{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } قال قتادة . ومجاهد : نزلت فيما كان من تحالف الجاهلية في أمر بمعروف أو نهي عن منكر ، وأخرج ابن جرير . وابن أبي حاتم عن مزيدة بن جابر أنها نزلت في بيعة النبي صلى الله عليه وسلم كان من أسلم بايع على الإسلام ، وظاهره أنها في البيعة على الإسلام مطلقاً ، فالمراد بعهد الله تعالى البيعة كما نص عليه غير واحد . واعترض بأن الظاهر أنه عام في كل موثق وهو الذي يقتضيه كلام ميمون بن مهران ، وسبب النزول ليس من المخصصات ، ولذا قالوا : الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وأجيب بأن قرينة التخصيص قوله تعالى فيما قبل : { الذين كَفَرُواْ } [ النحل : 88 ] الآية ، وفيه نظر ، وقال الأصم : المراد به الجهاد وما فرض في الأموال من حق ولا يلائمه قوله تعالى : { إِذَا عاهدتم } وقيل : المراد به النذر ، وقيل : اليمين وتعقب ذلك الإمام بأنه حينئذ يكون قوله تعالى :
{ وَلاَ تَنقُضُواْ الايمان بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } تكراراً لأن الوفاء بالعهد والمنع من النقض متقاربان لأن الأمر بالفعل يستلزم النهي عن الترك ، وإذا حمل العهد على العموم بحيث دخل تحته اليمين كان هذا من باب تخصيص بعض الأفراد بالذكر للاعتناء به وبعض من فسر العهد بالبيعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمل الأيمان على ما وقع عند تلك البيعة ، وجوز بعضهم حملها على مطلق الأيمان .
وفي «الحواشي السعدية » أن الظاهر أن المراد بها الأشياء المحلوف عليها كما في قوله عليه الصلاة والسلام : " من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه " لأنه لو كان المراد ذكر اسم الله تعالى كان عين التأكيد لا المؤكد فلم يكن محل ذكر العطف كما تقرر في المعاني ورد بأن المراد بها العقد لا المحلوف عليه لأن النقض إنما يلائم العقد ولا ينافي ذلك قوله تعالى : { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } لأن المراد كون العقد مؤكداً بذكر الله تعالى لاب ذكر غيره كما يفعله العامة الجهلة فالمعنى أن ذلك النهي لما ذكر لا عن نقض الحلف بغير الله تعالى وقال الواحدي : إن قوله سبحانه : { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } لإخراج لغو اليمين نحو لا والله بلى والله بناء على أن المعنى بعد توكيدها بالعزم والعقد ولغو اليمين ليست كذلك . ثم إذا حمل الأيمان على مطلقها فهو كما قال الإمام عام دخله التخصيص بالحديث السابق الدال على أنه متى كان الصلاح في نقض اليمين جاز نقضها . وتعقب بأن فيه تأملاً لأن الحظر لو لم يكن باقياً لما احتيج إلى الكفارة الساترة للذنب . وأجيب بأن وجوب الكفارة بطريق الزجر إذ أصل الايمان الانعقاد ولو محظورة فلا ينافي لزوم موجبها ، وجوز أن يقال : إن ذلك للإقدام على الحلف بالله تعالى في غير محله فليتأمل ، والتوكيد التوثيق ، ومنه أكد بقلب الواو همزة على ما ذهب إليه الزجاج وغيره ، من النحاة ، وذهب آخرون إلى أن وكد وأكد لغتان أصليتان لأن الاستعمالين في المادة متساويان فلا يحن القول بأن الواو بدل من الهمزة كما في «الدر المصون » وهو الذي اختاره أبو حيان .
{ وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } أي شاهداً رقيباً فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه واستعمال الكفيل في ذلك إما من باب الاستعارة أو المجاز المرسل والعلاقة اللزوم .
والظاهر أن جعلهم مجاز أيضاً لأنهم لمافعلواذلك والله تعالى مطلع عليهم فكأنهم جعلوه سبحانه شاهداً قتاله الخفاجي ثم قال : ولو أبقى الكفيل على ظاهره وجعل تمثيلاً لعدم تخلصهم من عقوبته وأنه يسلمهم لها كما يسلم الكفيل من كفله كما يقال : من ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه تنبيهاًعلى أنه لا يمكنه التخلص من العقوبة كما ذكره الراغب لكان معنى بليغاً جداً فتدبر ، والظاهر أن الجملة في موضع الحال من فاعل { تَنقُضُواْ } وجوز أن تكون حالاً من فاعل المصدر وإن كان محذوفاً ، وقوله سبحانه : { إِنَّ الله * يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } أي من النقض فيجازيكم على ذلك في موضع التعليل للنهي السابق ، وقال الخفاجي : إنه كالتفسير لما قبله .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } [ النحل : 91 ] المأخوذ عليكم في عالم الأرواح بالبقاء على حكمه وهو الاعراض عن الغير والتجرد عن العلائق والعوائق في التوجه إليه تعالى إذا عاهدتم أي تذكرتموه بإشراق نور النبي صلى الله عليه وسلم عليكم وتذكيره إياكم ؛ قال النصر آبادي : العهود مختلفة فعهد العوام لزوم الظواهر وعهد الخواص حفظ السرائر وعهد خواص الخواص التخلي من الكل لمن له الكل
قوله تعالى : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم } ، والعهد هاهنا هو : اليمين . قال الشعبي : العهد يمين ، وكفارته كفارة يمين ، { ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها } ، تشديدها ، فتحنثوا فيها . { وقد جعلتم الله عليكم كفيلاً } ، شهيداً بالوفاء . { إن الله يعلم ما تفعلون } ، واختلفوا فيمن نزلت هذه الآية وإن كان حكمها عاماً . قيل : نزلت في الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، أمرهم الله بالوفاء بها . وقال مجاهد و قتادة : نزلت في حلف أهل الجاهلية .
قوله تعالى : { وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون ( 91 ) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون ( 92 ) } ، هذا أمر من الله للمؤمنين بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق والأيمان مما عقد باللسان أو خطه القلم . فما كان من ذلك فقد وجب التزامه دون نقض أو تفريط . فقال سبحانه : ( وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ) ، والعهد ، معناه في الأصل : الأمان واليمين ، والموثق والذمة ، والحفاظ والوصية{[2593]} .
فكل ذلك قد أوجب الإسلام الوفاء به تماما . وأيما تقصير في ذلك أو مماحلة أو تفريط ، فليس إلا الخيانة والغدر . وهذا واحد من معاني الإسلام وقيمه العليا في ترسيخ مكارم الأخلاق ؛ ليكون الناس بذلك أوفياء مؤتمنين حق الائتمان ، فلا يخونون ولا يغشون ولا يخادعون مهما تكن الظروف .
فما يزيغ المسلم عن شيمة الوفاء بالعهد . فلا يخادع ولا ينقض الميثاق أو العهد الذي بينه وبين غيره من المؤمنين والكافرين . لا يزيغ – كما علمه الإسلام- عن قاعدة الإخلاص والصدق والوفاء ، كما يزيغ غير المسلمين من الذين يبررون الوسائل كيفما كانت للوصول إلى غاياتهم ومقاصدهم ؛ فهم بذلك يكذبون وينافقون ويخادعون ويتلصصون لبلوغ مآربهم وأهوائهم . فما تتاح لهم فرصة حتى يقلبوا لمواثيقهم وعهودهم ظهر المجن فينقضوها نقضا . أما المسلمون : فإنهم صادقون أوفياء ثابتون على عهودهم مع الناس ؛ لأنهم توطنت أنفسهم على قيم الإسلام ومعانيه الفضلى في الوفاء والبر ونبذ المراوغة والكذب .
وقد قيل : نزلت هذه الآية في بيعة النبي ( ص ) على الإسلام . وقيل : نزلت في التزام الحِلْف الذي كان في الجاهلية ، وجاء الإسلام بالوفاء به ، فقد روي في الصحيح : " وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة " . والمراد بالشدة : ما كان في نصرة الحق ومواساة المكروبين . ونظير ذلك حلف الفضول ؛ إذ اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدعان لشرفه ونسبه ، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته ، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول ، أي : حلف الفضائل . وفيه قال رسول الله ( ص ) : " لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حُمْر النّعم ، لو أدعى به في الإسلام لأجبت " .
على أن الحلف الذي كان في الجاهلية قد شدّه الإسلام وحضّ على الوفاء به ، وخصه النبي ( ص ) فيما رواه أحمد عن جبير بن مطعم : " لا حلف في الإسلام ، وأيما حلف كان في الجاهلية فإنه لا يزيده الإسلام إلا شدة . " وذلك يعني أنه لا يُحتاج في الإسلام إلى الحلف الذي كان أهل الجاهلية يفعلونه ؛ فقد جاء الشرع بالانتصار من الظالم وأخذ الحق منه ، ودفع المظالم عن المظلومين . وفي الصحيح : " انصر أخاك ظالما أو مظلوما . " قالوا : يا رسول الله ، هذا ننصره مظلوما ، فكيف ننصره ظالما ؟ قال : " تأخذ على يديه . " وفي رواية : " تمنعه من الظلم ؛ فإن ذلك نصره . " وفي الخبر : " إن الناس إذا رأوا الظالم ولم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " .
قوله : ( ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ) ، ( تنقضوا ) : من النقض وهو ضد الإبرام{[2594]} . و ( الأيمان ) : جمع يمين : وهو القسم ، فقد كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون . وجمعه أيضا أيمن ؛ وايمُ الله وايمنُ الله ؛ أي : ايمن الله قسمي{[2595]} ( توكيدها ) ، التوكيد مصدر وكد يؤكد ، بالواو والتشديد{[2596]} .
والمعنى : لا تخالفوا ما تعاقدتم عليه الأيمان بعد توثيقها وتأكيدها . والمراد أيمان البيعة على الإسلام ، أو مطلق الأيمان . ( وقد جعلتم الله عليكم كفيلا ) ، في محل نصب على الحال من فاعل ( تنقضوا ) ، أي : لا تبطلوا أيمانكم بعد ما جعلتم الله شاهدا ورقيبا على ما تعاقدتم عليه .
قوله : ( إن الله يعلم ما تفعلون ) ، ذلك تحذير للمسلمين وتخويف من مغبة الغدر ونقض الأيمان بعد توثيقها ؛ فإنه عز وعلا يعلم ما يفعلونه في أيمانهم ومواثيقهم من صدق أو كذب . ومن وفاء أو خيانة . وهو مُسائلهم عن كل ذلك ومجازيهم .