مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{إِلَٰهِ ٱلنَّاسِ} (3)

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ملك الناس إله الناس } هما عطف بيان كقوله : سيرة أبي حفص عمر الفاروق ، فوصف أولا بأنه رب الناس ثم الرب قد يكون ملكا وقد لا يكون ، كما يقال : رب الدار ورب المتاع قال تعالى : { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله } فلا جرم بينه بقوله : { ملك الناس }

ثم الملك قد يكون إلها وقد لا يكون فلا جرم بينه بقوله : { إله الناس } لأن الإله خاص به وهو سبحانه لا يشركه فيه غيره وأيضا بدأ بذكر الرب وهو اسم لمن قام بتدبيره وإصلاحه ، وهو من أوائل نعمه إلى أن رباه وأعطاه العقل فحينئذ عرف بالدليل أنه عبد مملوك وهو ملكه ، فثنى بذكر الملك ، ثم لما علم أن العبادة لازمة له واجبة عليه ، وعرف أن معبوده مستحق لتلك العبادة عرف أنه إله ، فلهذا ختم به ، وأيضا أول ما يعرف العبد من ربه كونه مطيعا لما عنده من النعم الظاهرة والباطنة ، وهذا هو الرب ، ثم لا يزال يتنقل من معرفة هذه الصفات إلى معرفة جلالته واستغنائه عن الخلق ، فحينئذ يحصل العلم بكونه ملكا ، لأن الملك هو الذي يفتقر إليه غيره ويكون هو غنيا عن غيره ، ثم إذا عرفه العبد كذلك عرف أنه في الجلالة والكبرياء فوق وصف الواصفين وأنه هو الذي ولهت العقول في عزته وعظمته ، فحينئذ يعرفه إلها .

المسألة الرابعة : السبب في تكرير لفظ الناس أنه إنما تكررت هذه الصفات ، لأن عطف البيان يحتاج إلى مزيد الإظهار ، ولأن هذا التكرير يقتضي مزيد شرف الناس ، لأنه سبحانه كأنه عرف ذاته بكونه ربا للناس ، ملكا للناس ، إلها للناس . ولولا أن الناس أشر مخلوقاته وإلا لما ختم كتابه بتعريف ذاته بكونه ربا وملكا وإلها لهم .

المسألة الخامسة : لا يجوز ههنا مالك الناس ويجوز : { مالك يوم الدين } في سورة الفاتحة ، والفرق أن قوله : { رب الناس } أفاد كونه مالكا لهم فلابد وأن يكون المذكور عقيبه هذا الملك ليفيد أنه مالك ومع كونه مالكا فهو ملك ، فإن قيل : أليس قال في سورة الفاتحة : { رب العالمين } ثم قال : { مالك يوم الدين } فليزم وقوع التكرار هناك ؟ قلنا اللفظ دل على أنه رب العالمين ، وهي الأشياء الموجودة في الحال ، وعلى أنه مالك ليوم الدين أي قادر عليه فهناك الرب مضاف إلى شيء والمالك إلى شيء آخر فلم يلزم التكرير ، وأما ههنا لو ذكر المالك لكان الرب والمالك مضافين إلى شيء واحد ، فيلزم منه التكرير فظهر الفرق ، وأيضا فجواز القراءات يتبع النزول لا القياس ، وقد قرئ مالك لكن في الشواذ .