نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{قَالَ لَا تَثۡرِيبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡيَوۡمَۖ يَغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّـٰحِمِينَ} (92)

فكأنه قيل : ما قال لهم على قدرته وتمكنه مع ما سلف من إساءتهم ؟ فقيل : { قال } قول الكرام اقتداء بإخوانه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام { لا تثريب } أي لا لوم ولا تعنيف ولا هلاك { عليكم اليوم } وإن كان هذا الوقت مظنة اللوم والتأنيب{[42686]} ، فإذا انتفى ذلك فيه فما الظن بما بعده !

ومادة " ثرب " تدور على البرث{[42687]} - بتقديم الموحدة ، وهو أسهل الأرض وأحسنها{[42688]} ؛ والثبرة - بتقديم المثلثة : أرض ذات حجارة بيض ، فإنه يلزمه الإخلاد ، والدعة ، ومنه : ثابر على الأمر : داوم ، والمثبر - كمنزل : لمسقط{[42689]} الولد أي موضع ولادته ، والمقطع والمفصل ، فيأتي الكسل واللين فيأتي الفساد ، ومنه الثبور للهلاك ، والبثر{[42690]} بتقديم الموحدة : خراج معروف : والماء البثر{[42691]} : الذي بقى منه{[42692]} على الأرض شيء قليل ؛ والربث - بتقديم الموحدة أيضاً : حبس الإنسان ، وهو يرجع إلى الإقامة والدوام أيضاً ؛ والتثريب : التقرير بالذنب ، فهو{[42693]} إزالة ما على الإنسان{[42694]} من ساتر{[42695]} العفو ، من الثرب{[42696]} وهو شحم يغشى الكرش{[42697]} والأمعاء ويسترهما ، وهو من لوازم الأرض السهلة لما يلزم من خصبها ، فالتثريب إزالته ، وذلك للقحط الناشىء عنه الهلاك ، فأغلب مدار المادة الهلاك .

ولما أعفاهم من الترثيب ، كانوا في مظنة السؤال عن كمال العفو المزيل للعقاب من الله ، فأتبعه الجواب{[42698]} عن ذلك بالدعاء لهم بقوله : { يغفر الله } أي الذي له صفات الكمال { لكم } أي ما فرط منكم وما لعله يكون بعد هذا ؛ ولعله عبر في هذا الدعاء بالمضارع إرشاداً لهم إلى إخلاص{[42699]} التوبة ، ورغبهم في ذلك ورجاهم بالصفة التي هي سبب الغفران ، فقال : { وهو } أي وحده { أرحم الراحمين * } أي لجميع{[42700]} العباد ولا سيما التائب ، فهو جدير بإدرار النعم بعد الإعاذة من النقم ، وروى أنهم أرسلوا إليه أنك لتدعونا{[42701]} إلى طعامك وكرامتك بكرة وعشياً ونحن نستحي لما فرط منا ، فقال : إن أهل مصر ينظرونني{[42702]} - وإن ملكت فيهم - بعين العبودية فيقولون : سبحان من بلغ عبداً بيع{[42703]} بعشرين درهماً ما بلغ ، ولقد شرفت الآن بكم وعظمت في العيون حيث علم الناس أنكم إخوتي ، وأني من ذرية إبراهيم عليه الصلاة والسلام .


[42686]:من ظ، وفي الأصل و م ومد: التأنيث- كذا.
[42687]:من م والقاموس، وفي الأصل و ظ ومد: الثرب- كذا.
[42688]:في ظ: أسهلها.
[42689]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: المسقط.
[42690]:زيد من م ومد.
[42691]:من م واللسان، وفي الأصل و ظ ومد: الثبر.
[42692]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: معه.
[42693]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: وهو.
[42694]:من م، وفي الأصل: وأساير، وفي ظ ومد: من ساير.
[42695]:من م، وفي الأصل: وأساير، وفي ظ ومد: من ساير.
[42696]:في م: الترب.
[42697]:من ظ و م ومد والقاموس، وفي الأصل: الكرس.
[42698]:سقط من ظ و م.
[42699]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: خلاص.
[42700]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: جميع.
[42701]:من ظ، وفي الأصل: لدعوتنا، وفي م ومد: تدعونا.
[42702]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لم ينظرونني- كذا.
[42703]:زيد من م.