيهم نيفا وعشرين سنة ، وقيل إن فرعون موسى هو فرعون يوسف بقي حيا إلى زمانه وقيل فرعون آخر ، والمقصود من الكل شيء واحد وهو أن يوسف جاء قومه بالبينات ، وفي المراد بها قولان : ( الأول ) أن المراد بالبينات قوله { أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار } ، ( والثاني ) المراد بها المعجزات ، وهذا أولى ، ثم إنهم بقوا في نبوته شاكين مرتابين ، ولم ينتفعوا البتة بتلك البينات ، فلما مات قالوا إنه { لن يبعث الله من بعده رسولا } وإنما حكموا بهذا الحكم على سبيل التشهي والتمني من غير حجة ولا برهان ، بل إنما ذكروا ذلك ليكون ذلك أساسا لهم في تكذيب الأنبياء الذين يأتون بعد ذلك وليس في قولهم { لن يبعث الله من بعد رسولا } لأجل تصديق رسالة يوسف وكيف وقد شكوا فيها وكفروا بها وإنما هو تكذيب لرسالة من هو بعده مضموما إلى تكذيب رسالته ، ثم قال : { كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } أي مثل هذا الضلال يضل الله كل مسرف في عصيانه مرتاب في دينه ، قال الكعبي هذه الآية حجة لأهل القدر لأنه تعالى بين كفرهم ، ثم بين أنه تعالى إنما أضلهم لكونهم مسرفين مرتابين ، فثبت أن العبد ما لم يضل عن الدين ، فإن الله تعالى لا يضله .
يوسف : هو يوسف بن يعقوب عليه السلام .
من هو مسرف مرتاب : مشرك مستكثر من المعاصي ، شاك في وحدانية الله .
34- { ولقد جاءكم يوسف من قبل بالبينات فما زلتم في شك مما جاءكم به حتى إذا هلك قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } .
كان بين رسالة يوسف ورسالة موسى أكثر من أربعة قرون ، وكان يوسف على خزائن أرض مصر ، وأعطاه الله الرسالة والدعوة إلى توحيد الله ، ولقي من قبط مصر ما لقيه الرُّسل من الشك والارتياب ، وكان الله قد أعطى يوسف تفسير الرؤيا ، وغير ذلك من المعجزات ، والبيانات المؤيدة لرسالته ، وقد قابله أهل مصر بالكنود مع شيء من المجاملة لتمتعه بالوزارة ، حتى إذا مات داعيا الله قائلا : { رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت ولي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين } . ( يوسف : 101 ) .
وهنا يذكّر الرجُل المؤمن معاصريه بأن أجدادكم قابلوا رسالة يوسف بالشك والارتياب ، حتى إذا مات يوسف قال الأجداد : لن يبعث الله من بعده رسولا إلينا ، وقد استرحنا منهم ، وهذا لون من الإسراف . في العصيان والتمرد على التوحيد ، والارتياب في صدق الرُّسل .
{ كذلك يضل الله من هو مسرف مرتاب } .
أي : مثل ذلك الإضلال الشديد يضلّ الله به من أسرف في تقليد الآباء ، وتشكك في هدي السماء ، ولم يفتح قلبه لوحي الله ، وللدعوة إلى الإيمان بالله ورسله واليوم الآخر .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.