مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (123)

قوله تعالى : { قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين قالوا إنا إلى ربنا منقلبون وما تنقم منا إلا أن آمنا بآيات ربنا لما جاءتنا ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين }

في الآية مسائل :

المسألة الأولى : قرأ عاصم في رواية حفص { أمنتم } بهمزة واحدة على لفظ الخبر وكذلك في طه والشعراء وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي { أأمنتم } بهمزتين في جميع القرآن وقرأ الباقون بهمزة واحدة ممدودة في جميع على الاستفهام . قال الفراء : أما قراءة حفص { أمنتم } بلفظ الخبر من غير مد ، فالوجه فيها أنه يخبرهم بإيمانهم على وجه التقريع لهم والإنكار عليهم ، وأما القراءة بالهمزتين فأصله { أأمنتم } على وزن أفعلتم .

المسألة الثانية : اعلم أن فرعون لما رأى أن أعلم الناس بالسحر أقر بنبوة موسى عليه السلام عند اجتماع الخلق العظيم خاف أن يصير ذلك حجة قوية عند قومه على صحة نبوة موسى عليه السلام فألقى في الحال نوعين من الشبهة إلى إسماع العوام ، لتصير تلك الشبهة مانعة للقوم من اعتقاد صحة نبوة موسى عليه السلام .

فالشبهة الأولى : قوله : { إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة } والمعنى : أن إيمان هؤلاء بموسى عليه السلام ليس لقوة الدليل ، بل لأجل أنهم تواطئوا مع موسى أنه إذا كان كذا وكذا فنحن نؤمن بك ونقر بنبوتك ، فهذا الإيمان إنما حصل بهذا الطريق .

والشبهة الثانية : أن غرض موسى والسحرة فيما تواطئوا عليه إخراج القوم من المدينة وإبطال ملكهم ، ومعلوم عند جميع العقلاء أن مفارقة الوطن والنعمة المألوفة من أصعب الأمور فجمع فرعون اللعين بين الشبهتين اللتين لا يوجد أقوى منهما في هذا الباب . وروى محمد بن جرير عن السدي في حديث عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة رضي الله عنهم : أن موسى وأمير السحرة التقيا فقال موسى عليه السلام : أرأيتك إن غلبتك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئت به الحق ؟ قال الساحر : لآتين غدا بسحر لا يغلبه سحر ، فوالله لئن غلبتني لأومنن بك ، وفرعون ينظر إليهما ويسمع قولهما ، فهذا هو قول فرعون { إن هذا لمكر مكرتموه } واعلم أن هذا يحتمل أنه كان قد حصل ، ويحتمل أيضا أن فرعون ألقى هذا الكلام في البين ، ليصير صارفا للعوام عن التصديق بنبوة موسى عليه السلام . قال القاضي : وقوله : { قبل أن آذن لكم } دليل على مناقضة فرعون في ادعاء الإلهية ، لأنه لو كان إلها لما جاز أن يأذن لهم في أن يؤمنوا به مع أنه يدعوهم إلى إلهية غيره ، ثم قال : وذلك من خذلان الله تعالى الذي يظهر على المبطلين .

أما قوله : { فسوف تعلمون } لا شبهة في أنه ابتداء وعيد ، ثم إنه لم يقتصر على هذا الوعيد المجمل بل فسره فقال : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين } بل فسره فقال : { لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجمعين } .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{قَالَ فِرۡعَوۡنُ ءَامَنتُم بِهِۦ قَبۡلَ أَنۡ ءَاذَنَ لَكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكۡرٞ مَّكَرۡتُمُوهُ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لِتُخۡرِجُواْ مِنۡهَآ أَهۡلَهَاۖ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ} (123)

{ قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون( 123 ) لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنّكم أجمعين( 124 ) } :

التفسير :

{ 123 – قال فرعون آمنتم به قبل أن آذن لكم } .

قرئ بحذف الهمزة على الإخبار ، وقرئ بإثباتها على الاستفهام التوبيخي من فرعون للسحرة .

فقد أنكر عليهم جرأتهم في إعلان الإيمان بموسى من قبل أن يأذن لهم فرعون .

فهو لغروره وجهله ظن أن الإيمان بالحق بعد أن تبين يحتاج إلى استئذان .

{ إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها } .

أي : إن ما صنعتموه من الإيمان بموسى وصدق رسالته لم يقع منكم ؛ لوضوح حجته ، وصدق معجزته ، بل هو حيلة احتلتم بها ، وخديعة اتخذتموها بالاتفاق مع موسى في مدينة مصر ؛ لتخرجوا منها سكانها الأصليين – القبط – فيزول ملكهم ، وتزول دولتهم ، يستقر لكم الأمر من بعدهم وقد قصد فرعون بهذا الأسلوب أن يلقي في أسماع عامة القبط بشبهتين .

الأولى : أن إيمان لسحرة كان بناء على اتفاق سابق وتواطؤ مع موسى .

الثانية : أن ذلك كان لإخراج أهل مصر من ديارهم ، وقصده تثبيت أهل مصر على ما هم عليه من عبادته والخضوع له ، وإذكاء نار عداوتهم لموسى وحقدهم عليه ، إذ ليس أشق على النفوس من مفارقة الأديان وترك الأوطان .

وهكذا يقف الطغاة ضد كل داعية مخلص ، وعندما أعلن النبي صلى الله عليه وسلم دعوته في أهل مكة ، قدم عليه بعض الوفود من العرب ، فقال له أحد الوافدين ، أن كلامك يا أخا قريش لمما تكرهه الملوك .

لأن دعوة الرسل الحقة ، يترتب عليها إحقاق الحق ، وإزهاق الباطل ، الحكم بالعدل ، وقطع دابر الظلم ، ولذلك يحتال الطغاة الظالمون في سائر مراحل التاريخ ؛ لتشويه دعوة الرسل ، وإلصاق التهم بالمصلحين .

قال تعالى :

{ وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا فأوحى إليهم لنهلكن الظالمين * ولنسكننّكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامى وخاف وعيد . ( إبراهيم : 13 ، 14 ) .

فسوف تعلمون .

أي : فسوف تعلمون الأهوال التي سأنزلها بكم جزاء إيمانكم بموسى وتواطئكم معه ، ثم فصّل هذا الوعيد بقوله :

{ لأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ثم لأصلبنكم أجميعن } .