قوله تعالى : { ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن في اتصال هذه الآية بما قبلها وجوها : الأول : أنه تعالى خاطب المؤمنين فيما تقدم فقال { واذكروا نعمة الله عليكم وميثاقه الذي واثقكم به إذ قلتم الله وأطعنا } ثم ذكر الآن أنه أخذ الميثاق من بني إسرائيل لكنهم نقضوه وتركوا الوفاء به ، فلا تكونوا أيها المؤمنون مثل أولئك اليهود في هذا الخلق الذميم لئلا تصيروا مثلهم فيما نزل بهم من اللعن والذلة والمسكنة ، والثاني : أنه لما ذكر قوله { اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم } وقد ذكرنا في بعض الروايات أن هذه الآية نزلت في اليهود ، وأنهم أرادوا إيقاع الشر برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما ذكر الله تعالى ذلك أتبعه بذكر فضائحهم وبيان أنهم أبدا كانوا مواظبين على نقض العهود والمواثيق ، الثالث : أن الغرض من الآيات المتقدمة ترغيب المكلفين في قبول التكاليف وترك التمرد والعصيان ، فذكر تعالى أنه كلف من كان قبل المسلمين كما كلفهم ليعلموا أن عادة الله في التكليف والإلزام غير مخصوصة بهم ، بل هي عادة جارية له مع جميع عباده .
المسألة الثانية : قال الزجاج : النقيب فعيل أصله من النقب وهو الثقب الواسع ، يقال فلان نقيب القوم لأنه ينقب عن أحوالهم كما ينقب عن الأسرار ومنه المناقب وهي الفضائل لأنها لا تظهر إلا بالتنقيب عنها ، ونقبت الحائط أي بلغت في النقب إلى آخره ، ومنه النقبة من الحرب لأنه داء شديد الدخول ، وذلك لأنه يطلي البعير بالهناء فيوجد طعم القطران في لحمه ، والنقبة السراويل بغير رجلين لأنه قد بولغ في فتحها ونقبها ، ويقال : كلب نقيب ، وهو أن ينقب حنجرته لئلا يرتفع صوت نباحه ، وإنما يفعل ذلك البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف .
إذا عرفت هذا فنقول : النقيب فعيل ، والفعيل يحتمل الفاعل والمفعول ، فإن كان بمعنى الفاعل فهو الناقب عن أحوال القوم المفتش عنها ، وقال أبو مسلم : النقيب هاهنا فعيل بمعنى مفعول يعني اختارهم على علم بهم ، ونظيره أنه يقال للمضروب : ضريب ، وللمقتول قتيل . وقال الأصم : هم المنظور إليهم والمسند إليهم أمور القوم وتدبير مصالحهم .
المسألة الثالثة : أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا ، فاختار الله تعالى من كل سبط رجلا يكون نقيبا لهم وحاكما فيهم . وقال مجاهد والكلبي والسدي : أن النقباء بعثوا إلى مدينة الجبارين الذين أمر موسى عليه السلام بالقتال معهم ليقفوا على أحوالهم ويرجعوا بذلك إلى نبيهم موسى عليه السلام ، فلما ذهبوا إليهم رأوا أجراما عظيمة وقوة وشوكة فهابوا ورجعوا فحدثوا قومهم ، وقد نهاهم موسى عليه السلام أن يحدثوهم ، فنكثوا الميثاق إلا كالب بن يوفنا من سبط يهوذا ، ويوشع بن نون من سبط إفراثيم ابن يوسف ، وهما اللذان قال الله تعالى فيهما { قال رجلان من الذين يخافون } الآية .
قوله تعالى : { وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في الآية حذف ، والتقدير : وقال الله لهم إني معكم ، إلا أنه حذف ذلك لاتصال الكلام بذكرهم .
المسألة الثانية : قوله { إني معكم } خطاب لمن ؟ فيه قولان : الأول : أنه خطاب للنقباء ، أي وقال الله للنقباء إني معكم . والثاني : أنه خطاب لكل بني إسرائيل ، وكلاهما محتمل إلا أن الأول أولى . لأن الضمير يكون عائدا إلى أقرب المذكورات ، وأقرب المذكور هنا النقباء والله أعلم .
المسألة الثالثة : أن الكلام قد تم عند قوله { وقال الله إني معكم } والمعنى إني معكم بالعلم والقدرة فأسمع كلامكم وأرى أفعالكم واعلم ضمائركم وأقدر على إيصال الجزاء إليكم ، فقوله { إني معكم } مقدمة معتبرة جدا في الترغيب والترهيب ، ثم لما وضع الله تعالى هذه المقدمة الكلية ذكر بعدها جملة شرطية ، والشرط فيها مركب من أمور خمسة ، وهي قوله { لئن أقمتم الصلاة وءاتيتم الزكواة وءامنتم برسلى وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا } والجزاء هو قوله { لأكفرن عنكم سيئاتكم } وذلك إشارة إلى إزالة العقاب . وقوله { ولأدخلنكم جنات تجرى من تحتها الأنهار } وهو إشارة إلى إيصال الثواب ، وفي الآية سؤالات :
السؤال الأول : لم أخر الإيمان بالرسل عن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة مع أنه مقدم عليها ؟
والجواب : أن اليهود كانوا مقرين بأنه لابد في حصول النجاة من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة إلا أنهم كانوا مصرين على تكذيب بعض الرسل ، فذكر بعد إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة أنه لابد من الإيمان بجميع الرسل حتى يحصل المقصود ، وإلا لم يكن لإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة تأثير في حصول النجاة بدون الإيمان بجميع الرسل .
والسؤال الثاني : ما معنى التعزير ؟ الجواب : قال الزجاج : العزر في اللغة الرد ، وتأويل عزرت فلانا ، أي فعلت به ما يرده عن القبيح ويزجره عنه ، ولهذا قال الأكثرون : معنى قوله { وعزرتموهم } أي نصرتموهم ، وذلك لأن من نصر إنسانا فقد رد عنه أعداءه . قال : ولو كان التعزير هو التوقير لكان قوله { وتعزروه وتوقروه } تكرارا .
والسؤال الثالث : قوله { وأقرضتم الله قرضا حسنا } دخل تحت إيتاء الزكاة ، فما الفائدة في الإعادة ؟
والجواب : المراد بإيتاء الزكاة الواجبات . وبهذا الإقراض الصدقات المندوبة ، وخصها بالذكر تنبيها على شرفها وعلو مرتبتها . قال الفراء : ولو قال : وأقرضتم الله إقراضا حسنا لكان صوابا أيضا إلا أنه قد يقام الإسم مقام المصدر ، ومثله قوله { فتقبلها ربها بقبول حسن } ولم يقل يتقبل ، وقوله { وأنبتها نباتا حسنا } ولم يقل إنباتا .
ثم قال تعالى : { فمن كفر بعد ذلك منكم فقد ضل سواء السبيل } أي أخطأ الطريق المستقيم الذي هو الدين الذي شرعه الله تعالى لهم .
فإن قيل : من كفر قبل ذلك أيضا فقد ضل سواء السبيل .
قلنا : أجل ، ولكن الضلال بعده أظهر وأعظم لأن الكفر إنما عظم قبحه لعظم النعمة المكفورة ، فإذا زادت النعمة زاد قبح الكفر وبلغ النهاية القصوى .
ميثاق : الميثاق : العهد المؤكد- بين طرفين- في شأن هام .
نقيبا : النقيب : هو كبير القوم ، المعنى بشأنهم .
عزرتموهم : آزرتموهم ونصرتموهم .
أقرضتم الله : أنفقتم في سبيل الله نفقة طيبة .
12-وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . . . الآية .
بعد أن أمر الله- سبحانه وتعالى- بالوفاء بالعهد ، وذكر المؤمنين بميثاقه الذي واثقهم به على السمع والطاعة- ذكر بعض ما صدر من بني إسرائيل من نقض العهود ، وما كان من عقاب الله لهم عليها ؛ ليتعظ المؤمنين ، ويعملوا على حفظ نعم الله- تعالى- بمراعاة حق الميثاق ، وتحذيرهم من نقضه ، فقال :
وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ . أي : لقد أخذ الله العهد على بني إسرائيل : ان يعملوا بما في التوراة ، ويقبلوها بجد ونشاط .
ولقد أخذ الله عليهم مواثيق فرعية تتصل بما كلفهم الله به ، ومنها ما سيأتي في الآية التي معنا .
وقد سبق بيان بعض المواثيق التي أخذت عليهم ؛ في سورتي البقرة ، وآل عمران . فارجع إليها وإلى شرحها إن شئت .
وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا . وأمر الله موسى عليه السلام : أن يختار منهم اثنى عشر رئيسا دينيا يتولون أمور الأسباط ، ويقومون على رعايتهم ، ففعل ، وبعثهم يتحسسون العدو ليقاتلوه .
وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ . بالنصر والتأييد على أعدائكم . أو المراد منه : انه معهم بعلمه : يسمع كلامهم ويعلم ضمائرهم ، وانه مجازيهم على ما يحدث منهم .
لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ . أي : أديتموها حق أدائها .
وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ . أي : وأعطيتموها مستحقيها . من مال طيب . وكسب حلال .
وَعَزَّرْتُمُوهُمْ . نصرتموهم وجاهدتم الأعداء معهم .
وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا . أي : أنفقتم في سبيل الله ؛ عن طيب نفس دون من أو حب للفخر والرياء .
لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ : لأمحون ذنوبكم .
وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَار . أي : ولأدخلنكم- في الآخرة- جنات تجري من تحتها أشجارها الأنهار . تتنعمون فيها بما أعد لكم من النعيم .
وقد أكد الله- تعالى- وعيده بالقسم وغيره من التوكيدات ؛ ليحملهم على تنفيذ ما عاهدوا الله عليه .
فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ . أي : فمن كفر منكم- بعد ذلك الوعد بالنصر ، وتكفير السيئات وإدخال الجنات ، بأن نقض العهد والميثاق- فقد حاد عن الصراط السوي : الذي رسمه الله لهم ؛ كي يسيروا عليه .