مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ} (3)

قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } فيه سؤالات :

السؤال الأول : لم قدم قوله : { لم يلد } على قوله : { ولم يولد } مع أن في الشاهد يكون أولا مولودا ، ثم يكون والدا ؟ ( الجواب ) : إنما وقعت البداءة بأنه لم يلد ، لأنهم ادعوا أن له ولدا ، وذلك لأن مشركي العرب قالوا : ( الملائكة بنات الله وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ) ولم يدع أحد أن له والدا فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال : { لم يلد } ثم أشار إلى الحجة فقال : { ولم يولد } كأنه قيل : الدليل على امتناع الولدية اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره .

السؤال الثاني : لماذا اقتصر على ذكر الماضي فقال : { لم يلد } ولم يقل : لن يلد ؟ ( الجواب ) : إنما اقتصر على ذلك لأنه ورد جوابا عن قولهم ولد الله والدليل عليه قوله تعالى : { ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم وهم إنما قالوا ذلك في الماضي ، لا جرم وردت الآية على وفق قولهم .

السؤال الثالث : لم قال ههنا : { لم يلد } وقال في سورة بني إسرائيل : { ولم يتخذ ولدا } ؟ ( الجواب ) : أن الولد يكون على وجهين : ( أحدهما ) أن يتولد منه مثله وهذا هو الولد الحقيقي ( والثاني ) : أن لا يكون متولدا منه ولكنه يتخذه ولدا ويسميه هذا الاسم ، وإن لم يكن ولدا له في الحقيقة ، والنصارى فريقان : منهم من قال : عيسى ولد الله حقيقة ، ومنهم من قال : إن الله اتخذه ولدا تشريفا له ، كما اتخذ إبراهيم خليلا تشريفا له ، فقوله : { لم يلد } فيه إشارة إلى نفي الوالد في الحقيقة ، وقوله : { لم يتخذ ولدا } إشارة إلى نفي القسم الثاني ، ولهذا قال : { لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك } لأن الإنسان قد يتخذ ولدا ليكون ناصرا ومعينا له على الأمر المطلوب ، ولذلك قال في سورة أخرى : { وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه هو الغني } وإشارة إلى ما ذكرنا أن اتخاذ الولد إنما يكون عند الحاجة .

السؤال الرابع : نفي كونه تعالى والدا ومولودا ، هل يمكن أن يعلم بالسمع أم لا ، وإن كان لا يمكن ذلك فما الفائدة في ذكره ههنا ؟ ( الجواب ) : نفي كونه تعالى والدا مستفاد من العلم بأنه تعالى ليس بجسم ولا متبعض ولا منقسم ، ونفي كونه تعالى مولودا مستفاد من العلم بأنه تعالى قديم ، والعلم بكل واحد من هذين الأصلين متقدم على العلم بالنبوة والقرآن ، فلا يمكن أن يكونا مستفادين من الدلائل السمعية . بقي أن يقال : فلما لم يكن استفادتهما من السمع ، فما الفائدة في ذكرهما في هذه السورة ؟ ( قلنا ) : قد بينا أن المراد من كونه أحدا كونه سبحانه في ذاته وماهيته منزها عن جميع أنحاء التراكيب ، وكونه تعالى صمدا معناه كونه واجبا لذاته ممتنع التغير في ذاته وجميع صفاته ، وإذا كان كذلك فالأحدية والصمدية يوجبان نفي الولدية والمولودية ، فلما ذكر السبب الموجب لانتفاء الوالدية والمولودية ، لا جرم ذكر هذين الحكمين ، فالمقصود من ذكرهما تنبيه الله تعالى على الدلالة العقلية القاطعة على انتفائهما .

السؤال الخامس : هل في قوله تعالى : { لم يلد ولم يولد } فائدة أزيد من نفي الولدية ونفي المولودية ؟ ( قلنا ) : فيه فوائد كثيرة ، وذلك لأن قوله : { الله أحد } إشارة إلى كونه تعالى في ذاته وماهيته منزها عن التركيب ، وقوله : { الله الصمد } إشارة إلى نفي الأضداد والأنداد والشركاء والأمثال وهذان المقامان الشريفان مما حصل الاتفاق فيهما بين أرباب الملل والأديان ، وبين الفلاسفة ، إلا أن من بعد هذا الموضع حصل الاختلاف بين أرباب الملل وبين الفلاسفة ، فإن الفلاسفة قالوا : إنه يتولد عن واجب الوجود عقل ، وعن العقل عقل آخر ونفس وفلك ، وهكذا على هذا الترتيب حتى ينتهي إلى العقل الذي هو مدبر ما تحت كرة القمر ، فعلى هذا القول يكون واجب الوجود قد ولد العقل الأول الذي هو تحته ، ويكون العقل الذي هو مدبر لعالمنا هذا كالمولود من العقول التي فوقه ، فالحق سبحانه وتعالى نفى الوالدية أولا ، كأنه قيل : إنه لم يلد العقول والنفوس ، ثم قال : والشيء الذي هو مدبر أجسادكم وأرواحكم وعالمكم هذا ليس مولودا من شيء آخر ، فلا والد ولا مولود ولا مؤثر إلا الواحد الذي هو الحق سبحانه .