{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } بيان لما قبله من النص المجمل في مشروعية القصر بطريق التفريع وتصوير لكيفيته عند الضرورة التامة ، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بطريق التجريد ، وتعلق بظاهره من خص صلاة الخوف بحضرته عليه الصلاة والسلام كالحسن بن ( زيد ) ، ونسب ذلك أيضاً لأبي يوسف ، ونقله عنه الجصاص في كتاب «الأحكام » ، والنووي في المهذب ، وعامة الفقهاء على خلافه فإن الأئمة بعده صلى الله عليه وسلم نوابه وقوّام بما كان يقوم به فيتناولهم حكم الخطاب الوارد له عليه الصلاة والسلام كما في قوله تعالى : { خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } [ التوبة : 103 ] وقد أخرج أبو داود والنسائي وابن حبان وغيرهم عن ثعلبة بن زهدم قال : «كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان فقال : أيكم صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف ؟ فقال حذيفة : أنا ، ثم وصف له ذلك فصلوا كما وصف ولم يقضوا ، وكان ذلك بمحضر من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولم ينكره أحد منهم وهم الذين لا تأخذهم في الله تعالى لومة لائم » وهذا يحل محل الإجماع ، ويرد ما زعمه المزني من دعوى النسخ أيضاً { فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة } أي أردت أن تقيم بهم الصلاة { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } بعد أن جعلتهم طائفتين ولتقف الطائفة الأخرى تجاه العدو للحراسة ولظهور ذلك ترك { وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفة المذكورة القائمة معك { أَسْلِحَتَهُمْ } مما لا يشغل عن الصلاة كالسيف والخنجر . وعن ابن عباس أن الآخذة هي الطائفة الحارسة فلا يحتاج حينئذٍ إلى التقييد إلا أنه خلاف الظاهر ، والمراد من الأخذ عدم الوضع وإنما عبر بذلك عنه للإيذان بالاعتناء باستصحاب الأسلحة حتى كأنهم يأخذونها ابتداءاً .
{ فَإِذَا سَجَدُواْ } أي القائمون معك أي إذا فرغوا من السجود وأتموا الركعة كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } أي فلينصرفوا ( للحراسة من العدو ) { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى لَمْ يُصَلُّواْ } بعد وهي التي كانت تحرس ، ونكرها لأنها لم تذكر قبل { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } الركعة الباقية من صلاتك ، والتأنيث والتذكير مراعاة للفظ ، والمعنى ولم يبين في الآية الكريمة حال الركعة الباقية لكل من الطائفتين ، وقد بين ذلك بالسنة ، فقد أخرج الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن سالم عن أبيه في قوله سبحانه : { وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } هي صلاة الخوف صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإحدى الطائفتين ركعة ، والطائفة الأخرى مقبلة على العدو ، ثم انصرفت التي صلت مع النبي صلى الله عليه وسلم فقاموا مقام أولئك مقبلين على العدو ، وأقبلت الطائفة الأخرى التي كانت مقبلة على العدو فصلى بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعة أخرى ، ثم سلم بهم ، ثم قامت كل طائفة فصلوا ركعة ركعة فتم لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان ولكل من الطائفتين ركعتان ركعة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وركعة بعد سلامه وعن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم حين صلى صلاة الخوف صلى بالطائفة الأولى ركعة وبالطائفة الأخرى ركعة كما في الآية فجاءت الطائفة الأولى وذهبت هذه إلى مقابلة العدو حتى قضت الأولى الركعة الأخرى بلا قراءة وسلموا ، ثم جاءت الطائفة الأخرى وقضوا الركعة الأولى بقراءة حتى صار لكل طائفة ركعتان ، وهذا ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه ، وإنما سقطت القراءة عن الطائفة الأولى في صلاتهم الركعة الثانية بعد سلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم وإن كانوا في ثانيته عليه الصلاة والسلام في مقابلة العدو إلا أنهم في الصلاة وفي حكم المتابعة فكانت قراءة الإمام قائمة مقام قراءتهم كما هو حكم الاقتداء ولا كذلك الطائفة الأخرى لأنهم اقتدوا بالإمام في الركعة الثانية وأتم الإمام صلاته فلا بد لهم من القراءة في ركعتهم الثانية إذ لم يكونوا مقتدين بالإمام حينئذٍ ، وذهب بعضهم إلى أن صلاة الخوف هي ما في هذه الآية ركعة واحدة ، ونسب ذلك إلى ابن عباس وغيره ، فقد أخرج ابن جرير وابن أبي شيبة والنحاس عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال : «فرض الله تعالى على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم في الحضر أربعاً وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة » وأخرج الأولان وابن أبي حاتم عن يزيد الفقير «قال سألت جابر بن عبد الله عن الركعتين في السفر أقصرهما فقال : الركعتان في السفر تمام إنما القصر واحدة عند القتال بينا نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في قتال إذ أقيمت الصلاة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفت طائفة وطائفة وجوهها قبل العدو فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ثم انطلقوا إلى أولئك فقاموا مقامهم وجاء أولئك فقاموا خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ركعة وسجد بهم سجدتين ، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس فسلم وسلم الذين خلفه وسلم الأولون فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان وللقوم ركعة ركعة ثم قرأ الآية » ، وذهب الإمام مالك رضي الله تعالى عنه إلى أن كيفية صلاة الخوف أن يصلي الإمام بطائفة ركعة فإذا قام للثانية فارقته وأتمت وذهبت إلى وجه العدو وجاء الواقفون في وجهه والإمام ينتظرهم فاقتدوا به وصلى بهم الركعة الثانية فإذا جلس للتشهد قاموا فأتموا ثانيتهم ولحقوه وسلم بهم ، وهذه كما رواه الشيخان صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بذات الرقاع ، وهي أحد الأنواع التي اختارها الشافعي رضي الله تعالى عنه ، واستشكل من ستة عشر نوعاً ، ويمكن حمل الآية عليها ، ويكون المراد من السجود الصلاة ؛ والمعنى فإذا فرغوا من الصلاة فليكونوا الخ ، وأيد ذلك بأنه لا قصور في البيان عليه ، وبأن ظاهر قوله سبحانه : { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } أن الطائفة الأخيرة تتم الصلاة مع الإمام ، وليس فيه إشعار بحراستها مرة ثانية وهي في الصلاة ألبتة ، وتحتمل الآية بل قيل : إنها ظاهرة في ذلك أن الإمام يصلي مرتين كل مرة بفرقة وهي صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما رواه الشيخان أيضاً ببطن نخل ، واحتمالها للكيفية التي فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان بعيد جداً ، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام كما قال ابن عباس ورواه عنه أحمد وأبو داود وغيرهما صف الناس خلفه صفين ، ثم ركع فركعوا جميعاً ، ثم سجد بالصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم فلما سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ، ثم تقدم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء وهؤلاء إلى مصاف هؤلاء ، ثم ركع عليه الصلاة والسلام فركعوا جميعاً ، ثم رفع فرفعوا ثم سجد هو والصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم فلما جلسوا جلس الآخرون فسجدوا ثم سلم عليهم ، ثم انصرف صلى الله عليه وسلم وتمام الكلام يطلب من محله .
{ وَلْيَأْخُذُواْ } أي الطائفة الأخرى { حِذْرَهُمْ } أي احترازهم وشبهه بما يتحصن به من الآلات ولذا أثبت له الأخذ تخييلاً وإلا فهو أمر معنوي لا يتصف بالأخذ ، ولا يضر عطف قوله سبحانه : { وَأَسْلِحَتَهُمْ } عليه للجمع بين الحقيقة والمجاز لأن التجوز في التخييل في الإثبات والنسبة لا في الطرف على الصحيح ، ومثله لا بأس فيه بالجمع كما في قوله تعالى : { تَبَوَّءوا الدار والإيمان } [ الحشر : 9 ] ، وقال بعض المحققين : إن هذا وأمثاله من المشاكلة لما يلزم على الكناية التصريح بطرفيها وإن دفع بأن المشبه به أعم من المذكور ، وإن فسر الحذر بما يدفع به فلا كلام ، ولعل زيادة الأمر بالحذر كما قال شيخ الإسلام في هذه المرة لكونها مظنة لوقوف الكفرة على كون الطائفة القائمة مع النبي صلى الله عليه وسلم في شغل شاغل ، وأما قبلها فربما يظنونهم قائمين للحراب .
{ وَدَّ الذين كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } بيان لما لأجله أمروا بأخذ السلاح ، والخطاب للفريقين بطريق الالتفات أي تمنوا أن ينالوا منكم غرة في صلاتكم فيحملون عليكم جملة واحدة ، والمراد بالأمتعة ما يمتع به في الحرب لا مطلقاً وقرىء أمتعاتكم والأمر للوجوب لقوله تعالى :
{ وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } حيث رخص لهم في وضعها إذا ثقل عليهم حملها واستصحابها بسبب مطر أو مرض ، وأمروا بعد ذلك بالتيقظ والاحتياط فقال سبحانه : { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } أي بعد إلقاء السلاح للعذر لئلا يهجم عليكم العدو غيلة ، واختار بعض أئمة الشافعية أن الأمر للندب ، وقيدوه بما إذا لم يخف ضرراً يبيح التيمم بترك الحمل ، أما لو خاف وجب الحمل على الأوجه ولو كان السلاح نجساً ومانعاً للسجود وفي «شرح المنهاج » للعلامة ابن حجر ولو انتفى خوف الضرر وتأذى غيره بحمله كره إن خف الضرر بأن احتمل عادة وإلا حرم ، وبه يجمع بين إطلاق كراهته وإطلاق حرمته ، والآية كما أخرجه البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت في عبد الرحمن بن عوف وكان جريحاً ، وذكر أبو ضمرة ورواه الكلبي عن أبي صالح أن رسول الله/ صلى الله عليه وسلم غزا محارباً وبني أنمار فهزمهم الله تعالى وأحرزهم الذراري والمال ، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون ولا يرون من العدو واحداً فوضعوا أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له وقد وضع سلاحه حتى قطع الوادي والسماء ترش فحال الوادي بينه صلى الله عليه وسلم وبين أصحابه فجلس في ظل سمرة فبصر به غورث بن الحرث المحاربي فقال : قتلني الله تعالى إن لم أقتله وانحدر من الجبل ؛ ومعه السيف ولم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه ومعه السيف قد سله من غمده ، فقال : يا محمد من يعصمك مني الآن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الله عز وجل ، ثم قال : اللهم اكفني غورث بن الحرث بما شئت فانكب عدو الله تعالى لوجهه وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ سيفه فقال : يا غورث من يمنعك مني الآن ؟ فقال : لا أحد قال صلى الله عليه وسلم : أتشهد أن لا إله إلا الله وأني عبد الله ورسوله ؟ قال : لا ، ولكني أعهد إليك أن لا أقاتلك أبداً ولا أعين عليك عدواً فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم سيفه فقال له غورث : لأنت خير مني ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني أحق بذلك فرجع غورث إلى أصحابه فقالوا : يا غورث لقد رأيناك قائماً على رأسه بالسيف فما منعك منه ؟ قال : الله عز وجل أهويت له بالسيف لأضربه فما أدري من لزجني بين كتفي فخررت لوجهي وخر سيفي وسبقني إليه محمد عليه الصلاة والسلام فأخذه وأتم لهم القصة فآمن بعضهم ولم يلبث الوادي أن سكن ، فقطع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فأخبرهم الخبر وقرأ عليهم الآية .
{ إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين عَذَاباً مُّهِيناً } تعليل للأمر بأخذ الحذر أي أعدّ لهم عذاباً مذلاً وهو عذاب المغلوبية لكم ونصرتكم عليهم فاهتموا بأموركم ولا تهملوا مباشرة الأسباب كي يعذبهم بأيديكم ، وقيل : لما كان الأمر بالحذر من العدو موهماً لغلبته واعتزازه نفى ذلك الإيهام بالوعد بالنصر وخذلان العدو لتقوى قلوب المأمورين ويعلموا أن التحرز في نفسه عبادة كما أن النهي عن إلقاء النفس في التهلكة لذلك لا للمنع عن الإقدام على الحرب ، وقيل : لا يبعد أن يراد بالعذاب المهين شرع صلاة الخوف فيكون لختم الآية به مناسبة تامة ، ولا يخفى بعده .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ } أي الأعمال البدنية { فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مّنْهُمْ مَّعَكَ } وليفعلوا كما تفعل { وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ } من قوى الروح ويجمعوا حواسهم ليتأتى لهم المشابهة ، أو ليقفوا على ما في فعلك من الأسرار فلا تضلهم الوسائس { فَإِذَا سَجَدُواْ } وبلغوا الغاية في معرفة ما أقمته لهم وأتوا به على وجهه { فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَائِكُمْ } ذابين عنكم اعتراض الجاهلين ، أو قائمين بحوائجكم الضرورية { وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أخرى } منهم { لَمْ يُصَلُّواْ } بعد { فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ } وليفعلوا فعلك { وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ } كما أخذ الأولون أسلحتهم ، وإنما أمر هؤلاء بأخذ الحذر أيضاً حثاً لهم على مزيد الاحتياط لئلا يقصروا فيما يراد منهم اتكالاً على الأخذ بعد ممن أخذ أولاً من رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وحاصل هذا الإشارة إلى أن تعليم الشرائع والآداب للمريدين ينبغي أن يكون لطائفة طائفة منهم ليتمكن ذلك لديهم أتم تمكن ، وقيل : الطائفة الأولى إشارة إلى الخواص ، والثانية إلى العوام ولهذا اكتفى في الأول بالأمر بأخذ الأسلحة ، وفي الثاني أمر الحذر أيضاً { وَدَّ الذين كَفَرُواْ } وهم قوى النفس الأمارة { لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ } وهي قوى الروح { وَأَمْتِعَتِكُمْ } وهي المعارف الإلهية { فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَّيْلَةً واحدة } ويرمونكم بنبال الآفات والشكوك ويهلكونكم { وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى } بأن أصابكم شؤبوب { مّن مَّطَرٍ } يعني مطر سحائب التجليات { أَوْ كُنتُم مَّرْضَى } بحمى الوجد والغرام وعجزتم عن أعمال القوى الروحانية { أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ } وتتركوا أعمال تلك القوى حتى يتجلى ذلك السحاب وينقطع المطر وتهتز أرض قلوبكم بأزهار رحمة الله تعالى وتطفأ حمى الوجد بمياه القرب { وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ } عند وضع أسلحتكم واحفظوا قلوبكم من الالتفات إلى غير الله تعالى { إِنَّ الله أَعَدَّ للكافرين } من القوى النفسانية { عَذَاباً مُّهِيناً } [ النساء : 102 ] أي مذلاً لهم وذلك عند حفظ القلب وتنور الروح
قوله تعالى : ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) هذه صلاة الخوف يؤديها المسلمون في ساحة الجهاد إن كانوا يخشون العدو المتربص بهم والذين يتحيّن فيهم ساعة من غفلة أو انشغال . والعدو المتربص ماكر حاقد يودّ للإسلام أن يتهدّم أو يتداعى ويتمنّى للمسلمين سوء الحال من الهزيمة والدمار ؛ ولذلك شرع الله لعباده المؤمنين هذا الضرب من الصلاة ليكونوا على حذر وليفوتّوا على أعدائهم المتربصين أية فرصة ينفذون منها لمحاربتهم والقضاء عليهم .
وقد ورد في صلاة الخوف من حيث كيفيتها وصفتها روايات كثيرة نقتصر منها على ثلاث لتتضح من خلالها صورة وافية مستبينة عن هذه الصلاة .
الرواية الأولى : وهي عن الإمام أحمد فقد أخرج بإسناده ، عن أبي عياش الزرقي قال : كنا مع رسول الله ( ص ) بعسفان فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد بيننا وبين القبلة فصلّى بنا رسول الله ( ص ) الظهر فقالوا : لقد كانوا على حال لو أصبنا غرّتهم . ثم قالوا : يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم . فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر ( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) قال : فحضرت- يعني الصلاة- فأمرهم رسول الله ( ص ) فأخذوا السلاح قال : فصففنا خلفه صفين قال : ثم ركع فركعنا جميعا ، ثم سجد النبي ( ص ) بالصف الذي يليه والآخرون قيام يحرسونهم ، فلمّا سجدوا وقاموا جلس الآخرون فسجدوا في مكانهم ثم تقدّم هؤلاء إلى مصافّ هؤلاء ، ثم هؤلاء إلى مصاف هؤلاء ثم ركع فركعوا جميعا ثم رفع فرفعوا جميعا ثم سجد النبي ( ص ) والصف الذي يليه ، والآخرون قيام يحرسونهم ، فلما جلس الآخرون فسجدوا ثم سلّم عليهم ثم انصرف " .
الرواية الثانية : وهي عن الإمام أحمد أيضا بإسناده عن جابر بن عبد الله قال : قاتل رسول الله ( ص ) محارب حفصة رجل منهم يقال غرس بن الحرث حتى قام على رسول الله ( ص ) بالسيف فقال : من يمنعك مني ؟ ! " قال : الله فسقط السيف من يده فأخذه رسول الله ( ص ) فقال : من منعك مني ؟ قال : كن خير آخذ . قال " أتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله " قال : لا ولكن أعاهدك أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك فخلّى سبيله ، فقال : جئتكم من عند خير الناس . فلما حضرت الصلاة صلّى رسول الله ( ص ) صلاة الخوف فكان الناس طائفتين ، طائفة بإزاء العدوّ وطائفة صلّوا مع رسول الله ( ص ) فصلّى بالطائفة الذين معه ركعتين وانصرفوا ، فكانوا مكان الطائفة الذين بإزاء العدو ، ثم انصرف الذين كانوا بإزاء العدو مع رسول الله ( ص ) ركعتين فكان لرسول الله ( ص ) أربع ركعات وللقوم ركعتين ركعتين " .
الرواية الثالثة : وهي عن البخاري بإسناده عن عبد الله بن عباس ( رضي الله عنهما ) قال : قام النبي ( ص ) وقام الناس معه فكبّروا وكبّروا معه ، وركع وركع ناس منهم ، ثم سجد وسجدوا معه ثم قام للثانية فقام الذين سجدوا وحرسوا إخوانهم وأتت الطائفة الأخرى فركعوا وسجدوا معه والناس كلهم في الصلاة ولكن يحرس بعضهم بعضا .
هذه روايات ثلاث من أخرى كثيرة تتعلق كلها بصلاة الخوف وهي بأسانيد صحيحة وقوية . وما يبدو من اختلاف أو تعارض بين تلك الروايات لا يقلل من أهميتها أو اعتماد واحدة منها . والاختلاف أو التعارض- كما يبدو- قد جاء تبعا لاختلاف الظروف والمناسبات العسكرية التي كانت تمر بالمسلمين والنبي وهم في ساحة المعركة يواجهون العدو . وذلك كان يجعل النبي ( ص ) يصلّي بالمسلمين في الحرب على أكثر من هيئة ، فتارة صلّى بهم مجتمعين ، وصلّى بهم متفرقين تارة أخرى ، فضلا عن اختلاف الهيئة للصلاة نفسها حين الاجتماع أو حين التفريق . والمعلوم في ذلك أن النبي ( ص ) صلى بالمسلمين صلاة الخوف مرات عديدة تبعا لطبيعة المعركة ووجهة العدو . وبذلك فإن الاستناد إلى آية رواية لاعتمادها والركون إليها يعتبر صحيحا لما يعززها من دليل صحيح .
أما صلاة المغرب من حيث هيئتها وكيفيتها فإن الذي عليه الجمهور وهو أن يصلي الإمام بالفرقة الأولى من المسلمين ركعتين وبالثانية ركعة واحدة . وقيل غير ذلك .
وثمة مسألة تتعلق بصلاة الخوف حال الالتحام مع العدو في حرب طاحنة ضروس يصعب معها على المسلمين أن ينتظموا جميعا في صف واحد أو صفين . وفي هذه خلاف ، فقد ذهب مالك والشافعي وعامة أهل العلم إلى أن لكل مسلم- والحالة هذه- أن يصلي مثلما يستطيع ، سواء كان راكبا أو قائما أو قاعدا ، وهيئته في ذلك أن يوميء إيماء ، وسواء عليه كذلك أن يصلي مستقبل القبلة أو مستدبرها أو غير ذلك .
وإذا كان الخوف أشد من ذلك والمسلمون في ضراب شديد متلاحم لا مجال عنده للانثناء عن القتال ولو فترة تقام فيها الصلاة حتى ولا الإيماء إيماء ، إذا كان الخوف كذلك جاز للمسلمين أن يؤخروا الصلاة ريثما تهدأ المعركة وينطفي لهيبها ثم تؤدى الصلاة في أمن وطمأنينة{[825]} .
ومن أعظم ما نقف عليه هنا ونحن نتلو هذه الآية ، هذا الاعتبار العظيم للصلاة الذي لا يداننيه اعتبار وهذا التشديد البالغ على الالتزام بفريضة الصلاة لكي تؤدى في وقتها مهما تكن الظروف إلا أن يشتد التلاحم اشتدادا يستحيل معه الاصطياف للصلاة في جماعة أو حتى مجرد الصلاة انفرادا . وذلك تأكيد عظيم على أهمية الصلاة وخطورتها باعتبارها العماد الأساسي الذي ينبني عليه الدين كله .
ونقف كذلك على حقيقة أخرى تكشف عن طبيعة اليسر في هذا الدين . وهو دين يلائم الفطرة الإنسانية ، أفضل وأمثل ما تكون عليه الملاءمة من هوادة ومراعاة . وفي هذا من التيسير ودفع الحرج ما يكتب للإسلام دوام الصلوح والبقاء وما يجعله مناسبا لحياة الإنسان في مختلف جوانبه ومركّباته البدنية والنفسية والروحية .
على أن المخاطب في الآية هو النبي ( ص ) أولا ، ثم الولاة والأمراء من بعده إلى يوم القيامة وذلك الذي ذهب إليه أهل العلم جميعا إلا ما كان من شذوذ لا يعوّل عليه .
وقوله : ( وليأخذوا أسلحتهم ) المقصود بواو الجماعة موضع خلاف على ثلاثة أقوال :
الأول : هي الطائفة التي تواجه العدوّ وتحرس المسلمين .
الثاني : هي الطائفة نفسها التي تصلي مع الإمام ، فهي المطالبة بأخذ السلاح حال الصلاة وفي ذلك ترعيب للأعداء وتخويف .
الثالث : أن المقصود هم المحاربون جميعا سواء منهم المصلي أو القائم . فهم مقصودون بهذا النداء الرباني لكي يحملوا أسلحتهم وذلك أشد ترعيبا للعدو وتخويفا .
ذلك ما قيل عن المقصود بالواو في قوله : ( وليأخذوا ) لكن الذي يترجّح لديّ هو القول الأول استنادا إلى أن حمل المصلّي للسلاح لا ينطوي على كبيرة فائدة مادام ساكنا خاشعا لا يحارب . فإنه ليس من شأن المصلي غير التفرغ الكامل لأعمال الصلاة وأدائها في وعي وطمأنينة . وأي انفتال عنها يبطلها . وكذلك فإن سياق الكلام الذي يعرض لهذه المسألة يعزّز أن يكون القول الأول هو الصحيح . يتبين ذلك في جلاء من قوله تعالى : ( ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ) . ثم يأتي التأكيد لهذا المقصود في قوله تعالى : ( وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) .
قوله : ( ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ) يتمنى الأعداء غفلة المؤمنين عن أسلحتهم وأمتعتهم التي يقوون بها على المرابطة والجلاد لينقضّوا عليهم في هجمة حاسمة قاصمة ، تتبدد فيها شوكتهم وتذهب معها ريحهم . وذلك شأن المشركين الذين يشاقّون الله ورسوله ويودّون أن تحيق الهزيمة القاضية بالإسلام وأهله وأن يروا الدين وقد تحول إلى أثر بعد عين أو أنه استحال إلى ذكريات وخواطر تتضمنها الكتب والقراطيس . ولا جرم أن تذكرنا هذه الآية بما حل بالمسلمين من هزائم ونكسات ذاقوا بعدها البلاء والشدّة نتيجة للثقة الزائفة بقدرتهم الموهومة أو بقياداتهم الكاذبة المخادعة ، وكذلك نتيجة لركونهم للإهمال واللامبالاة حتى إذا كانوا في غمرة عارمة من اللهو والغفلة مال عليهم العدو ميلة واحدة فأنزل فيهم ضربة باترة موجعة تدمّر عليهم قواهم ومنجزاتهم ثم تجتاحهم اجتياحا لتغزوهم في عقر ديارهم وهم داخرون مقهورون .
قوله : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ) .
أكثر أهل العلم على أن حمل المصلّي للسلاح في ساحة الجهاد مندوب . فإذا قام المؤمن للصلاة أخذ سلاحه وذلك أفضل من الوجهة الدينية وقد حمل العلماء قوله تعالى : ( وليأخذوا أسلحتهم ) على الندب والاستحباب . وذهب أهل الظاهر والشافعي وغيرهم إلى وجوب حمل السلاح للمسلم حال الصلاة وذلك لظاهر الأمر في قوله تعالى : ( وليأخذوا ) على أن يكون ذلك حين الخوف فإن وجوب أخذ السلاح في ظاهر الآية مشروط بحصول الخوف من العدوّ فعلا . والراجح ما قاله أكثر أهل العلم وفيهم أبو حنيفة وهو أن أخذ السلاح للمصلي مندوب لحمل الأمر في الآية على الندب ؛ ولأن في دوام الحمل مشقة كبيرة وتعريضا للسلاح للتلف .
وفي قوله سبحانه : ( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر . . . ) نفي للبأس أو الحرج فيما وضعوا السلاح خشية التأذي من المطر أو كانوا مرضى فيشق عليهم حمله حين الصلاة على أن يكونوا على حذر دائم لا ينقطع ؛ كيلا يفجأهم العدو على غرّة . والآية تعاود التأكيد في تحضيض بالغ لكي يحذر المسلمون عدّوهم حذرا يمكنهم من دوام الحيطة والمراقبة وذلك في قوله تعالى : ( وخذوا حذركم ) .
ويأتي اختتام الآية في وعيد من الله لهؤلاء الخصوم الكفرة الذين قد أعد الله لهم سوء العذاب تكوى به جسومهم وهم يصارعون المرارة والهوان ، بعد أن يذيقهم بأس التقهقر وذلك الهزيمة في هذه الدنيا على أيدي المسلمين الصادقين المخلصين{[826]} .