روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا} (105)

{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق } أخرج غير واحد عن قتادة بن النعمان رضي الله تعالى عنه أنه قال : كان أهل بيت منا يقال لهم : بنو أبيرق بشر وبشير ومبشر ، وكان بشر رجلاً منافقاً يقول الشعر يهجو به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ينحله بعض العرب ، ويقول : قال فلان كذا ، وقال فلان كذا فإذا سمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الخبيث فقال :

أو كلما قال الرجال قصيدة *** أضموا( {[259]} ) فقالوا : ابن الأبيرق قالها

وكانوا أهل حاجة وفاقة في الجاهلية والإسلام وكان طعام الناس بالمدينة التمر والشعير وكان الرجل إذا كان له يسار فقدمت ضافطة من الشام من الدرمك( {[260]} ) ابتاع منها فخص بها نفسه فقدمت ضافطة فابتاع عمي رفاعة بن زيد حملاً من الدرمك فجعله في مشربة له وفي المشربة سلاح له درعان وسيفاهما وما يصلحهما فعدا عدي من تحت الليل فنقب المشربة وأخذ الطعام والسلام فلما أصبح أتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي تعلم أنه قد عدى علينا في ليلتنا هذه فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا فتحسسنا في الدار وسألنا فقيل لنا : قد رأينا بني أبيرق قد استوقدوا في هذه الليلة ولا نرى فيما نرى إلا على بعض طعامكم فقال بنو أبيرق : ونحن نسأل في الدار والله ما نرى صاحبكم إلا لبيد بن سهل رجلاً منا له صلاح وإسلام فلما سمع ذلك لبيد اخترط سيفه ثم أتى بني أبيرق ، وقال : أنا أسرق فوالله ليخالطنكم هذا السيف أو لتبينن هذه السرقة قالوا : إليك عنا أيها الرجل فوالله ما أنت بصاحبها فسألنا في الدار حتى لم نشك أنهم أصحابها ، فقال لي عمي : يا ابن أخي لو أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت له ذلك فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : يا رسول الله إن أهل بيت منا أهل جفاء عمدوا إلى عمي رفاعة فنقبوا مشربة له وأخذوا سلاحه وطعامه فليردوا علينا سلاحنا وأما الطعام فلا حاجة لنا فيه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : سأنظر في ذلك فلما سمع بنو أبيرق أتوا رجلاً منهم يقال له أسير بن عروة فكلموه في ذلك واجتمع إليه ناس من أهل الدار فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن قتادة بن النعمان وعمه عمدا إلى أهل بيت منا أهل إسلام وصلاح يرمونهم بالسرقة من غير بينة ولا ثبت قال قتادة : فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمته فقال : عمدت إلى أهل بيت ذكر منهم إسلام وصلاح ترميهم بالسرقة على غير بينة ولا ثبت فرجعت ولوددت أني خرجت من بعض مالي ولم أكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك فأتاني عمي رفاعة فقال : يا ابن أخي ما صنعت ؟ فأخبرته بما قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : الله تعالى المستعان فلم نلبث أن نزل القرآن { ان * أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } الخ فلما نزل أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسلاح فرده إلى رفاعة فلما أتيت عمي بالسلاح وكان شيخاً قد عسى في الجاهلية وكنت أرى إسلامه مدخولاً قال : يا ابن أخي هو في سبيل الله فعرفت أن إسلامه كان صحيحاً ثم لحق بشير بالمشركين فنزل على سلافة بنت سعد أنزل الله تعالى :

{ وَمَن يُشَاقِقِ الرسول } [ النساء : 115 ] الآية ، ثم إن حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه هجا سلافة فقال :

فقد أنزلته بنت سعد وأصبحت *** ينازعها جلد أستها وتنازعه

ظننتم بأن يخفى الذي قد صنعتم *** وفينا نبي عنده الوحي واضعه

فلما سمعت ذلك حملت رحله على رأسها فألقته بالأبطح فقالت : أهديت إلى شعر حسان ما كنت تأتيني بخير ، وأخرج ابن جرير عن السدي واختاره الطبري أن يهودياً استودع طعمة بن أبيرق درعاً فانطلق بها إلى داره فحفر لها اليهودي ودفنها فخالف إليها طعمة فاحتفر عنها فأخذها فلما جاء اليهودي يطلب درعه كافره عنها فانطلق إلى أناس من اليهود من عشيرته فقال : انطلقوا معى فإني أعرف موضع الدرع فلما علم به طعمة أخذ الدرع فألقاها في دار أبي مليك الأنصاري فلما جاءت اليهود تطلب الدرع فلم تقدر عليها وقع به طعمة وأناس من قومه فسبوه ، وقال طعمة : أتخونوني فانطلقوا يطلبونها في داره فأشرفوا على دار أبي مليك فإذا هم بالدرع فقال طعمة : أخذها أبو مليك وجادلت الأنصار دون طعمة ، وقال لهم : انطلقوا معي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا له : ينضح عني ويكذب حجة اليهود ، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فهمّ أن يفعل فأنزل الله تعالى الآية فلما فضح الله تعالى طعمة بالقرآن هرب حتى أتى مكة فكفر بعد إسلامه ونزل على الحجاج بن علاط السلمي فنقب بيته وأراد أن يسرقه فسمع الحجاج خشخشة في بيته وقعقعة جلود كانت عنده فنظر فإذا هو بطعمة فقال : ضيفي وابن عمي أردت أن تسرقني ؟ا فأخرجه فمات بحرة بني سليم كافراً وأنزل الله تعالى فيه { وَمَن يُشَاقِقِ } [ النساء : 115 ] الخ ، وعن عكرمة أن طعمة لما نزل فيه القرآن ولحق بقريش ورجع عن دينه وعدا على مشربة للحجاج سقط عليه حجر فلحج فلما أصبح أخرجوه من مكة فخرج فلقي ركباً من قضاعة فعرض لهم فقالوا : ابن سبيل منقطع به فحملوه حتى إذا جن عليه الليل عدا عليهم فسرقهم ثم انطلق فرجعوا في طلبه فأدركوه فقذفوه بالحجارة حتى مات ، وعن ابن زيد أنه بعد أن لحق بمكة نقب بيتاً يسرقه فهدمه الله تعالى عليه فقتله ، وقيل : إنه أخرج فركب سفينة إلى جدة فسرق فيها كيساً فيه دنانير فأخذ وألقى في البحر .

هذا وفي تأكيد الحكم إيذان بالاعتناء بشأنه كما أن في إسناد الإنزال إلى ضمير العظمة تعظيماً لأمر المسند ، وتقديم المفعول الغير الصريح للاهتمام والتشويق ، وقوله سبحانه : { بالحق } في موضع الحال أي إنا أنزلنا إليك القرآن متلبساً بالحق { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس } برهم وفاجرهم { بِمَا أَرَاكَ الله } أي بما عرفك وأوحى به إليك ، و ( ما ) موصولة والعائد محذوف وهو المفعول الأول لأرى وهي من رأى بمعنى عرف المتعدية لواحد وقد تعدت لاثنين بالهمزة ، وقيل : إنها من الرأي من قولهم : رأى الشافعي كذا وجعلها علمية يقتضي التعدي إلى ثلاثة مفاعيل وحذف اثنين منها أي بما أراكه الله تعالى حقاً وهو بعيد ، وإما جعلها من رأى البصرية مجازاً فلا حاجة إليه { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } وهم بنو أبيرق أو طعمة ومن يعينه ، أو هو ومن يسير بسيرته ، واللام للتعليل ، وقيل : بمعنى عن أي لا تكن لأجلهم أو عنهم { خَصِيماً } أي مخاصماً للبرآء ، والنهي معطوف على مقدر ينسحب عليه النظم الكريم كأنه قيل : إنا أنزلنا إليك الكتاب فاحكم به ولا تكن الخ ، وقيل : عطف على { أَنزَلْنَا } بتقدير قلنا ، وجوز عطفه على الكتاب لكونه منزلاً ولا يخفى أنه خلاف الظاهر جداً .

( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب } أي علم تفاصيل الصفات وأحكام تجلياتها { بالحق } متلبساً ذلك الكتاب بالصدق أو قائماً أنت بالحق لا بنفسك { لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس } خواصهم وعوامهم { بِمَا أَرَاكَ الله } أي بما علمك الله سبحانه من الحكمة { وَلاَ تَكُنْ لّلْخَائِنِينَ } الذين لم يؤدوا أمانة الله تعالى التي أودعت عندهم في الأزل مما ذكر في استعدادهم من إمكان طاعته وامتثال أمره

{ خَصِيماً } [ النساء : 105 ] تدفع عنهم العقاب وتسلط الخلق عليهم بالذل والهوان ، أو تقول لله تعالى : يا رب لم خذلتهم وقهرتهم فإنهم ظالمون ، ولله تعالى الحجة البالغة عليهم .


[259]:- أضم –كفرح- غضب اهـ منه.
[260]:- الدرمك –كجعفر- دقيق الحواري اهـ منه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{إِنَّآ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِتَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِمَآ أَرَىٰكَ ٱللَّهُۚ وَلَا تَكُن لِّلۡخَآئِنِينَ خَصِيمٗا} (105)

قوله تعالى : ( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما ولا تجادل عن الدين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ) .

يخاطب الله نبيه محمدا ( ص ) في هذه الآيات بما تتضمن من تقويم وتأنيب وتحذير ، وهي معان يتدفق من مجموعها الإعجاز لهذا الكتاب الحكيم الذي ما يكون له أن يصدر عن بشر بهذا الأسلوب في الخطاب .

وقد أنزل الله الكتاب على النبي بالحق . ويعني ذلك أنه هو نفسه الحق المبين الذي لا يعتريه باطل على الدوام ولا يأتيه كذلك باطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ لأنه حق بإطلاق . وهو كذلك قد جاء من طريق حق لا زيف فيه ولا تخويف ، وهو طريق الوحي الذي يتنزّل على النبيّين والمرسلين ليبلغهم أمانة السماء للبشر . وهي أمانة كلها حق وتتناول في مضمونها ودخائلها صورة وافية شاملة للحق في أصالتها ومعناه وفي جوهره ومبناه . وأخيرا قد تنزل هذا الكتاب الكريم من أجل الحق كيما يتجلّى ويظهر ومن أجل أن يستقيم الناس في عامة أمورهم وأحوالهم ومعايشهم فتكون على الحق ومن أجل أن يتبدد الباطل فتغيب عن وجه الأرض سحائبه القاتمة العبوس ويستقر مكانه الحق على تعدد ضروبه من تشريع وقوّة وخلق ومودة وتعاون .

والسبب في نزول هذه الآيات كان غاية في الروعة التي يحققها الإسلام بعقيدته وتشريعه الذي يوجب العدل مهما تكن الظروف في غير ما ميل ، ولو كان صاحب الحق صعلوكا أو عبدا أو يهوديا أو نصرانيا وكان الخصم عظيما أو حاكما أو ذا فضل أو قرابة .

وسبب النزول تحكيه لنا كتب السنة لنعلم أي قمة في العدل والاستقامة تبلغها كلمة الإسلام عندما يتحقق في الأرض تنفيذا وتطبيقا . وخلاصة ما رواه الترمذي في صحيحه وابن جرير الطبري في تفسيره بإسناد عن محمد بن مسلمة الحرّاني أنه قد رفع إلى النبي ( ص ) أمر بني أبيرق وكانوا ثلاثة أخوة : بشر وبشير ومبشّر ، ومعهم أسير بن عروة وهو ابن عم لهم نقبوا مشربة ( غرفة ) لرفاعة بن زيد في الليل وسرقوا أدراعا له وطعاما فعثر على ذلك . وقيل : السارق بشير وحده اخذ درعا قيل إنه كان في جراب فيه دقيق فكان الدقيق ينتثر من خرق في الجراب حتى انتهى إلى داره فجاء ابن أبي رفاعة واسمه قتادة يشكوه إلى النبي ( ص ) فجاء أسير بن عروة إلى النبي ( ص ) فقال : يا رسول الله إن هؤلاء عمدوا إلى أهل بيت هم أهل صلاح ودين فأنبوهم بالسرقة ورموهم بها من غير بيّنة وجعل يجادل عنهم حتى غضب رسول الله ( ص ) على قتادة ورفاعة فأنزل الله تعالى : ( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) وأنزل الله تعالى : ( ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به بريئا ) وكان البريء الذي رموه بالسرقة لبيد بن سهل وهو يهودي . وقيل عن بشير أنه كان رجلا منافقا يهجو أصحاب النبي ( ص ) ويقول فيهم الشعر ثم ينحله لبعض العرب ثم يقول : قال فلان كذا وكذا . فإذا سمع أصحاب النبي ( ص ) ذلك الشعر قالوا : والله ما يقول هذا الشعر إلا هذا الرجل الخبيث ، وهم يعنون بذلك بشيرا . وفي رواية أخرى لابن عباس أن سارق الدرع هو طعمة بن أبيرق وأنه هو الذي ألقاها في بيت رجل بريء .

وهذه القصة تدل على رائعة من روائع الإسلام . وهي رائعة العدل المطلق في سائر الأحوال والمقتضيات ومهما تكن الظروف . وهو عدل حقيقي مطلق قد مارسه المسلمون إباّن سلطانهم الغابر وهم يحكمون البشرية بما أنزل الله . أو وهم يسوسون الناس بكلمة الله التي لا تعرف الميل أو المحاباة أو الحيف والجنوح .

إن العدل الذي يفرضه الإسلام ويوجب تحقيق في الأرض لهو القمّة في الاستقامة والنصفة بما لا قبل للبشرية والأجيال به ! ذلك أن العدل الذي ينبثق عن الإسلام إنما ينبثق عن العقدية الراسخة الضاربة في أغوار النفس من الإنسان ، وهي عقيدة تقوم على الحق والعدل بإطلاق لا يعرف القيود فلا غرو بعد ذلك أن تبلغ العقيدة بالإنسان صورة سامقة فذة لا تعرف الحدود{[827]} .

وهذه آيات تسع قد قررت إرادة الله القدير تنزيلها تبرئة لإنسان متهم بعد أن حاق به ظلم افتراه منافق . وفوق ذلك قد ليم النبي الكريم ( ص ) على نحو من التأنيب الشديد . وتلك غاية في كمال العدول وروعة العقيدة والخلق نتخيلهما ونحن نتلو ذلك التأنيب الرباني المخوف يتنزل على قلب النبي الكريم وشخصه إنقاذا ليهودي مظلوم . بعدله وفضله ؛ إذ يفرض العدل والحق في واقع البشر ، في كل الأحوال ومهما تكن الظروف . ويستوي أمام عدل الإسلام الناس كافة سواء كانوا مسلمين أو يهوديا أو نصارى لا جرم أن يكون في مثل هذا النموذج المذهل ما يزجي بقاطع من البرهان على أن هذا الكتاب منزل من عند الله سبحانه وإنه لمن العبث واللغط في هذيان أن يفتري على هذا الكتاب بأنه من وضع بشر .

آيات تسع نقرأها كلما مررنا بسورة النساء وكلما أردنا التلاوة في شوق وتحنّث لندرك روعة الإسلام وهو يزن الأمور بقسطاس العدل في غاية الموضوعية البحتة التي لا تميل مع الهوى ولا تجنح – تحت ضاغط العاطفة- لأي من اعتبارات القرابة أو الصحبة أو الصهرية ولا تخضع لأي لون من ألوان التعصب للوطن أو القومية أو الدين وقاعدة الإسلام في ذلك أن الحق أحق أن يُتّبع .

قوله : ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) قد خوطب النبي في تكليف من ربه أن يحكم بين الناس على نحو ما أراه الله ، وذلك يحتمل أحد المعنيين التاليين أو كليهما معا . وهما النص المنزل الذي يقوم على الوحي ، أو النظر المشدود للنص ، فهو بذلك أساسه الوحي الذي لا يخطئ ولا يزل . وما يراه النبي عليه السلام في المعنيين يعتبر صحيحا يجب الأخذ به ، والأصل في ذلك العصمة المقدورة للنبيين وهي تخويل لهم من الله أن يحكموا بين العباد بموجبها ليأتي حكمهم صائبا على الدوام تمشيا مع قوله تعالى : ( وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) .

قوله : ( ولا تكن للخائنين خصيما ) ينهى الله نبيه محمدا ( ص ) أن يخاصم عن الخائنين وهم بنو أبيرق الذين قارفوا السرقة ثم افتروا على اليهودي ظلما وعدوانا . والخصام معناه الجدال . فالخصيم عن الخائنين هو الذي يجادل عنهم مدافعا وذلك ما ورد فيه النهي ؛ لأنه ظلم لا يرضى عنه الإسلام ولا يقرّه بأية حال لما فيه من ميل عن الحق والعدل وجنوح للهوى والخطأ .

وفي ذلك تذكير لنا بعدم الدفاع عن أهل الباطل أو النفاق فلا تأخذنا في ذلك لومة لائم وذلك ما يفرضه الإسلام وهو ألصق بالصواب والحق وأبعد عن الظلم والمحاباة والباطل .

وثمة إدراك جيّد للعلماء في حقيقة توجيه الخطاب للنبي ( ص ) ، فقد قيل : إن المراد من ذلك ليس النبي بالذات ، ولكن المراد هم ضعاف الإيمان من المسلمين الذين انطلقوا يدافعون عن هؤلاء الخونة الذين خانوا الله ورسوله ؛ إذ اجترحوا السرقة ثم رموا بها اليهودي البريء . ويعزّز هذا الفهم قوله تعالى : ( ها آنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا ) {[828]} .


[827]:- تفسير ابن كثير جـ 1 ص 551 وتفسير الطبري جـ 5 ص 170- 172- وأسباب النزول للنيسابوري ص 120.
[828]:- تفسير القرطبي جـ 5 ص 376 والكشاف جـ 1 ص 561 والنسفي جـ 1 ص 249 والرازي جـ 11 ص 34.