{ إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله } لما أشار سبحانه فيما تقدم إلى الجهاد عقب ذلك ببيان معالم الحج فكأنه جمع بين الحج والغزو ، وفيهما شق الأنفس وتلف الأموال ، وقيل : لما ذكر الصبر عقبه ببحث الحج/ لما فيه من الأمور المحتاجة إليه ، والصفا في الأصل الحجر الأملس مأخوذ من صفا يصفو إذا خلص ، واحده صفاة كحصى وحصاة ، ونوى ونواة وقيل : إن الصفا واحد قال المبرد وهو كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب ، وأصله من الواو لأنك تقول في تثنيته صفوان ولا يجوز إمالته ، والمروة في الأصل الحجر الأبيض اللين والمرو لغة فيه ، وقيل : هو جمع مثل تمرة وتمر ، ثم صارا في العرف علمين لموضعين معروفين بمكة للغلبة ، واللام لازمة فيهما ، وقيل : سمي الصفا لأنه جلس عليه آدم صفي الله تعالى ، وسمي المروة لأنه جلست عليه امرأته حواء ، والشعائر جمع شعيرة ، أو شعارة وهي العلامة والمراد بهما أعلام المتعبدات أو العبادات الحجية ، وقيل : المعنى إن الطواف بين هذين الجبلين من علامات دين الله تعالى ، أو أنهما من المواضع التي يقام فيها دينه ، أو من علاماته التي تعبد بالسعي بينهما لا من علامات الجاهلية .
{ فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر } الحج لغة القصد مطلقاً أو إلى معظم ، وقيده بعضهم بكونه على وجه التكرار ، والعمرة الزيارة أخذاً من العمارة كأن الزائر يعمر المكان بزيارته فغلبا شرعاً على المقصد المتعلق بالبيت وزيارته على الوجهين المخصوصين ، والبيت خارج من المفهوم ، والنسبة مأخوذة فيه فلا بد من ذكره فلا يرد أن البيت مأخوذ في مفهومهما فيكفي من حج أو اعتمر ولا حاجة إلى أن يتكلف بأنه مأخوذ في مفهوم الاسمين خارج عن مفهوم الفعلين ، وعلى تقدير أخذه في مفهومهما يعتبر التجريد ليظهر شرف البيت .
{ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } أي لا إثم عليه في أن يطوف . وأصل الجناح الميل ، ومنه { وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ } [ الأتفال : 1 6 ] وسمي الاسم به لأنه ميل من الحق إلى الباطل ، وأصل يطوف يتطوف فأدغمت التاء في الطاء ، وسبب النزول ما صح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له أساف ، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما فلما طالت المدة عبدا من دون الله تعالى فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية ، ومنه يعلم دفع ما يتراءى أنه لا يتصور فائدة في نفي الجناح بعد إثبات أنهما من الشعائر بل ربما لا يتلازمان إذ أدنى مراتب الأول الندب وغاية الثاني الإباحة ، وقد وقع الإجماع على مشروعية الطواف بينهما في الحج والعمرة لدلالة نفي الجناح عليه قطعاً لكنهم اختلفوا في الوجوب ، فروي عن أحمد أنه سنة وبه قال أنس وابن عباس وابن الزبير لأن نفي الجناح يدل على الجواز ، والمتبادر منه عدم اللزوم كما في قوله تعالى :
{ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا } [ البقرة : 230 ] وليس مباحاً بالاتفاق ولقوله تعالى : { مِن شَعَائِرِ الله } فيكون مندوباً ، وضعف بأن نفي الجناح وإن دل على الجواز المتبادر منه عدم اللزوم إلا أنه يجامع الوجوب فلا يدفعه ولا ينفيه والمقصود ذلك فلعل ههنا دليلاً يدل على الوجوب كما في قوله تعالى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة } [ النساء : 101 ] ولعل هذا كقولك لمن عليه صلاة الظهر مثلاً وظهر أنه لا يجوز فعلها عند الغروب فسأل عن ذلك : لا جناح عليك إن صليتها في هذا الوقت فإنه جواب صحيح ولا يقتضي نفي وجوب صلاة الظهر ، وعن الشافعي ومالك أنه ركن وهو رواية عن الإمام أحمد واحتجوا بما أخرج الطبراني عن ابن عباس قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : «إن الله تعالى كتب عليكم السعي فاسعوا » ومذهب إمامنا أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أنه واجب يجبر بالدم لأن الآية لا تدل إلا على نفي الإثم المستلزم للجواز ، والركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به ولم يوجد ، والحديث إنما يفيد/ حصول الحكم معلللاً ومقرراً في الذهن ، ولا يدل على بلوغه غاية الوجوب بحيث يفوت الجواز بفوته لتتحقق الركنية وهو ظني السند وإن فرض قطعي الدلالة فلا يدل على الفرضية ، وما روى مسلم عن عائشة أنها قالت لعمري ما أتم الله تعالى حج من لم يسع بين الصفا والمروة ولا عمرته ليس فيه دليل على الفرضية أيضاً سلمنا لكنه مذهب لها ، والمسألة اجتهادية فلا تلزم به على أنه معارض بما أخرجه الشعبي عن عروة بن مضرس الطائي أنه قال : أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة فقلت : يا رسول الله جئت من جبل طي ما تركت جبلاً إلا وقفت عليه فهل لي من حج ؟ فقال : «من صلى معنا هذه الصلاة ووقف معنا هذا الموقف ، وقد أدرك عرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه » فأخبر صلى الله عليه وسلم بتمام حجه ، وليس فيه السعي بينهما ، ولو كان من فروضه لبينه للسائل لعلمه بجهله ، وقرأ ابن مسعود وأبيّ ( أن لا يطوف ) ولا تصلح أن تكون ناصرة للقول الأول لأنها شاذة لا عمل بها مع ما يعارضها ولاحتمال أن ( لا ) زائدة كما يقتضيه السياق .
{ وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } أي من انقاد انقياداً خيراً ، أو بخير ، أو آتيا بخير فرضاً كان أو نفلاً ، وهو عطف على { فَمَنْ حَجَّ } الخ مؤكد أمر الحج والعمرة والطواف تأكيد الحكم الكلي للجزئي ، أو من تبرع تبرعاً خيراً أو بخير أو آتيا بخير من حج أو عمرة أو طواف لقرينة المساق ، وعليه تكون الجملة مسوقة لإفادة شرعية التنفل بالأمور الثلاثة ، وفائدة { خَيْرًا } على الوجهين مع أن التطوع لا يكون إلا كذلك التنصيص بعموم الحكم بأن من فعل خيراً أي خير كان يثاب عليه ، أو من تبرع تبرعاً خيراً أو بخير أو آتيا بخير من السعي فقط بناءاً على أنه سنة ، والجملة حينئذ تكميل لدفع ما يتوهم من نفي الجناح من الإباحة ، وفائدة القيد التنصيص بخيرية الطواف دفعاً لحرج المسلمين . وقرأ ابن مسعود ( ومن تطوع بخير ) وحمزة ، والكسائي ، ويعقوب ( يطوع ) على صيغة المضارع المجزوم لتضمن { مِنْ } معنى الشرط وأصله يتطوع فأدغم .
{ فَإِنَّ الله شَاكِرٌ } أي مجاز على الطاعة بالثواب وفي التعبير به مبالغة في الإحسان إلى العباد { عَلِيمٌ } مبالغ في العلم بالأشياء فيعلم مقادير أعمالهم وكيفياتها فلا ينقص من أجورهم شيئاً ، وبهذا ظهر وجه تأخير هذه الصفة عما قبلها ، ومن قال : أتى بالصفتين ههنا لأن التطوع بالخير يتضمن الفعل والقصد فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل وذكر العلم باعتبار القصد وأخر صفة العلم وإن كانت متقدمة على الشكر كما أن النية متقدمة على الفعل لتواخي رءوس الآي لم يأت بشيء . وهذه الجملة علة لجواب الشرط المحذوف قائم مقامه كأنه قيل : ومن تطوع خيراً جازاه الله تعالى أو أثابه فإن الله شاكر عليم .
( ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { إِنَّ الصفا } أي الروح الصافية عن درن المخالفات { والمروة } [ البقرة : 158 ] أي النفس القائمة بخدمة مولاها من إعلام دين الله ومناسكه القلبية والقالبية ، فمن بلغ مقام الوحدة الذاتية ، ودخل بيت الحضرة الإلهية بالفناء عن السوي أو زار الحضرة بتوحيد الصفات واتزر بأنوار الجلال والجمال فلا حرج عليه حينئذٍ أن يطوف بهما ويرجع إلى مقامهما بالوجود الموهوب بعد التمكين المطلوب ومن تبرع خيراً بالتعليم والنصيحة وإرشاد المسرشدين فإن الله يشكر عمله ويعلم جزاءه .
وقوله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم ) جاء في سبب نزول هذه الآية أكثر من وجه نذكرها هنا اقتضابا غير مفصل . فقد أخرج الإمام أحمد بإسناده عن عائشة رضي الله عنها أن عروة بن الزبير سألها : أرأيت قول الله تعالى : ( إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ) فوالله ما على أحد جناح ألا يتطوف بهما . فقالت عائشة : بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلْتها عليه كانت : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما ، ولكنها إنما أنزلت ؛ لأن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا يُهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل وكان من أهلَّ لها يتحرّج أن يطوف بالصفا والمروة ، فسألوا عن ذلك رسول الله ( ص ) فقالوا : يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية فأنزل الله عز وجل الآية . وقالت ( عائشة ) : ثم قد سن رسول الله ( ص ) الطواف بهما ؛ فليس لأحد أن يدع الطواف بهما .
وفي قول ثان أن الناس يقولون إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية فكانوا بذلك يتحرجون من الطواف بينهما ، فنزلت الآية من أجل ذلك .
وفي قول ثالث لبعض الأنصار قالوا : إنما أمرنا بالطواف بالبيت ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فنزلت الآية .
وفي قول رابع أخرجه الإمام البخاري وهو شبيه بالقول الثاني . وهو أن أنسا رضي الله عنه سئل عن الصفا والمروة فقال : كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية ، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما فأنزل الله عز وجل : ( إن الصفا والمروة من شعائر ) .
والصفا في اللغة جمع ومفرده صفاة وهي الحجر الصلد الأملس الذي لا يُنبت{[168]} .
وأما المروة فهي مفرد وجمعه المرو وهي حجارة بيض براقة توري النار{[169]} .
وذكر القرطبي في تفسيره أن الصفا من الاصطفاء ، وقد سميت بذلك ؛ لأن آدم قد اصطفاه الله ليكون صفوته . وهو عليه السلام وقف عليه فسمي به . ووقفت حواء على المروة فسميت باسم المرأة فأنّث لذلك .
وقوله : ( من شعائر الله ) ( شعائر ) جمع مفرده شعيرة وهي تعني العلامة من الشعار ، فالشعائر المعالم أو العلامات التي جعلها الله أعلاما للناس يتعبدون عندها .
وحج البيت يعني قصده والتوجه إليه . والاعتمار يراد به العمرة أي الزيارة{[170]} .
أما من الناحية الشرعية فإن المقصود بالتطوف بالصفا والمروة وهو السعي أن المسير بينهما مشيا وهرولة سبع مرات .
وقد ورد أن النبي ( ص ) لما فرغ من طوافه بالبيت عاد إلى الركن فاستلمه ثم خرج من باب الصفا وهو يقول : ( إن الصفا والمروة من شعائر ) ثم قال : " ابدأ بما بدأ الله به " وفي رواية ثانية : " ابدأوا بما بدأ الله به " .
وأخرج الإمام أحمد بإسناده أن النبي ( ص ) كان يطوف بين الصفا والمروة والناس بيد يديه وهو وراءهم وهو يسعى ويقول : " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " .
وفي روية أخرى عنه ( ص ) : " كُتب عليكم السعي فاسعوا " .
أما السعي من حيث الحكم فقد ذهب الشافعي ، وأحمد في رواية عنه ، ومالك إلى أنه ركن ؛ استنادا إلى النصوص النبوية آنفا .
وذهب أحمد في رواية أخرى عنه وآخرون معه إلى أنه واجب وليس بركن . فمن تركه عمدا أو سهوا أمكن جبره بدم .
وذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وآخرون إلى أن السعي سنة مستحبة .
واحتجوا لذلك بقوله سبحانه : ( ومن تطوع خيرا ) فإنه يفهم بذلك أن السعي مجرد تطوع فهو بذلك مستحب غير مفروض . والذي نميل إليه ونرجحه أن السعي فرض استنادا إلى الأدلة من سنة النبي ( ص ) التي ذكرناها ، ومنها قوله عليه السلام : " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " أما قوله : ( ومن تطوع خيرا ) أي زاد ( الساعي ) في طوافه بينهما على القدر المطلوب وهو سبعة فيطوف ثامنة أو تاسعة . وقيل : يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع . وقيل غير ذلك ، لكن الراجح عندي الأول . وفي ذلك ما يبطل الاستدلال بهذه الآية على سنية السعي ؛ وذلك لوقوع الاحتمال في أوجه الدليل . ومعلوم أنه إذا وقع الاحتمال سقط الاستدلال .
وقوله : ( فإن الله شاكر عليم ) يجازي الطائفين المتنفلين الذين يتطوعون زيادة على المفروض ، وهو سبحانه عليم بأعمالهم كلها لا يعزب عنه منها شيء ، صغير كان أم كبيرا{[171]} .