فتح البيان في مقاصد القرآن للقنوجي - صديق حسن خان  
{لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ} (3)

{ لم يلد ولم يولد } أي لم يصدر عنه ولد كما ولدت مريم . ولم يصدر هو عن شيء كما ولد عيسى وعزير ؛ لأنه لا يجانسه شيء ، ولا استحالة نسبة العدم إليه سابقا ولا حقا ، وقد دل على هذا قوله تعالى { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة } قال قتادة : إن مشركي العرب قالوا : الملائكة بنات الله ، وقالت اليهود : عزير ابن الله ، وقالت النصارى : المسيح ابن الله ، فأكذبهم الله فقال : { لم يلد ولم يولد } .

قال الرازي : قدم ذكر نفي الولد مع أن الوالد مقدم للاهتمام ؛ لأجل ما كان يقوله الكفار من المشركين : الملائكة بنات الله ، واليهود : عزير ابن الله ، والنصارى : المسيح ابن الله ، ولم يدع أحد أن له والدا ، فلهذا السبب بدأ بالأهم فقال :{ لم يلد } .

ثم أشار إلى الحجة فقال : { ولم يولد } ، كأنه قيل : الدليل على امتناع الولد اتفاقنا على أنه ما كان ولدا لغيره ، وإنما عبر سبحانه بما يفيد انتفاء كونه { لم يلد ولم يولد } في الماضي ، ولم يذكر ما يفيد انتفاء كونه كذلك في المستقبل ؛ لأنه ورد جوابا عن قولهم :( ولد الله ) ، كما حكى الله عنهم بقوله{ ألا إنهم من إفكهم ليقولون ولد الله } .

فلما كان المقصود من هذه الآية تكذيب قولهم- وهم إنما قالوا ذلك بلفظ يفيد المنفي فيما مضى- وردت الآية لدفع قولهم هذا .