روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (92)

{ قَالَ لاَ تَثْرَيبَ } أي لا تأنيب ولا لوم { عَلَيْكُمْ } وأصله من الثرب وهو الشحم الرقيق في الجوف وعلى الكرش ، وصيغة التفعيل للسلب أي إزالة الثرب كالتجليد والتقريع بمعنى إزالة الجلد والقرع ، واستعير للوم الذي يمزق الاعراض ويذهب بهاء الوجه لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال وما لا يرضى كما أنه باللوم تظهر العيوب فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال وإزالة ما به الكمال والجمال وهو اسم { لا } و { عَلَيْكُمْ } متعلق بمقدر وقع خبراً ، وقوله تعالى : { اليوم } متعلق بذلك الخبر المقدر أو بالظرف أي لا تثريب مستقر عليكم اليوم ، وليس التقييد به لإفادة وقوع التثريب في غيره فإنه عليه السلام إذا لم يثرب أول لقائه واشتعال ناره فبعده بطريق الأولى . وقال المرتضى : إن { اليوم } موضوع موضع الزمان كله كقوله :

اليوم يرحمنا من كان يغبطنا *** واليوم نتبع من كانوا لنا تبعاً

كأنه أريد بعد اليوم ، وجوز الزمخشري تعلقه بتثريب وتعقبه أبو حيان قائلاً : لا يجوز ذلك لأن التثريب مصدر وقد فصل بينه وبين معموله بعليكم وهو إما خبر أو صفة ولا يجوز الفصل بينهما بنحو ذلك لأن معمول المصدر من تمامه ، وأيضاً لو كان متعلقاً به لم يجز بناؤه لأنه حينئذٍ من قبيل المشبه بالمضاف وهو الذي يسمى المطول والممطول فيجب أن يكون معرباً منوناً ، ولو قيل : الخبر محذوف و { عَلَيْكُمْ } متعلق بمحذوف يدل عليه تثريب وذلك المحذوف هو العامل في { اليوم } والتقدير لا تثريب يثرب عليكم اليوم كما قدروا في { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } [ هود : 43 ] أي لا عاصم يعصم اليوم لكان وجهاً قوياً لأن خبر { لا } إذا علم كثر حذفه عند أهل الحجاز ولم يلفظ به بنو تميم ، وكذا منع ذلك أبو البقاء وعلله بلزوم الإعراب والتنوين أيضاً ، واعترض بأن المصرح به في متون النحو بأن شبيه المضاف سمع فيه عدم التنوين نحو لا طالع جبلاً ووقع في الحديث " لا مانع لما أعطيت ولا معطى لما منعت " باتفاق الرواة فيه وإنما الخلاف فيه هل هو مبني أو معرب ترك تنوينه ، وفي التصريح نقلاً عن المغني أن نصب الشبيه بالمضاف وتنوينه هو مذهب البصريين ، وأجاز البغداديون لا طالع جبلاً بلا تنوين أجروه في ذلك مجرى المضاف كما أجروه مجراه في الإعراب وعليه يتخرج الحديث «لا مانع » الخ .

فيمكن أن يكون مبني ما قاله أبو حيان وغيره مذهب البصريين ، والحديث المذكور لا يتعين كما قال الدنوشرى أخذاً من كلام المغني في الجهة الثانية من الباب الخامس حمله على ما ذكر لجواز كون اسم { لا } فيه مفرداً واللام متعلقة بالخبر والتقدير لا مانع مانع لما أعطيت وكذا فيما بعده .

وذكر الرضي أن الظرف بعد النفي لا يتعلق بالمنفي بل بمحذوف وهو خبر وأن { اليوم } في الآية معمول { عَلَيْكُمْ } ويجوز العكس ، واعترض أيضاً حديث الفصل بين المصدر ومعموله بما فيه ما فيه ، وقيل : { عَلَيْكُمْ } بيان كلك في سقيا لك فيتعلق بمحذوف و { اليوم } خبر .

وجوز أيضاً كون الخبر ذاك و { اليوم } متعلقاً بقوله : { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } ونقل عن المرتضى أنه قال في «الدرر » : قد ضعف هذا قوم من جهة أن الدعاء لا ينصب ما قبله ولم يشتهر ذلك ، وقال ابن المنير : لو كان متعلقاً به لقطعوا بالمغفرة بإخبار الصديق ولم يكن كذلك لقوله : { يأَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا } [ يوسف : 97 ] وتعقب بأنه لا طائف تحته لأن المغفرة وهي ستر الذنوب يوم القيامة حتى لا يؤاخذوا به ولا يقرعوا إنما يكون ذلك الوقت وأما قبله فالحاصل هو الإعلام به والعلم بتحقق وقوعه بخبر الصادق لا يمنع الطلب لأن الممتنع طلب الحاصل لا طلب ما يعلم حصوله ، على أنه يجوز أن يكون هضماً للنفس واعتبر باستغفار الأنبياء عليهم السلام ، ولا فرق بين الدعاء والإخبار هنا انتهى .

وقد يقال أيضاً : إن الذي طلبوه من أبيهم مغفرة ما يتعلق به ويرجع إلى حقه ولم يكن عندهم علم بتحقق ذلك ، على أنه يجوز أن يقال : إنهم لم يعتقدوا إذ ذاك نبوته وظنوه مثلهم غير نبي فإنه لم يمض وقت بعد معرفة أنه يوسف يسع معرفة أنه نبي أيضاً وما جرى من المفاوضة لا يدل على ذلك فافهم ، وإلى حمل الكلام على الدعاء ذهب غير واحد وذهب جمع أيضاً إلى كونه خبراً . والحكم بذلك مع أنه غيب قيل : لأنه عليه السلام صفح عن جريمتهم حينئذٍ وهم قد اعترفوا بها أيضاً فلا محالة أنه سبحانه يغفر لهم ما يتعلق به تعالى وما يتعلق به عليه السلام بمقتضى وعده جل شأنه بقبول توبة العباد ، وقيل : لأنه عليه السلام قد أوحى إليه بذلك ، وأنت تعلم أن أكثر القراء على الوقف على { اليوم } وهو ظاهر في عدم تعلقه بيغفر وهو اختيار الطبري . وابن إسحاق . وغيرهم واختاروا كون الجملة بعد دعائية وهو الذي يميل إليه الذوق والله تعالى أعلم { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } فإن كل من يرحم سواه جل وعلا فإنما يرحم برحمته سبحانه مع كون ذلك مبنياً على جلب نفع أو دفع ضر ولا أقل من دفع ما يجده في نفسه من التألم الروحاني مما يجده في المرحوم ، وقيل : لأنه تعالى يغفر الصغائر والكبائر التي لا يغفرها غيره سبحانه ويتفضل على التائب بالقبول ، والجملة إما بيان للوثوق بإجابة الدعاء أو تحقيق لحصول المغفرة لأنه عفا عنهم فالله تعالى أولى بالعفو والرحمة لهم هذا .

ومن كرم يوسف عليه السلام ما روي أن إخوته أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرة وعشية ونحن نستحي منك بما فرط منا فيك فقال عليه السلام : إن أهل مصر وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلغ ولقد شرفت بكم الآن وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه السلام ، والظاهر أنه عليه السلام أنه حصل بذلك من العلم للناس ما لم يحصل قبل فإنه عليه السلام على ما دل عليه بعض الآيات السابقة والإخبار قد أخبرهم أنه ابن من وممن .

وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . وأبو الشيخ عن ابن عباس قال : قال الملك يوماً ليوسف عليه السلام أني أحب أن تخالطني في كل شيء إلا في أهلي وأنا آنف أن تأكل معي فغضب يوسف عليه السلام ، فقال : أنا أحق أن آنف أنا ابن إبراهيم خليل الله وأنا ابن إسحاق ذبيح الله وأنا ابن يعقوب نبي الله لكن لم يشتهر ذلك أو لم يفد الناس علماً . وفي التوراة التي بأيدي اليهود اليوم أنه عليه السلام لما رأى من إخوته مزيد الحجل أدناهم إليه وقال : لا يشق عليكم أن بعتموني وإلى هذا المكان أوصلتموني فإن الله تعالى قد علم ما يقع من القحط والجدب وما ينزل بكم من ذلك ففعل ما أوصلني به إلى هذا المكان والمكانة ليزيل عنكم بي ما ينزل بكم ويكون ذلك سبباً لبقائكم في الأرض وانتشار ذراريكم فيها وقد مضت من سني الجدب سنتان وبقي خمس سنين وأنا اليوم قد صيرني الله تعالى مرجعاً لفرعون وسيداً لأهله وسلطاناً على جميع أهل مصر فلا يضق عليكم أمركم .

( ومن باب الإشارة ثم إنه عليه السلام لما رأى اعترافهم واعتذارهم قال : { لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } [ يوسف : 92 ] وهذا من شرائط الكرم فالكريم إذا قدر عفا :

والعذر عند كرام الناس مقبول ***

وقال شاه الكرماني : من نظر إلى الخلق بعين الحق لم يعبأ بمخالفتهم ومن نظر إليهم بعينه أفنى أيامه بمخاصمتهم ، ألا ترى يوسف عليه السلام لما علم مجاري القضاء كيف عذر اخوته .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (92)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{قال} يوسف: {لا تثريب عليكم اليوم}، يقول: لا تعيير عليكم، لم يثرب عليهم بفعلهم القبيح، {يغفر الله لكم}، ما فعلتم، {وهو أرحم الراحمين} من غيره...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

يقول تعالى ذكره: قال يوسف لإخوته:"لا تَثْرِيبَ" يقول: لا تعيير عليكم ولا إفساد لما بيني وبينكم من الحُرْمة وحقّ الأخوّة، ولكن لكم عندي الصفح والعفو...

عن ابن إسحاق: "قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ": أي لا تأنيب عليكم اليوم عندي فيما صنعتم...

عن السديّ، قال: اعتذروا إلى يوسف، فقال: "لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ "يقول: لا أذكر لكم ذنبكم.

و قوله: "يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ" وهذا دعاء من يوسف لإخوته بأن يغفر الله لهم ذنبهم فيما أتوا إليه وركبوا منه من الظلم، يقول: عفا الله لكم عن ذنبكم وظلمكم، فستره عليكم، "وَهُوَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ" يقول: والله أرحم الراحمين لمن تاب من ذنبه وأناب إلى طاعته بالتوبة من معصيته...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

... (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ) أي لا تنغيص عليكم. وقيل أصل التثريب الإفساد؛ يقال: ثرب علينا الأمر: أفسده. وقال أبو عوسجة: التثريب الملامة؛ يقول: لا لوم عليكم في صنيعكم. وقال ابن عباس رضي الله عنه: (لا تثريب عليكم اليوم) أي لا أعيركم بعد هذا اليوم أبدا، ولا أعيده عليكم. وهو يحتمل هذين الوجهين:

أحدهما: لا تعيير عليكم، ولا ملامة؛ أي ليس في العقل تعيير ولا ملامة إذ أتيتم، وأقررتم بالخطأ. وهكذا كل من أذنب ذنبا أو ارتكب كبيرة، ثم انتزع عنها، وتاب منها، لا يعير هو عليه، ولا يلام...

والثاني قوله: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ) لا أعيركم -على ما قال ابن عباس رضي الله عنه- أي لا أذكر ما كان منكم إلينا. أمنهم عن أن يذكر شيئا مما كان منهم إليه...

(يغفر الله لكم) قطع فيه القول بالمغفرة حين أقروا بالخطايا وتابوا عما فعلوا وهكذا كل من تاب عن ذنب ارتكبه ونزع عنه أن يقطع القول فيه بالمغفرة والرحمة. (يغفر الله لكم) يخرج على الدعاء لهم وعلى الإخبار بالوحي أنه يغفر لهم، أو قد غفر لهم...

(وهو أرحم الراحمين) لأن كل من يرحم من الخلائق إنما يرحم برحمة منه إليه...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

...التثريب: تعليق الضرر بصاحبه من أجل جرم كان منه...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

أسرع يوسفُ في التجاوز عنهم، وَوَعَد يعقوبُ لهم بالاستغفار بقوله: {سَوْفَ أَستَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي} لأنه كان أشدَّ حباَ لهم فعاتبهم، وأما يوسف فلم يرهم أهلاً للعتاب فتجاوز عنهم على الوهلة... ويقال أصابهم -في الحال- مِنَ الخجلة مقام كلِّ عقوبة، ولهذا قيل: كفى للمقصِّر الحياءُ يوم اللقاء...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{لاَ تَثْرَيبَ عَلَيْكُمُ} لا تأنيب عليكم ولا عتب. وأصل التثريب من الثرب وهو الشحم الذي هو غاشية الكرش. ومعناه: إزالة الثرب، كما أن التجليد والتقريع إزالة الجلد والقرع، لأنه إذا ذهب كان ذلك غاية الهزال والعجف الذي ليس بعده، فضرب مثلا للتقريع الذي يمزق الأعراض ويذهب بماء الوجوه. فإن قلت بم تعلق اليوم؟ قلت: بالتثريب، أو بالمقدر في {عَلَيْكُمْ} من معنى الاستقرار. أو بيغفر. والمعنى: لا أثر بكم اليوم، وهو اليوم الذي هو مظنة التثريب، فما ظنكم بغيره من الأيام، ثم ابتدأ فقال {يَغْفِرُ الله لَكُمْ} فدعا لهم بمغفرة ما فرط منهم. يقال: غفر الله لك، ويغفر الله لك، على لفظ الماضي والمضارع جميعاً، ومنه قول المشمت «يهديكم الله ويصلح بالكم» و {اليوم يَغْفِرُ الله لَكُمْ} بشارة بعاجل غفران الله، لما تجدّد يومئذ من توبتهم وندمهم على خطيئتهم. وروي: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بعضادتي باب الكعبة يوم الفتح، فقال لقريش: ما ترونني فاعلاً بكم؟ قالوا: نظن خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم؛ وقد قدرت فقال: أقول ما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

وقوله: {لا تثريب عليكم} عفو جميل...

والتثريب: اللوم والعقوبة وما جرى معهما من سوء معتقد ونحوه...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

فكأنه قيل: ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم؟ فقيل: {قال} قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام {لا تثريب} أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك {عليكم اليوم} وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده!

...والتثريب: التقرير بالذنب، فهو إزالة ما على الإنسان من ساتر العفو، من الثرب وهو شحم يغشى الكرش والأمعاء ويسترهما، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها، فالتثريب إزالته، وذلك للقحط الناشئ عنه الهلاك، فأغلب مدار المادة الهلاك.

ولما أعفاهم من التثريب، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله، فأتبعه الجواب عن ذلك بالدعاء لهم بقوله: {يغفر الله} أي الذي له صفات الكمال {لكم} أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص التوبة، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران، فقال: {وهو} أي وحده {أرحم الراحمين} أي لجميع العباد ولا سيما التائب، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم...

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

يقابله يوسف بالصفح والعفو وإنهاء الموقف المخجل. شيمة الرجل الكريم. وينجح يوسف في الابتلاء بالنعمة كما نجح من قبل في الابتلاء بالشدة. إنه كان من المحسنين. (قال: لا تثريب عليكم اليوم. يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين).. لا مؤاخذة لكم ولا تأنيب اليوم. فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد له جذور. والله يتولاكم بالمغفرة وهو أرحم الراحمين...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

والظاهر أن منتهى الجملة هو قوله: {عليكم}، لأن مثل هذا القول مِمّا يجري مجرى المثل فيُبنى على الاختصار فيكتفي ب {لا تثريب} مثل قولهم: لا بأس، وقوله تعالى: {لا وزر} [القيامة: 11]. وزيادة {عليكم} للتأكيد مثل زيادة {لَك} بعد (سقياً ورعياً)، فلا يكون قوله: {اليوم} من تمام الجملة ولكنه متعلق بفعل {يغفر الله لكم}...

وأعقب ذلك بأن أعلمهُم بأن الله يغفر لهم في تلك الساعة لأنها ساعة توبة، فالذنب مغفور لإخبار الله في شرائعه السالفة دون احتياج إلى وحي سوى أن الوحي لمعرفة إخلاص توبتهم...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{لا تثريب عليكم اليوم}، التثريب، اللوم والتوبيخ، والرمي بالعار... ومعنى {لا تثريب عليكم اليوم}، أنه في اليوم الذي بدا نصر الله، وإعزازه لمن كنتم تريدون له الضياع أو الهوان، والرق، فإن ذلك يكفيكم عبرة، وبيانا لسوء مغبة أفعالكم، وأحقادكم، فلا توبيخ أكثر من معرفة النتيجة، ولكن بدل التوبيخ، واللوم محبة الإخوة، ومودة الأهل، ولذا قال بعدها، {يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين}، يطلب من الله تعالى لهم مما أساءوا إليه، والرحمة بهم عامة، وهكذا يكون الصفح الجميل الخالي من المن به، واللوم على ما فعلوا، فاستجاب حقا لأمر الله تعالى لأنبيائه {فاصفح الصفح الجميل} (الحجر 85)...

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :

أمّا يوسف الذي كانت نفسه تأبى أن يرى إخوته في حال الخجل والندامة خاصّة في هذه اللحظات الحسّاسة وبعد انتصاره عليهم أو لعلّه أراد أن يدفع عن أذهانهم ما قد يتبادر إليها من احتمال أن ينتقم منهم، فخاطبهم بقوله: (قال لا تثريب عليكم اليوم) أي أنّ العتاب والعقاب مرفوع عنكم اليوم، اطمئنوا وكونوا مرتاحي الضمير ولا تجعلوا للآلام والمصائب السابقة منفذاً إلى نفوسكم، ثمّ لكي يبيّن لهم أنّه ليس وحده الذي أسقط حقّه وعفا عنهم، بل إنّ الله سبحانه وتعالى أيضاً عفا عنهم حينما أظهروا الندامة والخجل قال لهم: (يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) أي إنّ الله سبحانه وتعالى قد قبل توبتكم وعفا عنكم لأنّه أرحم الراحمين. وهذا دليل على علو قدر يوسف وغاية فضله حيث إنّه لم يعف عن سيّئات إخوته فحسب، بل رفض حتّى أن يوبّخ ويعاتب إخوته فضلا عن أن يجازيهم ويعاقبهم إضافةً إلى هذا فإنّه طمأنهم على أنّ الله سبحانه وتعالى رحيم غفور وأنّه تعالى سوف يعفو عن سيّئاتهم، واستدل لهم على ذلك بأنّ الله سبحانه وتعالى هو أرحم الراحمين.

...