ثم قال تعالى : { فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم } وفيه مسألتان :
المسألة الأولى : في نقضهم الميثاق وجوه : الأول : بتكذيب الرسل وقتل الأنبياء . الثاني : بكتمانهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم . الثالث : مجموع هذه الأمور .
المسألة الثانية : في تفسير " اللعن " وجوه : الأول : قال عطاء : لعناهم أي أخرجناهم من رحمتنا . الثاني : قال الحسن ومقاتل : مسخناهم حتى صاروا قردة وخنازير . الثالث : قال ابن عباس ضربنا الجزية عليهم .
ثم قال تعالى : { وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قرأ حمزة والكسائي ( قسية ) بتشديد الياء بغير ألف على وزن فعلية ، والباقون بالألف والتخفيف ، وفي قوله ( قسية ) وجهان : أحدهما : أن تكون القسية بمعنى القاسية إلا أن القسي أبلغ من القاسي ، كما يقال : قادر وقدير ، وعالم وعليم ، وشاهد وشهيد ، فكما أن القدير أبلغ من القادر فكذلك القسي أبلغ من القاسي ، الثاني : أنه مأخوذ من قولهم : درهم قسي على وزن شقي ، أي فاسد رديء . قال صاحب الكشاف : وهو أيضا من القسوة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين ، والمغشوش فيه يبس وصلابة ، وقرئ ( قسية ) بكسر القاف للاتباع .
المسألة الثانية : قال أصحابنا { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي جعلناها نائبة عن قبول الحق منصرفة عن الانقياد للدلائل . وقالت المعتزلة { وجعلنا قلوبهم قاسية } أي أخبرنا عنها بأنها صارت قاسية كما يقال : فلان جعل فلانا فاسقا وعدلا .
ثم أنه تعالى ذكر بعض ما هو من نتائج تلك القسوة فقال { يحرفون الكلم عن مواضعه } وهذا التحريف يحتمل التأويل الباطل ، ويحتمل تغيير اللفظ ، وقد بينا فيما تقدم أن الأول أولى لأن الكتاب المنقول بالتواتر لا يتأتى فيه تغيير اللفظ .
ثم قال تعالى : { ونسوا حظا مما ذكروا به } قال ابن عباس : تركوا نصيبا مما أمروا به في كتابهم وهو الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم .
ثم قال تعالى : { ولا تزال تطلع على خائنة منهم } وفي الخائنة وجهان : الأول : أن الخائنة بمعنى المصدر ، ونظيره كثير ، كالكافية والعافية ، وقال تعالى : { فأهلكوا بالطاغية } أي بالطغيان . وقال { ليس لوقعتها كاذبة } أي كذب . وقال : { لا تسمع فيها لاغية } أي لغوا . وتقول العرب : سمعت راغية الإبل . وثاغية الشاء يعنون رغاءها وثغاءها . وقال الزجاج : ويقال عافاه الله عافية ، والثاني : أن يقال : الخائنة صفة ، والمعنى : تطلع على فرقة خائنة أو نفس خائنة أو على فعلة ذات خيانة . وقيل : أراد الخائن ، والهاء للمبالغة كعلامة ونسابة . قال صاحب الكشاف : وقرئ على خيانة منهم .
ثم قال تعالى : { إلا قليلا منهم } وهم الذين آمنوا كعبد الله بن سلام وأصحابه . وقيل : يحتمل أن يكون هذا القليل من الذين بقوا على العهد ولم يخونوا فيه .
ثم قال : { فاعف عنهم واصفح } وفيه قولان : الأول : أنه منسوخ بآية السيف ، وذلك لأنه عفو وصفح عن الكفار ، ولا شك أنه منسوخ بآية السيف .
والقول الثاني : أنه غير منسوخ وعلى هذا القول ففي الآية وجهان : أحدهما : المعنى فاعف عن مذنبهم ولا تؤاخذهم بما سلف منهم ، والثاني : أنا إذا حملنا القليل على الكفار منهم الذين بقوا على الكفر فسرنا هذه الآية بأن المراد منها أمر الله رسوله بأن يعفو عنهم ويصفح عن صغائر زلاتهم ما داموا باقين على العهد ، وهو قول أبي مسلم .
ثم قال تعالى : { إن الله يحب المحسنين } وفيه وجهان : الأول : قال ابن عباس : إذا عفوت فأنت محسن ، وإذا كنت محسنا فقد أحبك الله . والثاني : أن المراد بهؤلاء المحسنين هم المعنيون بقوله { إلا قليلا منهم } وهم الذين نقضوا عهد الله ، والقول الأول أولى لأن صرف قوله { إن الله يحب المحسنين } على القول الأول إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لأنه هو المأمور في هذه الآية بالعفو والصفح ، وعلى القول الثاني إلى غير الرسول ، ولاشك أن الأول أولى .
لعناهم : اللعن : الطرد من الرحمة .
قاسية : شديدة غليظة ، لا تقبل خيرا .
خائنة منهم : خيانة وغدر منهم .
ولكن بني إسرائيل لم يوفوا بعهدهم ، ونقضوا الميثاق ، الذي أخذه الله عليهم ؛ فعاقبهم الله تعالى ، وفي ذلك يقول سبحانه :
13- فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ . . . الآية
تعرض الآية النتائج المترتبة على موقفهم من الميثاق . فتقول :
فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ . أي : فبحسب نقضهم عهدهم المؤكد .
لَعنَّاهُمْ . أي : طردناهم من رحمتنا عقوبة لهم ؛ لأنهم قد فسدت فطرتهم .
وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً . أي : أورثنا قلوبهم الغلظة والقسوة . فهي لا تلين ، ولا تنفذ إليها الحجة ، ولا تؤثر فيها الموعظة .
يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ . أي : يغيرون كلام الله في التوراة ، بالمحو والإثبات والزيادة والنقصان ، وسوء التأويل .
وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ . أى : وأعرضوا عن بعض ما أمروا به في التوراة ، من إتباع الرسول صلى الله عليه وسلم والإيمان به ، وغير ذلك . وإنما قال : يحرفون ، ولم يقل : حرفوا ؛ للدلالة على ان هذا الخلق طبع فيهم ؛ تتجدد آثاره آنا فآنا .
ولذا قال الله- تعالى- لنبيه عقب ذلك .
وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَائِنَةٍ مِّنْهُمْ . أي : إن الغدر والخيانة عادة مستمرة لليهود . منتقلة فيهم ، من الأصول إلى الفروع . فلا تزال- أيها الرسول- تطلع من هؤلاء المعاصرين . على خيانة إثر خيانة . فهم قوم لا عهد لهم ، ولا فاء عندهم .
لقد دمغتهم الكتب السماوية بالغدر والخيانة والقسوة ، فرماهم نبيهم أرمياء بالكذب والسرقة والزنى والشرك . وأنهم حولوا بيت الله إلى مغارة لصوص {[186]}
ورماهم السيد المسيح- عليه السلام- بأنهم مثل القبور المبيضة من الخارج ، المليئة بالجيف من الداخل ، ووصفهم بأنهم الحيات ، أولاد الأفاعي . وأنهم قتلوا الأنبياء والحكماء وجعلوا بيت الله مغارة لصوص {[187]} .
الآيات القرآنية العديدة تؤيد هذه الصفات .
إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ . وهم من آمنوا بك ، واتبعوك كعبد الله بن سلام وأمثاله من الذين آمنوا بالله ورسوله ، فلا تظن بهم سوءا ، ولا تخف منهم خيانة ؛ لأن الله طهرهم بالإسلام .
فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ . فاعف عما فرط من هؤلاء اليهود ، واصفح عمن أساء منهم وعاملهم بالإحسان ؛ تأليفا لهم ، فلعل الله أن يهديهم .
إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ . وأنت أحق الناس بالاتصاف بالإحسان وإتباع ما يحبه الله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.