روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ} (58)

{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي نزل عذابنا على أن الأمر واحد الأمور ، قيل : أو المأمور به ، وفي التعبير عنه بذلك مضافاً إلى ضمير جل جلاله ، وعن نزوله بالمجىء ما لا يخفى من التفخيم والتهويل .

وجوز أن يكون واحد الأوامر أي وورد أمرنا بالعذاب ، والكلام على الحقيقة إن أريد أمر الملائكة عليهم السلام ، ويجوز أن يكون ذلك مجازاً عن الوقوع على سبيل التمثيل { نَجَّيْنَا هُودًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } قيل : كانوا أربعة آلاف ، وقيل : ثلاثة آلاف ، ولعل الانتصار للأنبياء عليهم السلام لم يكن مأذوناً به للمؤمنين إذ ذاك فلا ينافي ما تقدم نقله من أنه عليه السلام كان وحده ، ولذا عد مواجهته للجم الغفير معجزة له صلى الله عليه وسلم لكن لا بد لهذا من دليل كدعوى انفراده عنهم حين المقاولة ؛ وفي «الحواشي الشهابية » أنه لا مانع من ذلك باعتبار حالين وزمانين فتأمل ، والظاهر أن ما كان من المقاولة إنما هو في ابتداء الدعوة ومجىء الأمر كان بعد بكثير وإيمان من آمن كان في البين فترتفع المنافاة { بِرَحْمَةٍ } عظيمة كائنة { مِنَّا } وهي الإيمان الذي أنعمنا به عليهم .

وروي هذا عن ابن عباس . والحسن ، وذكره الزمخشري ولشم بعضهم منه رائحة الاعتزال لم يلتفت إليه ولا بأس بأن تحمل الرحمة عن الفضل فيفيد أن ذلك بمحض فضل الله تعالى إذ له سبحانه تعذيب المطيع كما أن له جل وعلا إثابة العاصي ، والجار والمجرور الأول متعلق بنجينا وهو الظاهر الذي عليه كثير من المفسرين .

وجوز أبو حيان كونه متعلقاً بآمنوا أي إن إيمانهم بالله تعالى ورسوله عليه السلام برحمة من الله تعالى إذ وفقهم إليه ، ولعل ترتيب الإنجاء على النزول باعتبار ما تضمنه من تعذيب الكفار فيكون قد صرح بالإنجاء اهتماماً ، ورتب باعتبار الآخر إشارة إلى أنه مقصود منه ، ويجوز أن تكون لما لمجرد الحين { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } تكرير لأجل بيان ما نجاهم عنه وهي الريح التي كانت تحمل الظعينة وتهدم المساكن وتدخل في أنوف أعداء الله تعالى وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرباً إرباً ، أو المراد بهذا الإنجاء من عذاب الآخرة وبالأول الإنجاء من عذاب الدنيا ، ورجح الأول بأنه أوفق لمقتضى المقام ، وحاصله أن الأول إخبار بأن الإيمان الذي وفقوا له صار سبب إنجائهم . والثاني بأن ذلك الإنجاء كان من عذاب أي عذاب دلالة على كمال الامتنان وتحريضاً على الإيمان وليس من أسلوب أعجبني زيد وكرمه في شيء كما ظنه العلامة الطيبي .

وقد أورد على الثاني إن إنجاءهم من عذاب الآخرة ليس في وقت نزول العذاب في الدنيا ولا مسبباً عنه إلا أن يجاب بأنه عطف على القيد والمقيد كما قيل في قوله سبحانه :

{ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ * عَنْهُ سَاعَةً وَلاَ *يَسْتَقْدِمُونَ } [ سبأ : 30 ] قيل : ولا يخفى ما فيه من التكلف من غير داع لأن الموافق للتعبير بالماضي المفيد لتحققه حتى كأنه وقع أن يجعل باعتبار ذلك واقعاً في وقت النزول تجوزاً أو المعنى حكما بذلك وتبين ما يكون لهم لأن الدنيا أنموذج الآخرة وأياً مّا كان فالمراد بغلظ العذاب تضاعفه ، وقد يقال على الاحتمال الأول في وصف العذاب الذي كان بالريح : بالغلظ الذي هو ضد الرقة التي هي صفة الريح ما لا يخفى من اللطف ، وفيه أيضاً مناسبة لحالهم فإنهم كانوا غلاظاً شداداً .

 
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير للجزائري - أبوبكر الجزائري [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ} (58)

شرح الكلمات :

{ ولما جاء أمرنا } : أي بعذابهم وهي الريح الصرر .

{ برحمة منا } : أي بفضل منا ونعمة .

المعنى :

ما زال السياق في هود وقومه قال تعالى { ولما جاء أمرنا } أي عذابنا { نجينا هوداً والذين آمنوا معه برحمة منا } أي بلطف وفضل ونعمة { ونجيناهم من عذاب غليظ } هو عذاب يوم القيامة فهما نجاتان نجاة في الدنيا من عذاب الريح العقيم الصرر التي دمرت كل شيء بأمر ربها ونجاة من عذاب النار يوم القيامة وهي أعظم .

الهداية

من الهداية :

- تقرير التوحيد إذ القصة كلها مسوقة لذلك .

- بيان سنة الله في الأولين وهي أنه يبعث الرسل مبشرين ومنذرين فَإِنِ استجابَ المرسل إليهم سعدوا ، وإن لم يستجيبوا يمهلهم حتى تقوم الحجة عليهم ثم يهلكهم ، وينجي المؤمنين .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ} (58)

لقد كان نتيجته إنجاء هود والذين آمنوا معه ، وإهلاك أعدائهم .

قال - تعالى - { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ . وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْاْ رُسُلَهُ واتبعوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ .

وَأُتْبِعُواْ فِي هذه الدنيا لَعْنَةً وَيَوْمَ القيامة ألا إِنَّ عَاداً كَفَرُواْ رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْداً لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ }

والمراد بالأمر فى قوله - سبحانه - { وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا } الأمر بنزول العذاب بهم .

أى : وحين جاء أمرنا بتحقيق وعيدنا فى قوم هود ، وبتنفيذ ما أردناه من إهلاكهم وتدميرهم { نَجَّيْنَا هُوداً والذين آمَنُواْ مَعَهُ } تنجية مصحوبة { برحمة } عظيمة كائنة { منا } بسبب إيمانهم وعملهم الصالح .

{ وَنَجَّيْنَاهُمْ } كذلك { مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أى : من عذاب ضخم شديد مضاعف ترك هؤلاء الطغاة وراءه صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية .

ووصف العذاب بأنه غليظ ، بهذا التصوير المحسوس ، يتناسب كل التناس مع جو هذه القصة ، ومع ما عرف عن قوم هود من ضخامة فى الأجسام ، ومن تفاخر بالقوة ؟

قال تعالى - { فَأَمَّا عَادٌ فاستكبروا فِي الأرض بِغَيْرِ الحق وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . . } وكان عذابهم كما جاء فى آيات أخرى بالريح العقيم ، ومن ذلك قوله - تعالى - { وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ . سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ . . }