{ قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا } تجريد الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم لما أن المأمور به من الوظائف الخاصة به عليه الصلاة والسلام ، والهمزة للإنكار ، وقرأ زيد والحسن وغيرهما بإدغام النون أي تجادلونا .
{ فِى الله } أي في دينه وتدعون أن دينه الحق اليهودية والنصرانية وتبنون دخول الجنة والاهتداء عليهما ، وقيل : المراد في شأن الله تعالى واصطفائه نبياً من العرب دونكم بناءاً على أن الخطاب لأهل الكتاب وسوق النظم يقتضي أن تفسر المحاجة بما يختص بهم ، والمحاجة في الدين ليست كذلك والقرينة على التقييد قوله سبحانه قبل : { وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا } [ البقرة : 136 ] وبعد { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شهادة } [ البقرة : 140 ] حيث إنه تعريض بكتمان أهل الكتاب شهادة الله سبحانه بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، وما روي في سبب النزول أن أهل الكتاب قالوا الأنبياء كلهم منها فلو كنت نبياً لكنت منا فنزلت ، ولا يخفى عليك أن المحاجة في الدين على ما ذكرنا مختصة بهم على أن ظاهر السوق يقتضي ذمهم بما صار ديناً لهم وشنشنة فيهم حتى عرفوا فيه ، ومشركو العرب وإن حاجوا في الدين/ أيضاً لكنهم لم يصلوا فيه إلى رتبة أهل الكتاب لما أنهم أميون عارون عن سائر العلوم جاهلون بوظائف البحث بالكلية نظراً إلى أولئك القائمين على ساق الجدال وإن القرينتين السابقة واللاحقة على التقييد في غاية الخفاء وأن ما روي في سبب النزول ليس مذكوراً في شيء من كتب الحديث ولا التفاسير المعتبرة كما نص على ذلك الإمام السيوطي وكفى به حجة في هذا الشأن .
{ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ } جملة حالية أي أتجادلوننا والحال أنه لا وجه للمجادلة أصلاً لأنه تعالى مالك أمرنا وأمركم { وَلَنَا أعمالنا وَلَكُمْ أعمالكم } عطف على ما قبله أي لنا جزاء أعمالنا الحسنة الموافقة لأمره ولكم جزاء أعمالكم السيئة المخالفة لحكمه { وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ } في تلك الأعمال لا نبتغي بها إلا وجهه فأنى لكم المحاجة ودعوى حقيقة ما أنتم عليه والقطع بدخول الجنة بسببه ودعوة الناس إليه . والجملة حالية كالتي قبلها ، وذهب بعض المحققين أن هذه الجملة كجملتي { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } [ البقرة : 133 ] { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } [ البقرة : 138 ] اعتراض وتذييل للكلام الذي عقب به مقول على ألسنة العباد بتعليم الله تعالى لا عطف ، وتحريره أن { وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ } مناسب لآمنا أي نؤمن بالله وبما أنزل على الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم ونستسلم له وننقاد لأوامره ونواهيه وقوله تعالى : { وَنَحْنُ لَهُ عابدون } ملائم لقوله تعالى : { صِبْغَةَ الله } [ البقرة : 138 ] لأنها بمعنى دين الله فالمصدر كالفذلكة لما سبق ، وهذه الآية موافقة لما قبلها ، ولعل الذوق السليم لا يأباه ، وأما القول بأن معنى { وَهُوَ رَبُّنَا } الخ أنه لا اختصاص له تعالى بقوم دون قوم فيصيب برحمته من يشاء فلا يبعد أن يكرمنا بأعمالنا كما أكرمكم بأعمالكم كأنه ألزمهم على كل مذهب يفتحونه إفحاماً وتبكيتاً فإن كرامة النبوة إما تفضل من الله تعالى فالكل فيه سواء ، وإما إفاضة حق على المستحقين لها بالمواظبة على الطاعة والتحلي بالإخلاص فكما أن لكم أعمالاً ربما يعتبرها الله تعالى في إعطائها فلنا أيضاً أعمال ونحن له مخلصون بها لا أنتم ، فمع بنائه على ما علمت ركاكته غير ملائم لسباق النظم الكريم وسياقه بل غير صحيح في نفسه كما أفتى به مولانا مفتي الديار الرومية لما أن المراد بالأعمال من الطرفين ما أشير إليه من الأعمال الصالحة والسيئة ولا ريب أن أمر الصلاح والسوء يدور على موافقة الدين المبني على البعثة ومخالفته فكيف يتصور اعتبار تلك الأعمال في استحقاق النبوة واستعدادها المتقدم على البعثة بمراتب هذا ؟ا وقد اختلف الناس في الإخلاص ، فروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :
«سألت جبريل عن الإخلاص ما هو ؟ فقال : سألت رب العزة عنه فقال : سرّ من أسراري استودعته قلب من أحببته من عبادي » وقال سعيد بن جبير : الإخلاص أن لا تشرك في دينه ولا تراء أحداً في عمله ، وقال الفضيل : ترك العمل من أجل الناس رياءاً والعمل من أجل الناس شرك ، والإخلاص أن يعافيك الله تعالى منهما ، وقال حذيفة المرعشي : أن تستوي أفعال العبد في الباطن والظاهر ، وقال أبو يعقوب : المكفوف أن يكتم العبد حسناته كما يكتم سيآته ، وقال سهل : هو الإفلاس ، ومعناه احتقار العمل وهو معنى قول رويم ارتفاع عملك عن الرؤية قيل : ومقابل الإخلاص الرياء ، وذكر سليمان الداراني ثلاث علامات له : الكسل عند العبادة في الوحدة والنشاط في الكثرة وحب الثناء على العمل .
قوله تعالى : { قل } . يا محمد لليهود و النصارى .
قوله تعالى : { أتحاجوننا في الله } . أي في دين الله ، والمحاجة : المجادلة في الله لإظهار الحجة ، وذلك بأنهم قالوا إن الأنبياء كانوا منا وعلى ديننا ، وديننا أقدم فنحن أولى بالله منكم فقال الله : ( قل أتحاجوننا في الله ) .
قوله تعالى : { وهو ربنا وربكم } . أي نحن وأنتم سواء في الله فإنه ربنا وربكم .
قوله تعالى : { ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم } . أي لكل واحد جزاء عمله ، فكيف تدعون أنكم أولى بالله .
قوله تعالى : { ونحن له مخلصون } . وأنتم به مشركون . قال سعيد بن جبير : الإخلاص أن يخلص العبد دينه وعمله لله فلا يشرك به في دينه ، ولا يرائي بعمله . قال الفضيل : ترك العمل لأجل الناس رياء ، و العمل من أجل الناس شرك ، و الإخلاص أن يعافيك الله منهما .
قوله تعالى : { قل أتحاجوننا في الله وهو ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى قل آأنتم أعلم أم الله ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله وما الله بغافل عما تعملون تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون عما كانوا يعملون } . { أتحاجوننا } الهمزة للاستفهام ، تحاجون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون وواو الجماعة في محل رفع فاعل ، والضمير المتصل في محل نصب مفعول به . وقوله تحاجوننا معناه تجادلوننا وهو من المحاجة أي مجاذبة الحجة ، فكأن كل فريق من المتخاصمين يجذب حجة الآخر ليرسي حجته بدلا منها .
وقوله { في الله } أي في دينه وحقيقة شأنه والقرب منه والحظوة عنده . والمقصود أهل الكتاب وخصوصا اليهود ، فقد كانوا يجادلون النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في الله وفي دينه وفي مبلغ القرب منه . فكانوا يفاخرون المسلمين بأنهم أقدم منهم دينا وأكثر أنبياء وأشد كرامة ؛ لانتسابهم لآبائهم من النبيين والمرسلين كما يزعمون . وزعموا كذلك أنهم أنبياء الله وأحباؤه فهم بذلك أعظم عند الله حظوة ومكانة ، إلى غير ذلك من المفاخرة الفاسدة التي تقوم على التعصب والجهل ، ولا تستند إلى غير الحماقة والسفاهة والضلالة والتشبث بمقولات فارغة تافهة جوفاء لا تغني من الحق شيئا .
وبعد هذا الاستنكار لهذه المحاجة العميقة يأمر الله نبيه بالرد عليهم وهو أن الله { ربنا وربكم ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم ونحن له مخلصون } أي لم هذه المحاجة العقيمة التي لا تنفع مع أن البدهيات تزجي بأن الله جلت قدرته هو رب الجميع ، وليس ربكم وحدكم كما تزعمون وتتوهمون ولكنه ( ربنا وربكم ) وكذلك فإن أعمالنا غير أعمالكم ، فكل منا يعمل على شاكلته ، وكل منا ملاق حسابه عند ربه ، والله سبحانه لا يضيع أجر من أحسن عملا وليس بغافل عما يعمل المفسدون ، فأنتم بريئون منا ونحن بريئون منكم . جاء في ذلك قوله سبحانه في آية أخرى : ( وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريئ مما تعملون ) .
وقوله : { ونحن له مخلصون } من الإخلاص وفعله خلُص بضم اللام أي صفا وصار نقيا . نقول : خلُص الماء من الكدر أي صفا تماما ، وخلاصة الشيء ما صفا منه . ويطلق الإخلاص في الشرع أو الدين على تصفية الفعل أو القول من ابتغاء المخلوقين . فإن ابتغاء أحد من المخاليق يعني التشريك في القصد الدافع للفعل أو القول . أو هو تفتيت للنية في توجهها إلى الله وإلى غيره من العباد ، سواء كانوا من الجنة أو الناس أو الملائكة . ذلك أن الإخلاص في القول أو الفعل يعني أن يكون التوجه منصبا تماما في سبيل الله ، وأن يكون القصد محصورا في ابتغاء مرضاة الله وليس منشطرا إلى شطرين أو إلى جملة أشطر لتتعدد النوايا والقصود ويكون التشريك في الابتغاء والعبادة ، فلا يبقى للإخلاص بعد ذلك وجود . حتى إن الإشراك في الابتغاء والقصد لا يستحق إلا التنديد والرفض ، ولا يستوجب غير التخسير والحبوط ، ولا قيمة عندئذ للشطر من الابتغاء السارب في طريق الله والذي يحسبه الواهم ضربا من الإخلاص . والحقيقة أن قضية الإخلاص أساسية وخطيرة وكبرى وهي لا تقبل الانشطار أو التجزئة ، ولكنها قضية واحدة منسجمة لا تتجزأ ، فلا تصلح أن تنشطر بين الله وأحد من خلقه .
وبعبارة أخرى فإن الإخلاص لا يكون إلا لله وليس لأحد من خلقه معه ، وإذا كان شيء من ذلك بانت الإخلاص منعدما وغير ذي وجود . يقول النبي ( صلى الله عليه وسلم ) في هذا الصدد من الإخلاص : " إن الله تعالى يقول : أنا خير شريك فمن أشرك معي شريكا فهو لشريكي . يا أيها الناس أخلصوا أعمالكم لله تعالي ، فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له ، ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء ، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنا لوجوهكم وليس لله تعالى منها شيء " {[145]}