روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (94)

{ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } قال الكلبي : أي أظهره واجهر به يقال : صدع بالحجة إذا تكلم بها جهاراً ، ومن ذلك قيل للفجر صديع( {[517]} ) لظهوره .

وجوز أن يكون أمراً من صدع الزجاجة وهو تفريق أجزائها أي افرق بين الحق والباطل ، وأصله على ما قيل الإبانة والتمييز ، والباء على الأول صلة وعلى الثاني سببية ، و { مَا } جوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي تؤمر به فحذف الجار فتعدى الفعل إلى الضمير فصار تؤمره ثم حذف ، ولعل القائل بذلك لم يعتبر حذفه مجروراً لفقد شرط حذفه بناءً على أنه يشترط في حذف العائد المجرور أن يكون مجروراً بمثل ما جر به الموصول لفظاً ومعنى ومتعلقاً ، وقيل : التقدير فاصدع بما تؤمر بالصدع به فحذفت الباء الثانية ثم الثالثة ثم لام التعريف ثم المضاف ثم الهاء ، وهو تكلف لا داعي له ويكاد يورث الصداع ، والمراد بما يؤمر به الشرائع مطلقاً ، وقول مجاهد : كما أخرجه عنه ابن أبي حاتم إن المعنى اجهر بالقرآن في الصلاة يقتضي بظاهره التخصيص ولا داعي له أيضاً كما لا يخفى ، وأظهر منه في ذلك ما روي عن ابن زيد أن المراد { بِمَا تُؤْمَرُ } القرآن الذي أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن يبلغهم إياه ، وأن تكون مصدرية أي فاصدع بمأموريتك وهو الذي عناه الزمخشري بقوله : أي بأمرك مصدر من المبني للمفعول ، وتعقبه أبو حيان بأنه مبني على مذهب من يجوز أن يراد بالمصدر أن والفعل المبني للمفعول والصحيح أن ذلك لا يجوز . ورد بأن الاختلاف في المصدر الصريح هل يجوز انحلاله إلى حرف مصدري وفعل مجهول أم لا إما أن الفعل المجهول هل يوصل به حرف مصدري فليس محل النزاع ، فإن كان اعتراضه على الزمخشري في تفسيره بالأمر وأنه كان ينبغي أن يقول بالمأمورية فشيء آخر سهل ، ثم لا يخفى ما في الآية من الجزالة ، وقال أبو عبيدة : عن رؤبة ما في القرآن منها ، ويحكى أن بعض العرب سمع قارئاً يقرأها فسجد فقيل له في ذلك فقال : سجدت لبلاغة هذا الكلام ، ولم يزل صلى الله عليه وسلم مستخفياً كما روي عن عبد الله بن مسعود قبل نزول ذلك فلما نزلت خرج هو وأصحابه عليه الصلاة والسلام { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبال بهم فليست الآية منسوخة ، وقيل : هي من آيات المهادنة التي نسختها آية السيف ، وأخرج ذلك ابن أبي حاتم . وأبو داود في ناسخه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما .


[517]:- كما في قوله "كأن بياض غرته صديع" اهـ منه.
 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (94)

قوله تعالى : { فاصدع بما تؤمر } ، قال ابن عباس : أظهره . ويروى عنه : أمضه . وقال الضحاك : أعلم . وقال الأخفش : افرق ، أي : افرق بالقرآن بين الحق والباطل . وقال سيبويه : اقض بما تؤمر ، وأصل الصدع : الفصل ، والفرق : أمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بإظهار الدعوة . وروي عن عبد الله بن عبيده قال كان مستخفيا حتى نزلت هذه الآية فخرج هو وأصحابه . { وأعرض عن المشركين } ، نسختها آية القتال .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{فَٱصۡدَعۡ بِمَا تُؤۡمَرُ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡمُشۡرِكِينَ} (94)

قوله تعالى : ( فاصدع بما تؤمر واعرض عن المشركين ( 94 ) إنا كفيناك المستهزئين ( 95 ) الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون ( 96 ) } ( فاصدع ) ، من الصدع وهو الشق . وتصدع القوم : إذ انشقوا أو تفرقوا ، وصدع بالحق : تكلم به جهارا ، والمراد هنا : أظهر دينك ، أو فرق بين الحق والباطل بإظهار ما تؤمر به . وما ، في قوله : ( بما ) تحتمل وجهين . احدهما : أن تكون ما ، اسما موصولا بمعنى الذي . والتقدير : فاصدع بالذي تؤمر به . وثانيهما : أن تكون ما ، مصدرية . والتقدير : فاصدع بالأمر{[2486]} .

وذلك أمر من الله لنبيه ( ص ) بتبليغ رسالته للناس جهارا دون استخفاء ؛ فقد قالوا : ما زال النبي ( ص ) مستخفيا حتى نزلت هذه الآية التي يأمر الله فيها بإبلاغ ما بعثه الله به والصدع به مجاهرة وظهورا . ويقتضي ذلك مواجهة المشركين علانية بالقرآن وما فيه للناس من رسالة التوحيد وإخلاص العبودية لله دون سواه ، وما حمله أيضا من شرائع وأحكام تسوق البشرية إلى النجاة والسلامة والخير في الدنيا والآخرة .

قوله : ( واعرض عن المشركين ) أي بلغ قومك ما أرسلت به إليهم ، ولا تلتفت إلى المشركين الذين يصدون عن دين الله ، واكفف عن قتالهم وحربهم . ثم نسخ ذلك بآيات القتال كقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) .


[2486]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 73.