روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ} (37)

{ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي تُقَرّبُكُمْ عِندَنَا زلفى } كلام مستأنف من جهته عز وجل خوطب به الناس بطريق التلوين والالتفات مبالغة في تحقيق الحق وتقرير ما سبق كذا في «إرشاد العقل السليم » ، وجوز أن يكون ما تقدم لنفي أن يكون القرب والكرامة مداراً وعلة لكثرة الرزق وهذا النفي أن تكون كثرة الرزق سبباً للقرب والكرامة ويكون الخطاب للكفرة ، والتي واقع على الأموال والأولاد ، وحيث أن الجمع المكسر عقلاؤه وغير عقلائه سواء في حكم التأنيث وكان المجموع بمعنى جماعة صح الأفراد والتأنيث أي وما جماعة أموالكم وأولادكم بالجماعة التي تقربكم عندنا قربة ، ولا حاجة إلى تقدير مضاف في النظم الكريم ، وما ذكر تقدير معنى لا إعراب ، وعن الزجاج أن في الكلام حذفاً في أوله لدلالة ما في آخره والتقدير وما أموالكم بالتي تقربكم عندنا زلفى ولا أولادكم بالتي الخ ، وأنت تعلم أنه لا حاجة إليه أيضاً ، وجوز أن تكون التي صفة لموصوف مفرد مؤنث تقديره بالتقوى أو بالخصلة التي ، وجوز الزمخشري أن تكون التي كناية عن التقوى لأن المقرب إلى الله تعالى ليس إلا تلك أي وما أموالكم ولا أولادكم بتلك الموضوعة للتقريب . وقرأ الحسن { باللاتي } جمعاً وهو راجع للأموال والأولاد كالتي على ما سمعت أولاً . وقرئ { ءامَنُواْ بالذي } أي بالشيء الذي يقربكم .

وزلفى مصدر كالقربى وانتصابه على المصدرية من المعنى . وقرأ الضحاك { زلفا } بفتح اللام وتنوين الفاء جمع زلفة وهي القربة { يَعْلَمُونَ وَمَا أموالكم وَلاَ أولادكم بالتي } استثناء من مفعول { تُقَرّبُكُمْ } على ما ذهب إليه جمع وهو استثناء متصل إذا كان الخطاب عاماً للمؤمنين والكفرة ومنقطع إذا كان خاصاً بالكفرة فالموصول في محل نصب أو رفع على أنه مبتدأ ما بعده خبره أو خبره مقدر أي لكن من آمن وعمل صالحاً فإيمانه وعمل يقربانه .

واستظهر أبو حيان الانقطاع ، وقال في «البحر » إن الزجاج ذهب إلى بدليته من المفعول المذكور وغلطه النحاس بأن ضمير المخاطب لا يجوز الإبدال منه فلا يقال رأيتك زيداً ، ومذاهب الأخفش . والكوفيين أنه يجوز أن يبدل من ضميري المخاطب والمتكلم لكن البدل في الآية لا يصح ألا ترى أنه لا يصح تفريغ الفعل الواقع صلة لما بعد إلا فلو قلت ما زيد بالذي يضرب إلا خالداً لم يصح اه .

وذكر بعض الأجلة أن جعله استثناء من المفعول لا يصح على جعل التي كناية عن التقوى لأنه يلزم أن تكون الأموال والأولاد تقوى في حق غير من آمن وعمل صالحاً لكنها غير مقربة ، وقيل لا بأس بذلك إذ يصح أن يقال وما أموالكم ولا أولادكم بتقوى إلا المؤمنين ، وحاصله أن المال والولد لا يكونان تقوى ومقربين لأحد إلا للمؤمنين ، وإذا كان الاستثناء منقطعاً صح واتضح ذلك ، وجوز أن يكون استثناء من { أموالكم وأولادكم } على حذف مضاف أي إلا أموال من آمن وعمل صالحاً وأولادهم ، وفي هذا إذا جعل التي كناية عن التقوى مبالغة من حيث أنه جعل مال المؤمن الصالح وولده نفس التقوى .

ثم إن تقريب الأموال المؤمن الصالح بإنفاقها فيما يرضى الله تعالى وتقريب الأولاد بتعليمهم الخير وتفقيههم في الدين وترشيحهم للصلاح والطاعة .

{ فَأُوْلَئِكَ } إشارة إلى من والجمع باعتبار معناها كما أن الأفراد فيما تقدم باعتبار لفظها ، وما فيه من معنى البعد للإيذان بعلو رتبتهم وبعد منزلتهم في الفضل أي فأولئك المنعوتون بالإيمان والعمل الصالح { لَهُمْ جَزَاء الضعف } أي لهم أن يجازيهم الله تعالى الضعف أي الثواب المضاعف فيجازيهم على الحسنة بعشر أمثالها أو بأكثر إلى سبعمائة فإضافة جزاء إلى الضعف من إضافة المصدر إلى مفعوله . وقرأ قتادة : { جَزَاء الضعف } برفعهما فالضعف بدل ، وجوز الزجاج كونه خبر مبتدأ محذوف أي هو الضعف . ويعقوب في رواية بنصب { جَزَاء } ورفع { الضعف } فجزاء تمييز أو حال من فاعل { لَهُمْ } أي يجزون جزاء ، وقرئ { جَزَاء } بالرفع والتنوين { الضعف } بالنصب على أعمال المصدر { بِمَا عَمِلُواْ } من الصالحات { وَهُمْ في الغرفات } أي في غرفات الجنة ومنازلها العالية { ءامِنُونَ } من جميع المكارم الدنيوية والأخروية . وقرأ الحسن . وعاصم بخلاف عنه . والأعمش . ومحمد بن كعب { فِى الغرفات } بإسكان الراء ، وقرأ بعض القراء بفتحها ، وابن وثاب . والأعمش . وطلحة . وحمزة وخلف { فِى * الغرفة } بالتوحيد وإسكان الراء ، وابن وثاب أيضاً بالتوحيد وضم الراء والتوحيد على إرادة الجنس لأن الكل ليسوا في غرفة واحدة والمفرد أخصر مع عدم اللبس فيه .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ} (37)

قوله تعالى : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } أي : قربى ، قال الأخفش : قربى اسم مصدر كأنه قال بالتي تقربكم عندنا تقريباً ، { إلا من آمن } يعني : لكن من آمن ، { وعمل صالحاً } قال ابن عباس : يريد إيمانه وعمله يقربه مني ، { فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا } أي : يضعف الله حسناتهم فيجزي بالحسنة الواحدة عشر إلى سبعمائة قرأ يعقوب : جزاء منصوباً منوناً الضعف رفع ، تقديره : لهم الضعف جزاء ، وقرأ العامة بالإضافة ، { وهم في الغرفات آمنون } قرأ حمزة : في الغرفة على واحدة ، وقرأ الآخرون بالجمع لقوله : { لنبوئنهم من الجنة غرفا } .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُكُم بِٱلَّتِي تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰٓ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَـٰٓئِكَ لَهُمۡ جَزَآءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمۡ فِي ٱلۡغُرُفَٰتِ ءَامِنُونَ} (37)

قوله : { وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى } { بِالَّتِي } في موضع نصب خبر ما{[3818]} و { زُلْفَى } وزلفة بمعنى القربة والمنزلة ، و { زُلْفَى } ههنا اسم مصدر ، كأنه قال : بالتي تقربكم عندنا إزلافا{[3819]}

يخاطب الله – جلت قدرته – المترفين الجاحدين المكذبين – على سبيل التوعّد والتهديد – بأن أموالكم هذه التي تفاخرون بها وكذلك أولادكم الذين تُباهون بهم الناس ، كل ذلك لا يقربكم منا أيما قربة ، ولا يقرِّبكم منا سوى الإيمان الصحيح والعمل الصالح المخلص ، وهو قوله سبحانه : { إِلاَّ مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا } أي إنما يقربكم عندنا زلفى الإيمان بالله إيمانا صحيحا مقرونا بعمل الصالحات . وفي الخبر مما رواه أحمد عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن الله تعالى لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن إنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم " .

وقيل : المعنى أن من آمن وعمل صالحا فلن يضرّه ماله وولده في الدنيا فالمؤمنون الذين يعملون الصالحات تقرِّبُهم أموالهم وأولادهم إلى الله ، وذلك بطاعتهم لله فيما أوتوا وبأدائهم حق الله فيما أعطاهم من أموال .

قوله : { فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا } الضعف في كلام العرب بمعنى المثل ، وهذا هو الأصل ، ثم استعمل الضعف في المثل وما زاد ، وليس للزيادة حد . أي أن الضعف زيادة غير محصورة{[3820]} فالمعنى : أن جزاءهم أن تضاعف لهم حسناتهم ، الواحدة عشرا أو أكثر .

قوله : { وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آَمِنُونَ } المؤمنون الذين يعملون الصالحات جزاؤهم يوم القيامة أن يقيموا في الغرفات من الجنة ، وقيل : إنها غرف من الياقوت والدّر يقيم فيها الذين كتبت لهم السعادة والنجاة ليكونوا فيها آمنين من الموت أو العذاب أو الأسقام والأحزان .


[3818]:البيان لابن الأنباري ج 2 ص 282
[3819]:مختار الصحاح ص 273 والبيان لابن الأنباري ج 2 ص 282
[3820]:المصباح المنير ج 2 ص 7