مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي  
{ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ} (28)

قوله تعالى : { ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } وفيه لطيفة ، وهي أن الله تعالى ذكر أمرين : ضرب الوجه ، وضرب الأدبار ، وذكر بعدهما أمرين آخرين : اتباع ما أسخط الله وكراهة رضوانه ، فكأنه تعالى قابل الأمرين فقال : { يضربون وجوههم } حيث أقبلوا على سخط الله ، فإن المتسع للشيء متوجه إليه ، ويضربون أدبارهم لأنهم تولوا عما فيه رضا الله ، فإن الكاره للشيء يتولى عنه ، وما أسخط الله يحتمل وجوها ( الأول ) إنكار الرسول عليه الصلاة والسلام ورضوانه الإقرار به والإسلام ( الثاني ) الكفر هو ما أسخط الله والإيمان يرضيه يدل عليه قوله تعالى : { إن تكفروا فإن الله غنى عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم } وقال تعالى : { إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } إلى أن قال : { رضي الله عنهم ورضوا عنه } ( الثالث ) ما أسخط الله تسويل الشيطان ، ورضوان الله التعويل على البرهان والقرآن ، فإن قيل هم ما كانوا يكرهون رضوان الله ، بل كانوا يقولون : إن ما نحن عليه فيه رضوان الله ، ولا نطلب إلا رضاء الله ، وكيف لا والمشركون بإشراكهم كانوا يقولون : إنا نطلب رضاء الله . كما قالوا { ليقربونا إلى الله زلفى } وقالوا { فيشفعوا لنا } فنقول معناه كرهوا ما فيه رضاء الله تعالى .

وفيه لطيفة وهي أن الله تعالى قال : { ما أسخط الله } ولم يقل : ما أرضى الله وذلك لأن رحمة الله سابقة ، فله رحمة ثابتة وهي منشأ الرضوان ، وغضب الله متأخر فهو يكون على ذنب ، فقال : { رضوانه } لأنه وصف ثابت لله سابق ، ولم يقل سخط الله ، بل { ما أسخط الله } إشارة إلى أن السخط ليس ثبوته كثبوت الرضوان ، ولهذا المعنى قال في اللعان في حق المرأة { والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين } يقال : { غضب الله } مضافا لأن لعانه قد سبق مظهر الزنا بقوله وأيمانه ، وقبله لم يكن لله غضب ، و { رضوان الله } أمر يكون منه الفعل ، وغضب الله أمر يكون من فعله ، ولنضرب له مثالا : الكريم الذي رسخ الكرم في نفسه يحمله الكرم على الأفعال الحسنة ، فإذا كثر من السيء الإساءة فغضبه لا لأمر يعود إليه ، بل غضبه عليه يكون لإصلاح حالة ، وزجرا لأمثاله عن مثل فعاله ، فيقال هو كان الكريم فكرمه لما فيه من الغريزة الحسنة ، لكن فلانا أغضبه وظهر منه الغضب ، فيجعل الغضب ظاهرا من الفعل ، والفعل الحسن ظاهرا من الكرم ، فالغضب في الكريم بعد فعل ، والفعل منه بعد كرم ، ومن هذا يعرف لطف قوله { ما أسخط الله وكرهوا رضوانه } .

قوله تعالى : { فأحبط أعمالهم } حيث لم يطلبوا إرضاء الله ، وإنما طلبوا إرضاء الشيطان والأصنام .