{ وَقَالَ الملأ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } مخاطبين له بعدما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام ما شاهدوا .
{ أَتَذَرُ موسى } أي أتتركه { وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض } أي في أرض مصر .
والمراد بالإفساد ما يشمل الديني والدنيوي ، ومفعول الفعل محذوف للتعميم أو أنه منزل منزلة اللازم أو يقدر يفسدوا الناس بدعوتهم إلى دينهم والخروج عليك . أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : لما آمنت السحرة أتبع موسى عليه السلام ستمائة ألف من بني إسرائيل { وَيَذَرَكَ } عطف على يفسدوا المنصوب بأن ، أو منصوب على جواب الاستفهام كما ينصب بعد الفاء ، وعلى ذلك قول الحطيئة :
ألم أك جارك ويكون بيني *** وبينكم المودة والأخاء
والمعنى كيف يكون الجمع بين تركك موسى عليه السلام وقومه مفسدين في الأرض وتركهم إياك الخ أي لا يمكن وقوع ذلك . وقرأ الحسن . ونعيم بن ميسرة بالرفع على أنه عطف على ( تذر ) أو استئناف أو حال بحذف المبتدأ ، أي وهو يذرك لأن الجملة المضارعية لا تقترن بالواو على الفصيح ، والجملة على تقدير الاستئناف معترضة مؤكدة لمعنى ما سبق ، أي تذره وعادته وتركك ، ولا بد من تقدير هو على ما قال الطيبي كما في احتمال الحال ليدل على الدوام ، وعلى تقدير الحالية تكون مقررة لجهة الإشكال . وعن الأشهب أنه قرأ بسكون الراء ، وخرج ذلك ابن جنى على أنه تركت الضمة للتخفيف كما في قراءة أبي عمرو { يَأْمُرُكُمْ } [ البقرة : 67 ] بإسكان الراء استقلالاً للضمة عند توالي الحركات ، واختاره أبو البقاء ، وقيل : إنه عطف على ما تقدم بحسب المعنى ، ويقال له في غير القرآن عطف التوهم ، كأنه ، قيل : يفسدوا ويذرك كقوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين } [ المنافقين : 10 ]
{ وَءالِهَتَكَ } أي معبوداتك . يروى أنه كان يعبد الكواكب فهي آلهته وكان يعتقد أنها المربية للعالم السفلى مطلقاً وهو رب النوع الإنساني ، وعن السدي أن فرعون كان قد اتخذ لقومه أصناماً وأمرهم بأن يعبدوها تقرباً إليه ، ولذلك قال : { أَنَاْ رَبُّكُمُ الاعلى } [ النازعات : 24 ] وقيل : إنه كانت له بقرة يعبدها وكان إذا رأى بقرة حسنة أمر قومه بعبادتها ، ولذلك أخرج السامري لبني إسرائيل عجلاً وهو رواية ضعيفة عن ابن عباس ، وقال سليمان التيمي : بلغني أنه كان يجعل في عنقه شيئاً يعبده ، وأمر الجمع عليه يحتاج إلى عناية وقرأ ابن مسعود . والضحاك . ومجاهد . والشعبي و { إلهتك } كعبادتك لفظاً ومعنى فهو مصدر .
وأخرج غير واحد عن ابن باس أنه كان ينكر قراءة الجمع بالجمع ويقرأ بالمصدر ويقول : إن فرعون كان يعبد ولا يعبد ، ألا ترى قوله : { مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مّنْ إله غَيْرِى } [ القصص : 38 ] ومن هنا قال بعضهم : الأقرب أنه كان دهرياً منكراً للصانع ، وقيل : الآلهة اسم للشمس وكان يعبدها ؛ وأنشد أبو علي :
وأعجلنا الآلهة أن تؤبا *** { قَالَ } مجيباً لهم { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى * نِسَاءهُمْ } كما كنا نفعل بهم ذلك من قبل ليعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبة ، ولا يتوهم أنه المولود الذي حكم المنجمون والكهنة بذهاب ملكنا على يده .
وقرأ ابن كثير . ونافع ( سنقتل ) بالتخفيف والتضعيف كما في موتت الإبل .
{ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } أي غالبون كما كنا لم يتغير حالنا وهم مقهورون تحت أيدينا ، وكان فرعون قد انقطع طمعه عن قتل موسى عليه السلام فلم يعد الملأ بقتله لما رأى من علو أمره وعظم شأنه وكأنه لذلك لم يعد بقتل قومه أيضاً ، والظاهر على ما قيل : إن هذا من فرعون بيان لأنهم لا يقدرون على أن يفسدوا في الأرض وإيذان بعدم المبالاة بهم وأن أمرهم فيما بعد كأمرهم فيما قبل وأن قتلهم عبث لا ثمرة فيه ، وذكر الطيبي أنه من الأسلوب الحكيم وإن صدر من الأحمق ، وأن الجملة الاسمية كالتذليل لما قبلها فافهم .
{ ليفسدوا في الأرض } : أي في البلاد بالدعوة إلى مخالفتك ، وترك طاعتك .
{ وآلهتك } : أصناماً صغاراً وضعها ليعبدها الناس وقال أنا ربكم الأعلى وربها .
{ نستحيي نساءهم } : نبقي على نسائهم لا نذبحهن كما تذبح الأطفال الذكور .
ما زال السياق في أحداث قصص موسى وفرعون أنه بعد انتصار موسى في المباراة وإيمان السحرة ظهر أمر موسى واتبعه ستمائة ألف من بني إسرائيل ، وخاف قوم فرعون من إيمان الناس بموسى وبما جاء به من الحق قالوا لفرعون على وجه التحريض والتحريك له { أتذر موسى وقومه } يريدون بني إسرائيل { ليفسدوا في الأرض } أي أرض مصر فإفساد خدمك وعبيدك { ويذرك وآلهتك } أي ويترك فلا يخدمك ولا يطيعك ويترك آلهتك فلا يعبدها إذ كان لفرعون أصنام يدعو الناس لعبادتها لتقربهم إليه وهو الرب الأعلى للكل . وبعد هذا التحريش والإِغراء من رجال فرعون ليبطش بموسى وقومه قال فرعون { سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم } كما كان يفعل قبل عندما أخبر بأن سقوط ملكه سيكون على يد بني إسرائيل { وإنا فوقهم قاهرون } هذه الكلمة من فرعون في هذا الظرف بالذات لا تعدو أن تكون تعويضاً عما فقد من جبروت ورهبوت كان له قبل هزيمته في المبارة وإيمان السحرة برب العالمين رب موسى وهارون . هذا ما دلت عليه الآية الأولى ( 127 ) وهي قوله تعالى { وقال الملأ من قوم فرعون : أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ، ويذرك وآلهتك . قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم ، وإنا فوقهم قاهرون } .
- خطر بطانة السوء على الملوك والرؤساء تجلت في إثارة فرعون ودفعه إلى البطش بقولهم { أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض . . . الخ } .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.