{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } اللغو في اليمين الساقط الذي لا يتعلق به حكم وهو عندنا أن يحلف على أمر مضى يظنه كذلك فإن علمه على خلافه فاليمين غموس ، وروي ذلك عن مجاهد . وعند الشافعي رحمه الله تعالى ما يسبق إليه اللسان من غير نية اليمين وهو المروى عن أبي جعفر وأبي عبد الله وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، والأدلة على المذهبين مبسوطة في الفروع والأصول وقد تقدم شطر من الكلام على ذلك ، و { فِى أيمانكم } إما متعلق باللغو فإنه يقال لغا في يمينه لغواً وإما بمحذوف وقع حالاً منه أي كائناً أو واقعاً في أيمانكم ؛ وجوز أن يكون متعلقاً بيؤاخذكم ، وقيل عليه : إنه لا يظهر ربطه بالمؤاخذة إلا أن يجعل في للعلة كما في «إن امرأة دخلت النار في هرة » { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا * تَنقُضُواْ الايمان } أي بتعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية فما مصدرية ، وقيل : إنها موصولة والعائد محذوف أي بما عقدتم الأيمان عليه . ورجح الأول بأن الكلام في مقابلة اللغو وبأنه خال عن مؤنة التقدير ، وقال بعضهم : إن ذلك التقدير في غير محله لأن شرط حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً وما هنا ليس كذلك فليتدبر ؛ والمعنى : ولكن يؤاخذكم بنكث ما عقدتم أو لكن يؤاخذكم بما عقدتموها إذا حنثتم وحذف ذلك للعلم به ، والمراد بالمؤاخذة المؤاخذة في الدنيا وهي الإثم والكفارة فلا إشكال في تقدير الظرف ، وتعقيد الأيمان شامل للغموس عند الشافعية وفيه كفارة عندهم وأما عندنا فلا كفارة ولا حنث .
وقرأ حمزة والكسائي وابن عياش عن عاصم { عَقَّدتُّمُ } بالتخفيف ، وابن عامر برواية ابن ذكوان { *عاقدتم } والمفاعلة فيها لأصل الفعل وكذا قراءة التشديد لأن القراءات يفسر بعضها بعضاً ، وقيل : إن ذلك فيها للمبالغة باعتبار أن العقد باللسان والقلب لا أن ذلك للتكرار اللساني كما توهم . والآية كما أخرج ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نزلت حين نهى القوم عما صنعوا فقالوا يا رسول الله كيف نصنع بأيماننا التي حلفنا عليها ؟ ، وروي عن ابن زيد أنها نزلت في عبد الله بن رواحة كان عنده ضيف فأخرت زوجته عشاءه فحلف لا يأكل من الطعام وحلفت المرأة لا تأكل إن لم يأكل وحلف الضيف لا يأكل إن لم يأكلا فأكل عبد الله بن رواحة وأكلا معه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال عليه الصلاة والسلام له : أحسنت ونزلت .
{ الايمان فَكَفَّارَتُهُ } الضمير عائد إما على الحنث المفهوم من السياق أو على العقد الذي في ضمن الفعل بتقدير مضاف أي فكفارة نكثه أو على ما الموصولة بذلك التقدير ، وأما عوده على الأيمان لأنه مفرد كالأنعام عند سيبويه أو مؤول بمفرد فكما ترى ، والمراد بالكفارة المعنى المصدري وهي الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة وتسترها ، والمراد بالستر المحو لأن الممحو لا يرى كالمستور وبهذا وجه تأنيثها ، وذكر عصام الدين أن فعالاً يستوي فيه المذكر والمؤنث إلا أن ما يستوي فيه ذلك كفعيل إذا حذف موصوفه يؤنث للمؤنث كمررت بقتيلة بني فلان ولا يقال بقتيل للالتباس ، وذكر أن التاء يحتمل أن تكون للنقل وأن تكون للمبالغة انتهى .
ويدل على أنها بالمعنى المصدري الإخبار عنها بقوله تعالى : { إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين } واستدل الشافعية بظاهر الآية على جواز التكفير بالمال قبل الحنث سواء كان الحنث معصية أم لا ، وتقييد ذلك كما فعل الرافعي بما إذا لم يكن معصية غير معول عليه عندهم ، ووجه الاستدلال بذلك على ما ذكر أنه سبحانه جعل الكفارة عقب اليمين من غير ذكر الحنث وقال عز شأنه : { ذلك كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ } وقيدوا ذلك بالمال ليخرج التكفير بالصوم فإنه لا يكون إلا بعد الحنث عندهم لأنه عند العجز عن غيره والعجز لا يتحقق بدون حنث ، وقد قاسوا ذلك أيضاً على تقديم الزكاة على الحول ، واستدلوا أيضاً بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة رضي / الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين ورأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير » ونحن نقول : إن الآية تضمنت إيجاب الكفارة عند الحنث وهي غير واجبة قبله فثبت أن المراد بما عقدتم الأيمان وحنثتم فيها ، وقد اتفقوا على أن معنى قوله سبحانه : { فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ } [ البقرة : 184 ] افطر فعدة من أيام أخر فكذا هذا . والحديث الذي استدلوا به لا يصلح للاستدلال لأنه بعد تسليم دلالة الفاء الجزائية على التعقيب من غير تراخ يقال : إن الواقع في حيزها مجموع التكفير والإيتاء ولا دلالة على الترتيب بينهما ألا ترى أن قوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ إِذَا نُودِىَ للصلاة مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ } [ الجمعة : 9 ] لا يقتضي تقديم السعي على ترك البيع بالاتفاق ، وأيضاً جاء في رواية «فليأت الذي هو خير ثم ليكفر عن يمينه » . ونقل بعضهم عن الشافعية أنهم يجمعون بين الروايتين بأن إحداهما لبيان الجواز والأخرى لبيان الوجوب ، وقال عصام الدين : إن تقديم الكفارة تارة وتأخيرها أخرى يدل على أن التقديم والتأخير سيان اه .
وأنت تعلم أن الشافعية كالحنفية في أنهم يقدرون في الآية ما أشرنا إليه قبل في تفسيرها إلا أن ذلك عندهم قيد للوجوب وإلا فالاستدلال بالآية في غاية الخفاء كما لا يخفى فتدبر .
و { إِطْعَامُ } مصدر مضاف لمفعوله وهو مقدر بحرف وفعل مبني للفاعل وفاعل المصدر يحذف كثيراً ، ولا ضرورة تدعو إلى تقدير الفعل مبنياً للمفعول لأنه مع كونه خلاف الأصل في تقديره خلاف ذكره السمين فالتقدير هنا فكفارته أن يطعم الحانث أو الحالف عشرة مساكين { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } أي من أقصده في النوع أو المقدار ، وهو عند الشافعية مد لكل مسكين وعندنا نصف صاع من بر أو صاع من شعير .
وأخرج ابن حميد وغيره عن ابن عمر أن الأوسط الخبز والتمر والخبز والزيت والخبز والسمن ، والأفضل نحو الخبز واللحم . وعن ابن سيرين قال : كانوا يقولون الأفضل الخبز واللحم والأوسط الخبز والسمن والأخس الخبز والتمر . ومحل الجار والمجرور النصب لأنه صفة مفعول ثان للإطعام لأنه ينصب مفعولين وأولهما هنا ما أضيف إليه ، والتقدير طعاماً أو قوتاً كائناً من أوسط ، وقيل : إنه صفة مصدر محذوف أي إطعاماً كائناً من ذلك ؛ وجوز أن يكون محله الرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي طعامهم من أوسط أو على أنه صفة لإطعام أو على أنه بدل من إطعام .
واعترض هذا بأن أقسام البدل لا تتصور هنا . وأجيب بأنه بدل اشتمال بتقدير موصوف وذلك على مذهب ابن الحاجب وصاحب «اللباب » . ومتابعيهما ظاهر لأنهم يكتفون بملابسة بين البدل والمبدل منه بغير الجزئية والكلية ، وأما على مذهب الجمهور فلأنهم يشترطون اشتمال التابع على المتبوع لا كاشتمال الظرف على المظروف بل من حيث كونه دالاً عليه إجمالاً ومتقاضياً له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر الأول متشوقة إلى ذكر الثاني فيجاء بالثاني ملخصاً لما أجمله الأول ومبيناً له ، ويعدون من هذا القبيل قولهم : نظرت إلى القمر فلكه كما صرح به ركن الدين في «شرح اللباب » . ولا يخفى أن إطعام عشرة مساكين دال على الطعام إجمالاً ومتقاض له بوجه . واختار بعض المحققين أنه بدل كل من كل بتقدير إطعام من أوسط نحو أعجبني قرى الأضياف قراهم من أحسن ما وجد ، وما إما مصدرية وإما موصولة اسمية والعائد محذوف أي من أوسط الذي تطعمونه .
وجوز أبو البقاء تقديره مجروراً بمن أي تطعمون منه ، ونظر فيه السمين بأن من شرط العائد المحذوف المجرور بالحرف أن يكون مجروراً بمثل ما جربه الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً والحرفان هنا وإن اتفقا من وجه إلا أن المتعلق مختلف لأن من الثانية متعلقة بتطعمون والأولى ليست متعلقة بذلك . ثم قال : فإن قلت الموصول غير مجرور بمن وإنما هو مجرور بالإضافة . فالجواب أن المضاف إلى الموصول كالموصول في ذلك اه . وقد قدمنا آنفاً نحو هذا النظر ، وأجاب بعضهم عن ذلك بأن الحذف تدريجي ولا يخفى أن فيه تطويلاً للمسافة .
والأهلون جمع أهل على خلاف القياس كأرض وأرضون إذ شرط هذا الجمع أن يكون علماً أو صفة وأهل اسم جامد ، قيل : والذي سوغه أنه استعمل كثيراً بمعنى مستحق فأشبه الصفة . وروي عن جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قرأ { *أهاليكم } بسكون الياء على لغة من يسكنها في الحالات الثلاث كالألف وهو أيضاً جمع أهل على خلاف القياس كليال في جمع ليلة . وقال ابن جني : واحدهما ليلاة وأهلاة وهو محتمل كما قيل لأن يكون مراده أن لهما مفرداً مقدراً هو ما ذكر ولأن يكون مراده أن لهما مفرداً محققاً مسموعاً من العرب هو ذاك ، وقيل : إن أهال جمع أهلون وليس بشيء .
{ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ } عطف كما قال أبو البقاء على إطعام واستظهره غير واحد ، واختار الزمخشري أنه عطف على محل { مِنْ أَوْسَطِ } ووجهه فيما نسب إليه بأن { مِنْ أَوْسَطِ } بدل من الإطعام والبدل هو المقصود ولذلك كان المبدل منه في حكم المنحى فكأنه قيل : فكفارته من أوسط ما تطعمون . ووجه صاحب «التقريب » عدوله عن الظاهر بأن الكسوة اسم لنحو الثوب لا مصدراً ، فقد قال الراغب : الكساء والكسوة اللباس فلا يليق عطفه على المصدر السابق مع أن كليهما فيما يتعلق بالمساكين ، وبأنه يؤدي إلى ترك ذكر كيفية الكسوة وهو كونها أوسط ، ثم قال : ويمكن أن يجاب عن الأول بأن الكسوة إما مصدر كما يشعر به كلام الزجاج أو يضمر مصدر كالإلباس ، وعن الثاني بأن يقدر أو كسوتهم من أوسط ما تكسون وحذف ذلك لقرينة ذكره في المعطوف عليه أو بأن تترك على إطلاقها إما بإرادة إطلاقها أو بإحالة بيانها على الغير ، وأيضاً العطف على محل { مِنْ أَوْسَطِ } لا يفيد هذا المقصود وهو تقدير الأوسط في الكسوة فالإلزام مشترك ويؤدي إلى صحة إقامته مقام المعطوف عليه وهو غير سديد اه .
واعترض بعض المحققين على ما نسب إلى الزمخشري أيضاً بأن العطف على البدل يستدعي كون المعطوف بدلاً أيضاً وإبدال الكسوة من { إِطْعَامُ } لا يكون إلا غلطاً لعدم المناسبة بينهما أصلاً وبدل الغلط لا يقع في الفصيح فضلاً عن أفصح الأفصح . ومنع عدم الوقوع مما لا يلتفت إليه ، وجعل غير واحد هذا العطف من باب
: علفتها تبناً وماءاً بارداً *** كأنه قيل إطعام هو أوسط ما تطعمون أو إلباس هو كسوتهم على معنى إطعام هو إطعام الأوسط وإلباس هو إلباس الكسوة وفيه إيهام وتفسير في الموضعين . واعترض بأن العطف على هذا يكون على المبدل منه لا البدل ، وأجيب بأن المراد أنه بالنظر إلى ظاهر اللفظ عطف على البدل وهو كما ترى ، واعترض الشهاب على دعوى أن الداعي للزمخشري عن العدول إلى الظاهر إلى اختيار العطف على محل { مِنْ أَوْسَطِ } تحصيل التناسب بين نوعي الكفارة المتعلقة بالمساكين بأنه كيف يتأتى ذلك وقد جعل العطف على { مِنْ أَوْسَطِ } على تقدير بدليته وهو على ذلك التقدير صفة إطعام مقدر انتهى .
وقد علمت أن هذا رأي لبعضهم . وبالجملة فيما ذهب إليه الزمخشري دغدغة حتى قال العلم العراقي : إنه غلط والصواب العطف على { إِطْعَامُ } ، وقال الحلبي : ما ذكره الزمخشري إنما يتمشى على وجه وهو أن يكون { مِنْ أَوْسَطِ } خبراً لمبتدأ محذوف يدل عليه ما قبله تقديره طعامهم من أوسط فالكلام تام على هذا عند قوله سبحانه : { عَشَرَةِ مساكين } ثم ابتدأ أخباراً آخر بأن الطعام يكون أوسط كذا . وأما إذ قلنا إن { مِنْ أَوْسَطِ } هو المفعول الثاني فيستحيل عطف { كِسْوَتُهُمْ } عليه لتخالفهما إعراباً انتهى .
ثم المراد بالكسوة ما يستر عامة البدن على ما روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه وأبي يوسف فلا يجزي عندهما السراويل لأن لابسه يسمى عرياناً في العرف لكن ما لا يجزئه عن الكسوة يجزئه عن الإطعام باعتبار القيمة ، وفي اشتراط النية حينئذٍ روايتان . وظاهر الرواية الإجزاء نوى أو لم ينو . وروي أيضاً أنه إن أعطى السراويل المرأة لا يجوز وإن أعطى الرجل يجوز لأن المعتبر رد العري بقدر ما تجوز به الصلاة وذلك ما به يحصل ستر العورة والزائد تفضل للتجمل أو نحوه فلا يجب في الكسوة كالإدام في الطعام والمروي عن محمد أن ما تجوز فيه الصلاة يجزىء مطلقاً . والصحيح المعول عليه عندنا هو الأول ، ويشترط أن يكون ذلك مما يصلح للأوساط وينتفع به فوق ثلاثة أشهر ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كانت العباءة تجزىء يومئذٍ ، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه يجزىء قميص أو رداء أو كساء ، وعن الحسن أنها ثوبان أبيضان . وروى الإمامية عن الصادق رضي الله تعالى عنه أنها ثوبان لكل مسكين ويجزىء ثوب واحد عند الضرورة واشترط أصحابنا في المسكين أن يكون مراهقاً فما فوقه فلا يجزىء غير المراهق على ما ذكره الحصكفي نقلاً عن «البدائع » في كفارة الظهار ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في آية كفارة الظهار أن المراد من الإطعام التمكين من الطعم وتحقيق الكلام في ذلك على أتم وجه . وقرىء { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } بضم الكاف وهو لغة قدوة في قدروة وأسوة في أسوة . وقرأ سعيد بن المسيب واليماني { أَوْ } بكاف الجر الداخلة على أسوة وهي كما قال الراغب الحال التي يكون الإنسان عليها في اتباع غيره إن حسناً وإن قبيحاً . والهمزة كما قال غير واحد : بدل من واو لأنه من المواساة . والجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف والتقدير أو طعامهم كأسوة أهليكم ، وقال السعد : الكاف زائدة أي أو طعامهم أسوة أهليكم ، وقيل : الأولى أن يكون التقدير طعام كأسوتهم على الوصف فهو عطف أيضاً على { مساكين مِنْ أَوْسَطِ } وعلى هذه القراءة يكون التخيير بين الإطعام والتحرير في قوله تعالى : { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } فقط وتكون الكسوة ثابتة بالسنة .
وزعم أبو حيان أن الآية تنفي الكسوة وليس بشيء ، وقال أبو البقاء : المعنى مثل أسوة أهليكم في الكسوة فلا تكون الآية عارية عن الكسوة وفيه نظر إذ ليس في الكلام ما يدل على ذلك التقدير .
والمراد بتحرير رقبة إعتاق إنسان كيف ما كان . وشرط الشافعي عليه الرحمة فيه الإيمان حملاً للمطلق هنا على المقيد في كفارة القتل . وعندنا لا يحمل لاختلاف السبب . واستدل بعض الشافعية على ذلك بأن «الكفارة حق الله تعالى وحق الله سبحانه لا يجوز صرفه إلى عدو الله عز اسمه كالزكاة . ونحن نقول : المنصوص عليه تحرير رقبة وقد تحقق . والقصد بالإعتاق أن يتمكن المعتق من الطاعة بخلوصه عن خدمة المولى ثم مقارفته المعصية وبقاؤه على الكفر يحال به إلى سوء اختياره » . واعترض بأن لقائل أن يقول : نعم مقارفته المعصية يحال به إلى ما ذكر لكن لم لا يكون تصور ذلك منه مانعاً عن الصرف إليه كما في الزكاة ؟ وأجيب بأن القياس جواز صرف الزكاة إليه أيضاً لأن فيه مواساة عبيد الله تعالى أيضاً لكن قوله صلى الله عليه وسلم : " خذها من أغنيائهم وردها إلى فقرائهم " أخرجهم عن المصرف .
وقد ذكر بعض أصحابنا ضابطاً لما يجوز إعتاقه في الكفارة وما لا يجوز فقال : متى أعتق رقبة كاملة الرق في ملكه مقروناً بنية الكفارة وجنس ما يبتغي من المنافع فيها قائم بلا بدلا جاز وإن لم يكن كذلك فإنه لا يجوز وهل يجوز عتق الأصم أم لا ؟ قولان ، وفي «الهداية » ، «ويجوز الأصم والقياس أن لا يجوز وهو رواية «النوادر » لأن الفائت جنس المنفعة إلا ( أنا ) استحسنا الجواز لأن أصل المنفعة باق فإنه إذا صيح عليه يسمع حتى لو كان بحال لا يسمع أصلاً بأن ولد أصم وهو الأخرس لا يجزئه » انتهى .
ومعنى أو إيجاب إحدى الخصال الثلاث مطلقاً وتخيير المكلف في التعيين ونسب إلى بعض المعتزلة أن الواجب الجمع ويسقط واحد . وقيل : الواجب متعين عند الله تعالى وهو ما يفعله المكلف فيختلف بالنسبة إلى المكلفين . وقيل : إن الواجب واحد معين لا يختلف لكن يسقط به وبالآخر . وتفاوتها قدراً وثواباً لا ينافي التخيير المفوض تفاوته إلى الهمم وقصد زيادة الثواب فإن الكسوة أعظم من الإطعام والتحرير أعظم منهما . وبدأ سبحانه بالإطعام تسهيلاً على العباد . وذكر غير واحد من أصحابنا أن المكلف لو أدى الكل جملة أو مرتباً ولم ينو إلا بعد تمامها وقع عنها واحد هو أعلاها قيمة ولو ترك الكل عوقب بواحد هو أدناها قيمة لسقوط الفرض بالأدنى .
{ فَمَن لَّمْ يَجِدْ } أي شيئاً من الأمور المذكورة { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } أي فكفارته ذلك . ويشترط الولاء عندنا ويبطل بالحيض بخلاف كفارة الفطر . وإلى اشتراط الولاء ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد وقتادة والنخعي . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : لما نزلت آية الكفارات قال حذيفة : يا رسول الله نحن بالخيار فقال صلى الله عليه وسلم : " أنت بالخيار إن شئت أعتقت وإن شئت كسوت وإن شئت أطعمت فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام متتابعات " . وأخرج ابن أبي شيبة وابن حميد وابن جرير وابن أبي داود في «المصاحف » . وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي عن أبي بن كعب أنه كان يقرأ ( فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) . وأخرج غالب هؤلاء عن ابن مسعود أنه كان يقرأ أيضاً كذلك ، وقال سفيان : نظرت في مصحف الربيع فرأيت فيه ( فمن لم يجد من ذلك شيئاً فصيام ثلاثة أيام متتابعات ) وبمجموع ذلك يثبت اشتراط التتابع على أتم وجه ، وجوز الشافعي رحمه الله تعالى التفريق ولا يرى الشواذ حجة ، ولعل غير ذلك لم يثبت عنده واعتبر عدم الوجدان والعجز عما ذكر عندنا وقت الأداء حتى لو وهب ماله وسلمه ثم صام ثم رجع بهبته أجزأه الصوم كما في «المجتبى » ، ونسب إلى الشافعي رضي الله تعالى عنه اعتبار العجز عند الحنث . ويشترط استمرار العجز إلى الفراغ من الصوم فلو صام المعسر يومين ثم قبل فراغه ولو بساعة أيسر ولو بموت ورثه موسراً لا يجوز له الصوم ويستأنف بالمال . ولو صام ناسياً له لم يجز على الصحيح ، واختلف في الواجد فأخرج أبو الشيخ عن قتادة قال : إذا كان عنده خمسون درهماً فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام وإن كان عنده أقل فهو ممن لا يجد ويصوم . وأخرج عن النخعي قال : إذا كان عنده عشرون درهماً فعليه أن يطعم في الكفارة ، ونقل أبو حيان عن الشافعي وأحمد ومالك أن من كان عنده فضل عن قوته وقوت من تلزمه نفقته يومه وليلته وعن كسوته بقدر ما يطعم أو يكسو فهو واحد ، وعن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه إذا لم يكن عنده نصاب فهو غير واجد .
{ ذلك } أي الذي مضى ذكره { كَفَّارَةُ أيمانكم إِذَا حَلَفْتُمْ } أي وحنثتم وقد مر تفصيل ذلك . و { إِذَا } على ما قال السمين لمجرد الظرفية وليس فيها معنى الشرط ، وجوز أن تكون شرطية ويكون جوابها محذوفاً عند البصريين ، والتقدير إذا حلفتم وحنثتم فذلك كفارة أيمانكم . ويدل على ذلك ما تقدم أو هو ما تقدم عند الكوفيين والخلاف بين الفريقين مشهور { واحفظوا أيمانكم } أي راعوها لكي تؤدوا الكفارة عنها إذا حنثتم أو احفظوا أنفسكم من الحنث فيها وإن لم يكن الحنث معصية أو لا تبذلوها وأقلوا منها كما يشعر به قوله تعالى :
{ وَلاَ تَجْعَلُواْ الله عُرْضَةً لايمانكم } [ البقرة : 224 ] وعليه قول الشاعر
: قليل الألايا حافظ ليمينه *** إذا بدرت منه الألية برت
أو احفظوها ولا تنسوا كيف حلفتم تهاوناً بها وصحح الشهاب الأول . واعترض الثاني بأنه لا معنى له لأنه غير منهي عن الحنث إذا لم يكن الفعل معصية ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «فليأت الذي هو خير وليكفر » وقال سبحانه : { فَرَضَ الله لَكُمْ تَحِلَّةَ أيمانكم } [ التحريم : 2 ] فثبت أن الحنث غير منهي عنه إذا لم يكن معصية فلا يجوز أن يكون { فِى أيمانكم } نهياً عن الحنث ، والثالث بأنه ساقط واه لأنه كيف يكون الأمر بحفظ اليمين نهياً عن اليمين وهل هو إلا كقولك : احفظ المال بمعنى لا تكسبه ، وأما البيت فلا شاهد فيه لأن معنى حافظ ليمينه أنه مراع لها بأداء الكفارة ولو كان معناه ما ذكر لكان مكرراً مع ما قبله أعني قليل الألايا . واعترض الرابع بأنه بعيد فتدبر { كذلك } أي ذلك البيان البديع { يُبَيّنُ الله لَكُمْ آياته } أعلام شريعته وأحكامه لا بياناً أدنى منه ، وتقديم { لَكُمْ } على المفعول الصريح لما مر مراراً . { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } نعمة التعليم أو نعمه الواجب شكرها .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ الله باللغو فِى أيمانكم } وهو الحلف لملالة النفس وكلالة القوى وغلبة سلطان الهوى ، وعدوا من اللغو في اليمين الإقسام على الله تعالى بحماله وجلاله سبحانه عند غلبة الشوق ووجدان الذوق أن يرزقه شيئاً من إقباله عز وجل ووصاله فإن ذلك لغو في شريعة الرضا ومذهب التسليم . والذي يقتضيه ذلك ما أشير إليه بقوله
: أريد وصاله ويريد هجري *** فاترك ما أريد لما يريد
لكن لا يؤاخذ الله تعالى عليه الحالف لعلمه بضعف حاله . وعدوا من ذلك أيضاً ما يجري على لسان السالكين في غلبة الوجد من تجديد العهد وتأكيد العقد كقول بعضهم
: وحقك لا نظرت إلى سواكا *** بعين مودة حتى أراكا
فإن ذلك ينافي التوحيد وهل في الدار ديار كلا بل هو الله الواحد القهار { ولكن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الايمان } وذلك إذا عزمتم على الهجران وتعرضتم للخذلان عن صميم الفؤاد { فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مساكين } وهي على ما قال البعض الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وهم القلب والسر والروح والخفي ، وطعامهم الشوق والمحبة والصدق والإخلاص والتفويض والتسليم والرضا والأنس والهيبة والشهود والكشوف والأوسط الذكر والفكر والشوق والتوكل والتعبد والخوف والرجاء ، وإطعام الحواس ذلك أن يشغلها به { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } لباس التقوى { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } وهي رقبة النفس فيحررها من عبودية الحرص والهوى { فَمَن لَّمْ يَجِدْ } ولم يستطع { فَصِيَامُ ثلاثة أَيَّامٍ } [ المائدة : 89 ] فيمسك في اليوم الأول عما عزم عليه وفي اليوم الثاني عما لا يعنيه وفي اليوم الثالث عن العود إليه ، وقيل كنى سبحانه بصيام ثلاثة أيام عن التوبة والاستقامة عليها ما دامت الدنيا ، فقد قيل : الدنيا ثلاثة أيام : يوم مضى ويوم أنت فيه ويوم لا تدري ما الله سبحانه قاض فيه
قوله تعالى : { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تشكرون } .
روي عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في القوم الذين حرموا طيبات المطاعم والملابس والمناكح على أنفسهم وحلفوا على ذلك ، فلما نزلت { لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } قالوا : كيف نصنع بأيماننا ؟ فنزلت هذه الآية{[1043]} .
تتضمن هذه الآية أحكام اليمين . وهي في اللغة بمعنى القوة . ومنه قوله تعالى { لأخذنا منه باليمين } أي بالقوة واليمين مفرد . وجمعه أيمن بالضم وأيمان . واليمين في الشرع : عقد يتقوى به عزم الحالف على الفعل أو الترك{[1044]} ويتبين من الآية أن ضروب اليمين ثلاثة هي : يمين اللغو ، واليمين الغموس ، واليمين المنعقدة . ونعرض لكل واحد من هذه الضروب بإيجاز فإن التفصيل في مظانه من كتب الفقه .
اللغو ، أو اللغا ، بوزن الفتى ، هو السقط وما لا يعتد به من كلام وغيره . والمراد به هنا ما يجري في العادة على لسان الحالف من قسم لا يريده ولا يقصد معناه ولم تنعقد عليه النية . كما لو قال : لا والله . أو بلى والله .
وتبين الآية أنه لا إثم على المرء في يمين اللغو . وهو ما يبدر منه بغير قصد كقول الرجل : لا والله . بلى والله . وهو قول الشافعية . قالت السيدة عائشة في ذلك : أيمان اللغو ما كان المراء والمزاحة والهزل ، وروى الموطأ عنها أنها قالت : لغو اليمين قول الإنسان : لا والله . وبلى والله .
أما الحنفية فقالوا : يمين اللغو هي اليمين الكاذبة خطأ أو غلطا في الماضي أو في الحال ، سواء في الإثبات أو النفي . وذلك كأن يقول الرجل : والله ما كلمت فلانا ، وهو يظن أنه لم يكلمه وقد كلمه . أو يقول : والله لقد كلمت فلانا وهو يظن أنه كلمه لكنه في الحقيقة لم يكلمه . أو حلف أن هذا القادم فلان أو أن هذا الطائر غراب وهو يظن أنه كذلك ثم تبين أنه خلاف ما ظن . ومثل هذه الأيمان لغو . وهو مذهب الإمام مالك في المقصود باللغو . فقد ذكر عنه قوله : اللغو في اليمين أن يحلف على الشيء يظن أنه كذلك . كقوله : والله لقد لقيت فلانا أمس ، وذلك يقينه . وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده فلا شيء عليه في ذلك لكونه لغوا ، واستدلوا لذلك بالآية { لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان } فقد قابل يمين اللغو باليمين المقصودة وفرق بينهما في المؤاخذة وفي نفيها . ومقتضى ذلك أن تكون يمين اللغو غير اليمين المعقودة تحقيقا للمقابلة{[1045]} .
هي اليمين الكاذبة قصدا في الماضي والحال نفيا أو إثباتا . كقوله : والله ما فعلت كذا ، وهو يعلم أنه فعله . أو يقول : والله لقد فعلت كذا ، وهو يعلم أنه لم يفعله .
وسميت يمين الغموس بهذا الإسم ، لأنها تغمس صاحبها في الإثم أو النار . فهي بذلك فاجرة وضرب من ضروب الزور ، أو الازوار ، أي العدول والانحراف عن الحق والصدق . وبذلك فإن اليمين الغموس واحدة من أكبر الكبائر التي حذر منها الدين وشدد عليها النكير وندد بها تنديدا .
فقد أخرج الترمذي عن عبد الله بن أنيس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أكبر الكبائر : الإشراك بالله وعقوق الوالدين واليمين الغموس . والذي نفسي بيده لا يحلف رجل على مثل جناح بعوضة إلا كانت كيا في قلبه يوم القيامة " وأخرج البيهقي عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع " .
وأضاف الإمام مالك إلى يمين الغموس ما لو حلف وهو غير متيقن مما حلف عليه . وذلك كأن يقول : والله ما لقيت فلانا أمس ، وهو لا يقين له في ذلك . أو لا يعرف حين الحلف أنه لقيه أمس أو لم يلقه . ثم تبين له بعد ذلك أنه خلاف ما أقسم عليه . فإن ذلك كمن حلف عامدا للكذب . وعليه أن يستغفر الله ، لأن هذه اليمين أعظم من أن يكون لها كفارة{[1046]} .
أما الكفارة في اليمين الغموس ففي وجوبها قولان :
أحدهما : عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول أكثر أهل العلم . وقد ذهب إلى ذلك الحنفية والمالكية والحنابلة وأصحاب الحديث وغيرهم من الصحابة والتابعين . واستدلوا لذلك من النصوص ما فيه وعيد للحالفين الكاذبين بأن مصيرهم إلى النار . كقوله تعالى : { إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الآخرة } وقوله صلى الله عليه وسلم : " من حلف على يمين وهو فيها فاجر ليقتطع بها مالا لقي الله وهو عليه غضبان " يستدل من ذلك أن موجب اليمين الغموس العذاب في الآخرة ، فمن أوجب الكفارة فقد زاد على النص وهو لا يجوز .
واستدلوا من المعقول أيضا بأن اليمين الغموس من الكبائر التي لا تمحوها الكفارة ، لأنها أكبر من أن تكفرها كفارة ولا يمحوها غير التوبة والندامة والاستغفار{[1047]} .
القول الثاني : وجوب الكفارة في اليمين الغموس . وهو قول الشافعية وآخرين وهو مذهب أهل الظاهر . والدليل على وجوب الكفارة في الغموس من المعقول إذ قال الإمام الشافعي : إن اليمين الغموس معتبرة يمينا منعقدة وهي مندرجة فيها . والله سبحانه وتعالى يقول في وجوب الكفارة في الأيمان المنعقدة : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين } وهذا يعم الماضي والمستقبل . وتعلق الإثم لا يمنع وجوب الكفارة ، كما أن الظهار منكر من القول وزور وتتعلق به الكفارة . وأجيب عن الاحتجاج بكفارة الظهار بأنها لا تجب بنفس الظهار ، بل بالعودة إلى الوطء بعد الحلف بالظهار . والراجح قول جمهور أهل العلم وهو عدم وجوب الكفارة في الغموس لما ذكره من دليل . ويضاف إلى ذلك الاستدلال بقوله صلى الله عليه وسلم : " خمس من الكبائر لا كفارة فيهن " وعد منها اليمين الفاجرة . وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " خمس ليس فيهن كفارة : الشرك بالله . وقتل النفس بغير حق ، وبهت المؤمن ، والفرار من الزحف ، ويمين صابرة يقتطع بها مالا بغير حق " {[1048]} .
هي اليمين على شيء في المستقبل نفيا أو إثباتا . وكيفيتها أن يعقد الحالف قلبه على شيء مع قصد اليمين فإذا حلف وجب في حقه كفارة . وذلك كأن يقول : والله لأفعلن كذا وكذا . أو يقول : والله لا أفعل كذا وكذا . فمثل هذه اليمين قد قصدها الحالف وانعقد قلبه فلزمته بذلك كفارة عن يمينه إذا حنث ، أو قبل الحنث ، على الخلاف .
قال الماوردي في هذا : للكفارة ثلاث حالات : أحدهما قبل الحلف فلا تجزئ اتفاقا . ثانيها : بعد الحلف فتجزئ اتفاقا . ثالثها بعد الحلف وقبل الحنث ففيها الخلاف{[1049]} .
على أن الكفارة من أجل الحنث في اليمين المعقودة واجبة استنادا إلى قوله تعالى : { ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } .
بما عقدتم الأيمان ، أي بسبب تعقيدكم الأيمان وتوثيقها بالقصد والنية . فتكون ما هنا مصدرية ، لأن الكلام هنا في مقابلة اللغو ، إذ ليس فيه قصد أو تعقيد للنية .
ويستدل كذلك من السنة بما أخرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " يا عبد الرحمن بن سمرة إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك " .
وكذلك ما أخرجه الشيخان عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها " وفي لفظ " إلا كفرت عن يميني وفعلت الذي هو خير " وفي لفظ " إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني " وذلك يدل على وجوب الكفارة بسبب الحنث في اليمين المنعقدة على أمر في المستقبل .
أما هل يجوز التكفير قبل الحنث فثمة قولان :
الأول : جواز التكفير قبل الحنث . وهو مذهب الجمهور . واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم : " إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير " وهذا يدل على جواز التكفير قبل الحنث . واستثنى الإمام الشافعي الصيام في التكفير قبل الحنث . ومع ذلك فهم يذهبون إلى أن التكفير بعد الحنث أفضل من التكفير قبله .
القول الثاني : عدم جواز التفكير قبل الحنث . وهو قول الحنفية . واستدلوا بظاهر الآية { ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم } والمراد : إذا حلفتم فحنثتم . ورد ذلك بأن المقصود : إذا حلفتم فأردتم الحنث{[1050]} .
الكفارة من الكفر – بالفتح – بمعنى الستر والتغطية . سمي الليل المظلم كافرا ، لأنه يستر بظلامه كل شيء . وسمي الكافر بهذا الاسم ، لأنه يستر نعمة الله أي يجحدها . ويطلق الكافر على الزارع ، لأنه يغطي البذر بالتراب . والكفار يراد بهم الزراع . قال الله سبحانه : { كمثل غيث أعجب الكفار } .
والكفارة في الشرع تعني الفعلة التي من شأنها أن تكفر الخطيئة . أي تسترها{[1051]} .
على أن أصناف الكفارة لليمين أربعة هي : الإطعام والإعتاق ثم الصيام بعد ذلك .
والحالف إذا حنث بيمينه كان له الخيار بين الإطعام والكساء والإعتاق . فواحد من هذه الخيارات يجزئ في التكفير عن الحنث في اليمين فإذا لم يستطع أن يكفر بواحد من هذه الخيارات كان له أن يصوم أياما ثلاثة . ويستفاد ذلك من قوله في الآية { أو } فإنها تفيد التخيير بين أن يطعم أو يكسو أو يعتق رقبة . قال ابن عباس في معنى { أو : ما في كتاب الله { أو } فهو مخير فيه . على أنه لا يجوز للحانث أن يكفر بالصيام إلا بعد العجز عن الخيارات الثلاثة الأولى . وذلك لقوله : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } .
قوله : { إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم } ويشترط في المساكين الذين يطعمون تحقق أربعة شروط وهي : الحاجة والحرية والإسلام وأن يكونوا من الأباعد .
أما الحاجة فهي أن يكون المسكين فقيرا معوزا محتاجا للصدقة ونحوها .
وأما الحرية فهي أن يكون المساكين أحرارا ، فلا تجزي الكفارة في العبيد ، لأن في دفعها لهم مظنة الدفع لمالكيهم .
وأما الإسلام فهو شرط آخذ الكفارة . فلا يجزي أداؤها غير المسلمين وإن كانوا فقراء ، وإنما تضطلع الدولة الإسلامية بإعطاء غير المسلمين ما يكفيهم من بيت المال من غير الزكاة ولا الكفارات . وهو مذهب الجمهور . خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز دفعها لهم استنادا إلى عموم الآية ، ولأن المسكين غير المسلم معتبر من أهل دار الإسلام فهو في ذلك كالمسلم .
وأما اشتراط البعد ، وهو أن يكون الآخذون من الأباعد غير المنفق عليهم وجوبا وهم الأصول والفروع والزوجات فهؤلاء لا يعطون من كفارة اليمين . قال الشافعي في هذا الصدد : ويعطي الكفارات والزكاة كل من لا تلزمه نفقته من قرابته وهم من عدا الوالد والزوجة . وإن كان ينفق عليهم متطوعا أعطاهم . وهو قول أكثر العلماء{[1052]} .
أما مقدار ما يعطاه الواحد من المساكين العشرة فقد تبين في الآية مجملا غير مفصل وهو قوله تعالى : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فموضع الاستدلال هنا قوله : { من أوسط ما تطعمون أهليكم } فقد اختلفت كلمة العلماء في مقدار الطعام . فقد قيل : يجزي في الخبز والتمر ، أو الخبز والزيت ، أو الخبز والسمن . أو الخبز واللحم . وقيل : أفضل الإطعام الخبز واللحم . وأوسطه الخبز والسمن وأخسه الخبز والتمر .
وجملة القول في ذلك أن يغذي كل مسكين من العشرة أو يعشيه فيقدم له من الطعام من أوسط ما يطعمه المرء أهله . والأوسط هو الأقصد في النوع أو المقدار .
وهو عند الشافعية والمالكية والحنبلية وآخرين مد من حنطة لكل مسكين . وإن كان أهل البلد يقتاتون صنفا من الطعام وهو لهم عرف ، أجزأ صرف الكفارة منه ، وذلك كأن يكون قوتهم الذرة أو الأرز أو التمر أو الزبيب . أما عند الحنفية فمقدار الكفارة نصف صاع من حنطة أو دقيق أو صاع من شعير أو تمر .
وأما إعطاء القيمة عن مقدار الكفارة فلا يجوز عند جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية ، خلافا للحنفية ، إذ قالوا بجواز إعطاء القيمة عن الكفارة{[1053]} .
ويشترط تمام العدد لصحة الكفارة بالإطعام ، وهو عشرة مساكين . وهو قول الشافعية والمالكية وآخرين . فقد ذهبوا إلى أنه لا يجزي في التكفير إلا إطعام عشرة . قال الشافعي في الأم : ليس له إذا كفر بإطعام أن يطعم أقل من عشرة . وإن أطعم تسعة وكسا واحدا كان عليه أن يطعم عشرا أو يكسو تسعة . واحتجوا بظاهر الآية { إطعام عشرة مساكين . . . أو كسوتهم } وبذلك لا يجوز للمكفر أن يردد على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد عشرة أيام ، بخلاف الحنفية قالوا : يجوز له أن يردد الكفارة على مسكين واحد في عشرة أيام ، لكنه لا يجوز له أن يدفعها له في يوم واحد . وهي رواية على أحمد{[1054]} .
الكساء أو الكسوة مستفاد من قوله تعالى : { أو كسوتهم } عطف على إطعام . وهذا الصنف الثاني من أصناف الكفارة من أجل الحنث . واختلف العلماء في تقديره الكسوة المجزئة التي يؤديها المكفر للمستحق بشروطه من الفقر والحرية والإسلام والبعد وهو ما بيناه في الإطعام . فقد ذهبت الحنفية والمالكية والحنبلية وآخرون إلى تقدير الكسوة في كفارة اليمين بما يجزئ للصلاة وهو ما كان ساترا للعورة . فإن كان السكين رجلا أجزأ من الكسوة في حقه ثوب ساتر تصح به الصلاة . وإن كانت امرأة أجزأ في حقها خمار ودرع وهما يستران عورتها فتصح بهما الصلاة . أما ما كان دون ذلك من الكسوة مما لا تصح به الصلاة فلا يجوز التكفير به سواء في حق الرجل أو المرأة .
وعند الشافعية يجزئ من الكسوة كل ما وقع عليه اسم كسوة كما لو كان عمامة أو سراويل أو إزار أو مقنعة أو غير ذلك للرجل أو للمرأة ، استنادا إلى عموم النص { أو كسوتهم } فكل ما وقع عليه اسم كساء سمي كسوة حتى لو منديلا أو نعلا أو منطقة{[1055]} .
وهذا واحد من خصال الكفارة الثلاث . ويراد به تحرير رقبة استنادا إلى قوله سبحانه : { أو تحرير رقبة } ويراد بالتحرير هنا الإخراج من الرق . ويشترط في الرقبة المحررة جملة شروط هي : الإيمان . فلا يجزئ إعتاق غير المؤمنة من الرقاب ، وهو قول مالك والشافعي ، خلافا لمذهب الحنفية إذ لم يشترطوا الإيمان لجواز الإعتاق . وحجتهم في ذلك إطلاق الرقبة في الآية . وبذلك فأيما رقبة تجزئ من أجل التكفير للحنث .
وشرط ثان وهو الكبر . وهو أن يتجاوز المعتوق سن الطفولة إلى السن التي يقدر عندها أن يصلي ويصوم . أي السن التي يكون معها مكلفا فتصح منه العبادة . وهو قول الحنبلية ، خلافا للحنفية والشافعية إذ لم يشترطوا الكبر ، فيجزئ عندهم إعتاق الصغير والكبير .
وشرط ثالث ، وهو السلامة من العيوب ، فلا يجزئ إعتاق من كان معيبا كمقطوع اليد والرجل أو المجنون أو الأعمى أو الأبكم أو الأصم{[1056]} .
ولا ينبغي أن نسهب أكثر من هذه العجالة في مسألة الرقيق . فهي مسألة قد مضت وانقضت . ومع ذلك ما فتئت أقلام مريبة تنبري للنيل من كرامة الإسلام بالطعن والتجريح ، خصوصا من أجل هذه المسألة . وهي أقلام متجنية وغاشمة تجتهد في اختلاق الأباطيل عن الإسلام لتزهد فيه البشرية أو تتردد في الإقبال عليه . مع أن المسألة ظاهرة وبينة لكل ذي قلب سليم ولكل ذي طبع غير ذي عوج . فكثيرا ما بينا أن ظاهرة الرقيق كانت واحدة من الظواهر العادية والمقبولة التي قررتها الأعراف والقوانين والمجتمعات عبر تاريخها الطويل كله . فما من شريعة ولا نظام ولا قانون ولا عرف إلا وقد أقر ظاهرة الرق إقرارا يعبر عن قناعة البشرية في كل الأزمان والأجيال من غير خلاف في ذلك ولا استنكاف . سواء في ذلك الساسة والقادة والممفكرون والمشرعون والفلاسفة . وكذا الديانتان اليهودية والمسيحية . كل أولئك قد أقروا نظام الرقيق دون غرابة أو تردد . حتى جاء الإسلام ، فما كان من المعقول أن يقضي على هذا النظام جملة واحدة بجرة قلم . أو بنص من النصوص ، لأن نظام الرقيق كان الأساس الركين من أسس المجتمع على امتداد التاريخ . بل هو الأساس الأكبر للبناء النفسي والاجتماعي والاقتصادي لكل المجتمعات الغابرة . فكان هذا النظام بذلك متأصلا مستشريا في أعماق المجتمعات السابقة . وشأن الإسلام في معالجة هذه القضية أن يحرم أسباب الاسترقاق كالظلم والاستبداد واسترقاق الدائن للمدين المعوز لعجزه عن أداء الدين . وغير ذلك من وجوه التعسف التي تبرر للظالمين أن يستعبدوا الأحرار .
وطريقة الإسلام في التحرير واضحة ومؤثرة . وهي تسهم إسهاما عظيما في تحرير العبيد ، كالتحريض على الإعتاق تكفيرا للخطايا ، أو الإعتاق من غير سبب ابتغاء مرضاة الله . لا جرم أن الإسلام فاق عامة النظم والقوانين والشرائع والأعراف التي عرفتها البشرية في معالجة هذه الظاهرة من أجل تحرير العبيد خلافا لما سبق الإسلام من ديانات ودساتير وقوانين وشرائع قد مردت على ترسيخ هذا النظام ( الرق ) وتقريره . فلا مجال بعد ذلك لجهول زنديق أن يجترئ على الإسلام بمقالة سوء وباطل . فإنه لا يجتزئ على الإسلام بطعن أو غمز إلا خراص أو خصيم مضطغن مغرض .
هل يجوز إعطاء قيمة الكفارة للمساكين كأن تكون من الدراهم أو الدنانير بدلا من الطعام أو الكسوة أو الرقبة ؟ ثمة خلاف بين العلماء في ذلك . فقد ذهب جمهور الشافعية والمالكية والحنبلية وأهل الظاهر إلى عدم جواز التكفير بالقيمة . وهو قول كثير من السلف من الصحابة والتابعين واحتجوا بظاهر الآية ، إذ يتعين فيها الإطعام والكساء والعتق . وذهبت الحنفية وآخرون إلى جواز التكفير بالقيمة . ووجه ذلك أن المقصود بالكفارة دفع حاجة المسكين ويتحقق ذلك بدفع القيمة له{[1057]} .
إذا لم يكن في المقدور التكفير بواحد من الخصال الثلاث جاز التكفير بالصيام ثلاثة أيام . وذلك مقتضى قوله تعالى : { فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام } أي من لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام أو الكسوة أو العتق ، كفر بالصوم ، على الخلاف في التتابع . فقد ذهب فريق من أهل العلم إلى اشتراط التتابع في صوم الكفارة . وهو مروي عن علي وعطاء ومجاهد . وقالت به الحنفية والحنبلية وآخرون . وحجتهم في ذلك قراءة ابن مسعود " فصيام ثلاثة أيام متتابعات " وقياسا على الصوم في كفارة الظهار .
وذهبت الشافعية والمالكية إلى عدم اشتراط الولاء ( التتابع ) في صوم الكفارة للحنث ، استنادا إلى مطلق النص ، وإلى القياس على قضاء الصيام من رمضان للمعذورين لقوله تعالى : { فعدة من أيام أخر } فلم يشترط فيها التتابع . والراجح عدم التتابع ، وذلك لضعف الاحتجاج بقراءة ابن مسعود فهي منسوخة من حيث التلاوة والحكم{[1058]} .
وقوله : { ذلك كفرة أيمانكم إذا حلفتم } ذلك إشارة إلى ما تقدم ذكره من الطعام والكسوة وتحرير الرقبة . أي ذلك المذكور كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثهم ، لأن الكفارة لا تجب بمجرد الحلف .
قوله : { واحفظوا أيمنكم } أي راعوها بالمبادرة إلى ما لزمكم من الكفارة إذا حنثتم . وقيل : احفظوا أنفسكم بترك الحلف كيلا تتوجه عليكم هذه التكليفات . وقيل : المراد ، قللوا الأيمان ولا تكثروا منها .
قوله : { كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تشكرون } أي مثل ذلك البيان يوضح الله لكم أعلام دينه وأحكام شريعته لتشكروه على هدايته إياكم وتوفيقه لكم وما أسبغ عليكم من نعمة التعليم والتبيين وغيره من النعم{[1059]} .