بحر العلوم لعلي بن يحيى السمرقندي - السمرقندي  
{۞إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلۡمَرۡوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِۖ فَمَنۡ حَجَّ ٱلۡبَيۡتَ أَوِ ٱعۡتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَاۚ وَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَإِنَّ ٱللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} (158)

قوله تعالى : { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله } ، قال أهل اللغة : الصفا الحجارة الصلبة التي لا تنبت بها شيء . والواحدة : صفاة . يقال : حصى وحصاة . والمروة : الحجارة اللينة . والشعائر : علامة متعبداته . واحدها شعيرة . يعني أن الطواف بالصفا والمروة من أمور المناسك ، { فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } . روي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ : { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن لا يَطَّوَّفَ بِهِمَا } . وروي عن ابن عباس ، وأنس بن مالك أنهما كانا يقرآن كذلك . ومعنى ذلك ، أن من حج البيت أو اعتمر فترك السعي ، لا يفسد حجه ولا عمرته ، ولكن يجب عليه جبر النقصان وهو إراقة الدم ، وفي مصحف الإمام { فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } بحذف كلمة ( لا ) . وذلك أن أهل الجاهلية كان لهم صنمان على الصفا والمروة : أحدهما يقال له ( اساف ) والآخر ( نائلة ) ، وكان المشركون يطوفون بين الصفا والمروة ويستلمون الصنمين . فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم بعمرة القضاء ، كان الأنصار لا يسعون فيما بين الصفا والمروة ويقولون : السعي فيما بينهما من أمر المشركين فنزلت هذه الآية . ويقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة ، طاف بالبيت والمسلمون معه ، فلما سعى بين الصفا والمروة ، رفع المسلمون أزرهم ، وشمروا قمصهم كيلا يصيب ثيابهم ذينك الصنمين ، فنزل قوله تعالى : { إِنَّ الصفا والمروة مِن شَعَائِرِ الله } يعني من أمور المناسك . { فَمَنْ حَجَّ البيت أَوِ اعتمر فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا } ، يعني لو أصاب ثيابه من ذلك لا يضره ولا إثم عليه ؛ فخرج عمر فتناول المعول وكسر الصنمين .

قال الفقيه : حدثنا الفقيه أبو جعفر قال : حدثنا علي بن أحمد قال : حدثنا محمد بن الفضل ، عن يعلى بن منبه ، عن صالح بن حيان ، عن أبي بريدة ، عن أبيه قال : دخل جبريل عليه السلام المسجد ، فبصر بالنبي صلى الله عليه وسلم نائماً في ظل الكعبة فأيقظه فقام وهو ينفض رأسه ولحيته من التراب ، فانطلق به نحو باب بني شيبة فلقيهما ميكائيل . فقال جبريل لميكائيل : ما يمنعك أن تصافح النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : أجد من يده ريح نحاس . فقال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم أفعلت ذلك ؟ وكان النبي صلى الله عليه وسلم نسي ذلك ثم ذكر فقال : « صَدَقَ أَخِي ، مَرَرْتُ أوَلَ أَمْسٍ عَلَى إِساف وَنَائِلَةَ فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَى أَحَدِهِما وَقُلْتُ : إنَّ قَوْماً رَضُوا بِكُمَا آلِهَةً مَعَ الله هُمْ قَوْمُ سُوءٍ »

قال صالح : قلت لأبي بريدة : وما أساف ونائلة ؟ قال : كانا إنسانين من قريش يطوفان بالكعبة ، فوجدا فيها خلوة فراود أحدهما صاحبه ، فمسخهما الله تعالى نحاساً ، فجاءت بهما قريش وقالوا : لولا أن الله رضي بأن نعبد هذين الإنسانين ما مسخهما نحاساً .

وأساف كان رجلاً ونائلة كانت امرأة . قال الزجاج : الجناح في اللغة : أخذ من جنح إذا مال وعدل عن المقصد . وأصل ذلك من جناح الطير .

قوله تعالى : { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا } . قرأ حمزة والكسائي { يَطَوَّعْ } بالياء وجزم العين ، لأن الأصل يتطوع فأدغمت التاء في الطاء وشددت . وقرأ الباقون { وَمَن تَطَوَّعَ } على معنى الماضي والمراد به الاستقبال ، يعني إذا زاد في الطواف حول البيت على ما هو واجب عليه ، { فَإِنَّ الله شَاكِرٌ } يقبل منهم ، { عَلِيمٌ } بنياتهم وبما نووا وقال القتبي : يطوف أصله يتطوف فأدغمت التاء في الطاء . ويقال : الجناح : الإثم . ويقال إن الله شاكر عليم يقبل اليسير ويعطي الجزيل ويقال : إن الله شاكر بقبول أعمالكم { عليم } بالثواب . ويقال : الطواف للغرباء أفضل من الصلاة ، لأنهم يقدرون على الصلاة إذا رجعوا إلى منازلهم ، ولا يمكنهم الطواف إلا في ذلك الوقت ، فالله تعالى قد حثّ على الطواف بقوله : { وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ الله شَاكِرٌ عَلِيمٌ } .