{ لَيْسُواْ سَوَاء } أخرج ابن إسحق والطبراني والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس قال : لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسيد بن شعبة وأسيد بن عبيد ومن أسلم من يهود معهم ، فآمنوا وصدقوا ورغبوا في الإسلام قالت أحبار يهود وأهل الكفر منهم : ما آمن بمحمد وتبعه إلا أشرارنا ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره فأنزل الله تعالى في ذلك { لَيْسُواْ سَوَاء } إلى قوله سبحانه وتعالى : { وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصالحين } ( آل عمران ؛ 114 ) والجملة على ما قاله مولانا شيخ الإسلام تمهيد لتعداد محاسن مؤمني أهل الكتاب ، وضمير الجمع لأهل الكتاب جميعاً لا للفاسقين ( منهم ) خاصة ، وهو اسم ليس ، وسواء خبره ، وإنما أفرد لكونه في الأصل مصدراً والوقف هنا تام على الصحيح والمراد بنفي المساواة ، نفي المشاركة في أصل الاتصاف بالقبائح ( المذكورة ) ( 1 ) لا نفي المساواة في الاتصاف بمراتبها مع تحقق المشاركة في أصل الاتصاف ومثله كثير في الكلام .
{ مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } استئناف مبين لكيفية عدم التساوي ومزيل لما فيه من الإبهام ، وقال أبو عبيدة : إنه مع الأول كلام واحد ، وجعل أمة ، اسم ليس ، والخبر سواء ، فهو على حد أكلوني البراغيث ، وقيل : أمة مرفوع بسواء وضعف كلا القولين ظاهر ، ووضع { أَهْلِ الكتاب } موضع الضمير زيادة في تشريفهم والاعتناء بهم والقائمة من قام اللازم بمعنى استقام أي : أمة مستقيمة على طاعة الله تعالى ثابتة على أمره لم تنزع عنه وتتركه كما تركه الآخرون وضيعوه ، وحكي عن ابن عباس وغيره ، وزعم الزجاج أن الكلام على حذف مضاف والتقدير ذو أمة قائمة أي ذو طريقة مستقيمة ، وفيه أنه عدول عن الظاهر من غير دليل . والمراد من هذه الأمة من تقدم في سبب النزول ، وجعل بعضهم أهل الكتاب عاماً لليهود والنصارى وعد من الأمة المذكورة نحو النجاشي وأصحابه ممن أسلم من النصارى .
{ يَتْلُونَ ءايات الله } صفة لأمة بعد وصفها بقائمة ، وجوز أن تكون حالا من الضمير في { قَائِمَةً } أو من الأمة لأنها قد وصفت ، أو من الضمير في الجار الواقع خبراً عنها ، والمراد يقرءون القرآن { ءانَاء اليل } أي ساعاته وواحده أنى بوزن عصا ، وقيل : أنى كمعا ، وقيل : أنى فتح فسكون أو كسر فسكون ؛ وحكى الأخفش أنو كجرو ؛ فالهمزة منقلبة عن ياء أو واو وهو متعلق بيتلون أو بقائمة ومنع أبو البقاء تعلقه بالثاني بناءاً على أنه قد وصف فلا يعمل فيما بعد الصفة { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } حال من ضمير يتلون على ما هو الظاهر ، والمراد وهم يصلون ؛ إذ من المعلوم أن لا قراءة في السجود وكذا الركوع بل وقع النهي عنها فيهما كما في الخبر ، والمراد بصلاتهم هذه ، التهجد ، على ما ذهب إليه البعض وعلل بأنه أدخل في المدح وفيه تتيسر لهم التلاوة لأنها في المكتوبة وظيفة الإمام ، واعتبار حالهم عند الصلاة على الانفراد يأباه مقام المدح وهو الأنسب بالعدول عن إيرادها باسم الجنس المتبادر منه الصلوات المكتوبة وبالتعبير عن وقتها بالآناء المبهمة ، وإنما لم يعبر على هذا بالتهجد ، دفعاً لاحتمال المعنى اللغوي الذي لا مدح فيه .
والذي عليه بعض السلف أنها صلاة العتمة . واستدل عليه بما أخرجه الإمام أحمد والنسائي وابن جرير والطبراني بسند حسن واللفظ للأخيرين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال : أخر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال : «أما إنه لا يصلي هذه الصلاة أحد من أهل الكتاب قال : وأنزلت هذه الآية { لَّيْسُواْ } حتى بلغ { يُكْفَروهُ والله عَلِيمٌ بالمتقين } » [ آل عمران : 115 ] وعليه تكون الجملة معطوفة على جملة { يَتْلُونَ } ، وقيل : مستأنفة ويكون المدح لهم بذلك ؛ لتميزهم واختصاصهم بتلك الصلاة الجليلة الشأن التي لم يتشرف بأدائها أهل الكتاب كما نطق به الحديث بل ولا سائر الأمم ، فقد روى الطبراني بسند حسن أيضاً عن المنكدر أنه قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات ليلة وأنه أخر صلاة العشاء حتى ذهب من الليل هنيهة أو ساعة والناس ينتظرون في المسجد فقال : «أما إنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتموها » ثم قال : «أما إنها صلاة لم يصلها أحد ممن كان قبلكم من الأمم » ولعل هذا هو السر في تقديم هذا الحكم على الحكم بالإيمان ، ولا يرد عليه أن التلاوة لا تتيسر لهم إلا بصلاتهم منفردين ولا تمدح في الإنفراد مع أنه خلاف الواقع من حال القوم على ما يشير إليه الخبران لأنه لم تقيد التلاوة فيه بالصلاة وإنما يلزم التقييد لو كانت الجملة حالاً من الضمير كما سبق وليس ، فليس .
والتعبير عن الصلاة بالسجود لأنه أدل على كمال الخضوع وهو سر التعبير به عنها في قوله صلى الله عليه وسلم لمن طلب أن يدعو له بأن يكون رفيقه في الجنة لفرط حبه له وخوف حيلولة الفراق يوم القيامة ، أعني بكثرة السجود ، وكذا في كثير من المواضع ، وقيل : المراد بها الصلاة ما بين المغرب والعشاء الآخرة وهي المسماة بصلاة الغفلة ، وقيل : المراد بالسجود سجود التلاوة . وقيل : الخضوع كما في قوله تعالى : { وَللَّهِ يَسْجُدُ مَن في * السموات والارض } [ الرعد : 15 ] واختيرت الجملة الإسمية للدلالة على الاستمرار وكرر الإسناد تقوية للحكم وتأكيداً له ، واختيار صيغة المضارع للدلالة على التجدد .
( هذا ومن باب الإشارة ) : { لَيْسُواْ سَوَاء } من حيث الاستعداد وظهور الحق فيهم { مّنْ أَهْلِ الكتاب } الذين ظهرت فيهم نقوش الكتاب الإلهي الأزلي { أُمَّةٌ قَائِمَةٌ } بالله تعالى له { يَتْلُونَ ءايات الله } أي يظهرون للمستعدين ما فاض عليهم من الأسرار { ءانَاء اليل } أوقات ليل الجهالة وظلمة الحيرة { وَهُمْ يَسْجُدُونَ } [ آل عمران : 113 ] أي يخضعون لله تعالى ولا يحدث فيهم الأنانية إنهم عالمون وأن من سواهم جاهلون .
قوله تعالى : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة } . قال ابن عباس رضي الله عنهما ومقاتل : لما آمن عبد الله بن سلام وأصحابه ، قالت أحبار اليهود : ما آمن بمحمد صلى الله عليه وسلم إلا شرارنا ولولا ذلك لما تركوا دين آبائهم ، فأنزل الله تعالى هذه الآية . واختلفوا في وجهها فقال قوم : فيه اختصار تقديره : ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة وأخرى غير قائمة ، فترك الأخرى اكتفاء بذكر احد الفريقين ، وقال الآخرون : تمام الكلام عند قوله ليسوا سواء . وهو وقف ، لأنه قد جرى ذكر الفريقين من أهل الكتاب في قوله تعالى : ( منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون ) ثم قال : { ليسوا سواءً } ، يعني : المؤمنين والفاسقين ثم وصف الفاسقين ، فقال ( لن يضروكم إلا أذى ) ووصف المؤمنين بقوله : { أمة قائمة } . وقيل : قوله { من أهل الكتاب } ، ابتداء كلام آخر ، لأن ذكر الفريقين قد جرى ، ثم قال : ليس هذا الفريقان سواءً ثم ابتدأ فقال :{ من أهل الكتاب } . قال ابن مسعود رضي الله عنه : لا يستوي اليهود وأمة محمد صلى الله عليه وسلم القائمة بأمر الله ، الثابتة على الحق ، المستقيمة ، وقوله تعالى { أمة قائمة } قال ابن عباس : أي مهتدية ، قائمة على أمر الله لم يضيعوه ، ولم يتركوه . وقال مجاهد : عادلة . وقال السدي : مطيعة ، قائمة على كتاب الله وحده ، وقيل : قائمة في الصلاة وقيل : الأمة الطريقة . ومعنى الآية : أي ذوو أمة ، أي : ذو طريقة مستقيمة .
قوله تعالى : { يتلون آيات الله } . يقرؤون كتاب الله ، وقال مجاهد : يتبعون .
قوله تعالى : { آناء الليل } . ساعاته ، واحدها إني مثل : نحى وأنحاء ، وإني وآناء مثل : معي وأمعاء ، وأنى مثل منا وأمناء .
قوله تعالى : { وهم يسجدون } . أي : يصلون . لأن التلاوة لا تكون في السجود . واختلفوا في معناها ، فقال بعضهم : هي في قيام الليل ، وقال ابن مسعود : هي صلاة العتمة يصلونها ولا يصليها من سواهم من أهل الكتاب . وقال عطاء : { ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة } الآية يريد أربعين رجلاً من أهل نجران من العرب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية من الروم ، كانوا على دين عيسى وصدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم ، وكان من الأنصار منهم عدة قبل قدوم النبي صلى الله عليه وسلم ، منهم أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، ومحمد بن سلمة ، وأبو قيس صرمة بن انس ، كانوا موحدين يغتسلون من الجنابة ، ويقومون بما عرفوا من شرائع الحنيفية ، حتى جاءهم الله تعالى بالنبي صلى الله عليه وسلم فصدقوه ونصروه .
قوله تعالى : ( ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون يؤمنون بالله واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين ) .
جاء في سبب نزول هذه الآية ما روي عن ابن عباس أنهما فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأسد بن عبيد وثعلبة بن شعبة وغيرهم ، فقالت أحبار اليهود : ما آمن لمحمد إلا شرارنا ، ولو كانوا من خيارنا لما تركوا دين آبائهم . وقالوا لهم " خنتم حين استبدلتم بدينكم دينا غيره فأنزل الله ( ليسوا سواء من أهل الكتاب ) {[568]} والوقف على سواء . وبذلك فإن قوله : ( ليسوا سواء ) والمراد أنه لما وصف أهل الكتاب في الآية السابقة بالصفات المذمومة ذكر هذه الآية لبيان أن كل أهل الكتاب ليسوا كذلك من حيث المذمة والسوء ، بل فيهم من يتصف بالصفات الحميدة والخصال الجيدة .
إذا تبين ذلك فقد مدح الله الفئة المؤمنة من أهل الكتاب ممن آمن من اليهود برسالة الإسلام بعدة صفات هي :
أولا : أنها قائمة ، أي مستقيمة عادلة . وذلك من قولك : أقمت السيف فقام أي استقام .
ثانيا : التلاوة وذلك في قوله : ( يتلون آيات الله آناء الليل ) والمراد بالآيات المتلوة هنا آيات القرآن . وقيل غير ذلك .
وقوله : ( آناء الليل ) الآناء بمعنى الأوقات والساعات منصوب على الحال . وواحدها : أنا ، وإنْي بكسر الهمز وسكون النون .
ثالثا : السجود . وذلك في قوله : ( وهم يسجدون ) في تأويل ذلك وجهان :
أحدهما : يحتمل أن تكون الآية ( وهم يسجدون ) حالا من التلاوة كأنهم يقرأون القرآن في السجود مبالغة في الخضوع والخشوع . واستبعد بعضهم ذلك ؛ لأن التلاوة لا تكون في الركوع والسجود .
ثانيهما : يحتمل أن يكون ذلك كلاما مستقلا . فيكون تقدير الكلام أن من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل في صلاتهم وهم مع ذلك يسجدون فيها . فالسجود هو السجود المعروف .
رابعا : الإيمان بالله واليوم الآخر . وذلك في قوله : ( يؤمنون بالله واليوم الآخر ) أي يصدقون بالله وبالبعث بعد الممات ويعلمون أن الله مجازيهم بأعمالهم .
خامسا : الأمر بالمعروف والنهي عن النكر . وذبك في قوله : ( ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) أي أنهم يدعون الناس إلى توحيد الله وتصديق محمد صلى الله عليه و سلم وينهونهم عن الشرك بالله وعن إنكار نبوة محمد صلى الله عليه و سلم . فهم ليسوا كاليهود والنصارى الذين يأمرون الناس بالكفر وتكذيب محمد فيما جاءهم به ، وينهونهم عن المعروف وهو تصديق محمد صلى الله عليه و سلم فيما أتاهم به من عند الله .
سادسا : المسارعة في الخيرات . وذلك في قوله : ( ويسارعون في الخيرات ) أي أنهم يبتدرون فعل الخيرات خشية الفوت بالموت .
سابعا : الصلاح . وذلك في قوله : ( وأولئك من الصالحين ) أي أن هؤلاء الموصوفين بما وصفوا به من مزايا الخير هم من جملة الذين صلح حالهم في ميزان الله فكانوا من الفائزين ، لا جرم أن ذلك غاية في المدح والتكريم .