روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

{ وَلَنَبْلُوَنَّكُم } عطف على قوله تعالى : { استعينوا } [ البقرة : 153 ] الخ عطف المضمون على المضمون ، والجامع أن مضمون الأولى طلب الصبر ، ومضمون الثانية بيان مواطنه ، والمراد لنعاملنكم معاملة المبتلي والمختبر ، ففي الكلام استعارة تمثيلية لأن الابتلاء حقيقة لتحصيل العلم ، وهو محال من اللطيف الخبير والخطاب عام لسائر المؤمنين وقيل : للصحابة فقط ، وقيل : لأهل مكة فقط . { بِشَيْء مّنَ الخوف والجوع } أي بقليل من ذلك ، والقلة بالنسبة لما حفظهم عنه مما لم يقع بهم وأخبرهم سبحانه به قبل وقوعه ليوطنوا عليه نفوسهم فإن مفاجأة المكروه أشد ، ويزداد يقينهم عند مشاهدتهم له حسبما أخبر به ، وليعلموا أنه شيء يسير له عاقبة محمودة .

{ وَنَقْصٍ مّنَ الأموال والأنفس والثمرات } عطف إما على ( شيء ) ويؤيده التوافق في التنكير ومجيء البيان بعد ( كل ) وإما على ( الخوف ) ويؤيده قرب المعطوف عليه ودخوله تحت ( شيء ) والمراد من الخوف خوف العدو ، ومن الجوع القحط إقامة للمسبب مقام السبب قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، ومن نقص الأموال هلاك المواشي ، ومن نقص الأنفس ذهاب الأحبة بالقتل والموت ، ومن نقص الثمرات تلفها بالجوائح ، ونص عليها مع أنها من الأموال لأنها قد لا تكون مملوكة ، وقال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه : الخوف خوف الله تعالى والجوع صوم رمضان ، والنقص من الأموال الزكوات والصدقات ، ومن الأنفس الأمراض ، ومن الثمرات موت الأولاد ، وإطلاق الثمرة على الولد مجاز مشهور لأن الثمرة كل ما يستفاد ويحصل ، كما يقال : ثمرة العلم العمل ، وأخرج الترمذي من حديث أبي موسى وحسنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : «إذا مات ولد العبد قال الله تعالى للملائكة : أقبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم ، فيقول : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ فيقولون : نعم ، فيقول الله تعالى : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك واسترجع ، فيقول الله تعالى : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه بيت الحمد » واعترض ما قاله الإمام بعد تسلم أن الآية نزلت قبل فرضية الصوم والزكاة بأن خوف الله تعالى لم تزل قلوب المؤمنين مشحونة به قبل/ نزول الآية ، وكذا الأمراض وموت الأولاد موجودان قبل ، فلا معنى للوعد بالابتلاء بذلك ، وكذا لا معنى للتعبير عن الزكاة وهي النمو والزيادة بالنقص ، وأجيب بأن كون قلوب المؤمنين مشحونة بالخوف قبل لا ينافي ابتلاءهم في الاستقبال بخوف آخر ، فإن الخوف يتضاعف بنزول الآيات ، وكذا الأمراض ، وموت الأولاد أمور متجددة يصح الابتلاء بها في الآتي من الأزمان ، والتعبير عن الزكاة بالنقص لكونها نقصاً صورة وإن كانت زيادة معنى فعند الابتلاء سماها نقصاً ، وعند الأمر بالأداء سماها زكاة ليسهل أداؤها .

{ وَبَشّرِ الصابرين } خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من تتأتى منه البشارة ، والجملة عطف على ما قبلها عطف المضمون على المضمون من غير نظر إلى الخبرية والإنشائية والجامع ظاهر كأنه قيل : الابتلاء حاصل لكم وكذا البشارة ولكن لمن صبر منكم ، وقيل : على محذوف أي أنذر الجازعين وبشر .

( ومن باب الإشارة ) : { وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الخوف } أي خوفي الموجب لانكسار النفس وانهزامها { والجوع } الموجب لهتك البدن وضعف القوى ورفع حجاب الهوى وتضييق مجاري الشيطان إلى القلب { وَنَقْصٍ مّنَ الأموال } التي هي مواد الشهوات المقوية للنفس الزائدة في طغيانها { والأنفس } المستولية على القلب بصفاتها أو أنفس الأحباب الذين تأوون إليهم لتنقطعوا إلى { والثمرات } أي الملاذ النفسانية لتلتذوا بالمكاشفات والمعارف القلبية والمشاهدات الروحية عند صفاء بواطنكم وخلوص نضار قلوبكم بنار الرياضة { وَبَشّرِ الصابرين } [ البقرة : 155 ] معي بي أو عن مألوفاتهم بلذة محبتي .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَلَنَبۡلُوَنَّكُم بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلۡخَوۡفِ وَٱلۡجُوعِ وَنَقۡصٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَنفُسِ وَٱلثَّمَرَٰتِۗ وَبَشِّرِ ٱلصَّـٰبِرِينَ} (155)

قوله تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون ) البلاء معناه المحنة ، والابتلاء هو الامتحان والاختبار{[164]} . ذلك أن الله يؤكد لعباده المؤمنين أنهم لا بد مبتلون وأن الله ممتحنهم بضروب من الخوف والجوع ونقص الأموال والأنفس والثمرات . وكل صورة من صور البلاء هذه نقضّ الإنسان وتنال من عزمه وراحته إلا أن يعتصم برباط العقيدة ليزداد يقينا وثباتا ، ثم يجد من سلاح الصبر ما يحقق له الأجر وعظيم الجزاء . والله جلت قدرته يبتلي عباده المؤمنين بشيء من هذه البلايا وليس بها جميعها فهو سبحانه يبتلي عبده بشيء من الخوف أي كان مصدره أو سببه ، ثم بشيء من الجوع وهو قاس وأليم يُسام الإنسان به مرارة الطوى . ثم بنقص من الأموال كيفما كانت صورة هذا الانتقاص ، سواء بالجدب والقحط عقيب احتباس المطر ، أو نتيجة لجائحة من الجوائح تأتي على الزروع والثمرات ، أو بسبب فناء يعصف بالماشية والأنعام ، أو كساد يصيب أموال التجارة فأفضى بها إلى الفساد والخسارة .

وكذلك يبتلي الله عباده المؤمنين بمصيبة الموت ، كأن يموت للمؤمن قريب أو حبيب يثير فيه بالغ الحزن والأسى .

ويبدو من صيغة التأكيد ( لنبلونكم ) والتي ترد في معنى القسم أن من سنة الله أن يُبتلى المؤمنون في أمنهم بالخوف ، وفي قوتهم بالجوع ، وفي أموالهم وثمراتهم بالنقصان والخسران ، ثم في أنفسهم بالموت ؛ ليكون في ذلك امتحان عسير يمحص الله به المؤمنين الصابرين ، أو يميز الثابتين الأقوياء من الضعفاء الخائرين الذي يجزعون في الشدة ويتملكهم الروع والهلع .

ثم يأمر الله نبيه ( ص ) أن يبشر الصابرين بجزيل الثواب وعظيم الأجر على صبرهم واحتمالهم دون أن يميلوا أو يتزعزعوا .


[164]:- مختار الصحاح ص 65.