روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا} (29)

{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } تمثيلان لمنع الشحيح وإسراف المبذر زجراً لهما عنهما وحملا على ما بينهما من الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط وذلك هو الجود الممدوح فخير الأمور أوساطها وأخرج أحمد وغيره عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما عال من اقتصد " وأخرج البيهقي عن ابن عمر قال قال رسول الله عليه الصلاة والسلام : " الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة " وفي رواية عن أنس مرفوعاً " التدبير نصف المعيشة والتودد نصف العقل والهم نصف الهرم وقلة العيال أحد اليسارين " وكان يقال حسن التدبير مع العفاف خير من الغنى مع الإسراف { فَتَقْعُدَ مَلُومًا } أي فتصير ملوماً عند الله تعالى وعند الناس { مَّحْسُوراً } نادماً مغموماً أو منقطعاً بك لا شيء عندك من حسرة السفر أعياه وأوقفه حتى انقطع عن رفقته ، قال الراغب : يقال للمعي حاسر ومحصور أما الحاسر فتصور أنه قد حصر بنفسه قواه وأما المحسور فتصور أن التعب قد حسره وهذا بيان قبح الإسراف المفهوم من النهي الأخير ، وبين في أثره لأن غائلة الإسراف في رخره وحيث كان قبح الشح المفهوم من النهي الأول مقارناً له معلوماً من أول الأمر روعي ذلك في التصور بأقبح الصور ولم يسلك فيه مسلك ما بعده كذا قيل ، وفي أثر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أخرجه عنه ابن جرير . وابن أبي حاتم ما يقتضيه ، وقال بعض المحققين : الأولى : أن يكون ذلك بياناً لقبح الأمرين ويعتبر التوزيع { فَتَقْعُدَ } منصوب في جواب النهيين والملوك راجع إلى قوله تعالى : { وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ } كما قيل :

إن البخيل ملوم حيثما كانا . . . والمحسور راجع إلى قوله سبحانه : { وَلاَ تَبْسُطْهَا } وليس ببعيد . وفي «الكشاف » عن جابر " بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس إذ أتاه صبي فقال : إن أمي تستكسيك درعاً فقال : من ساعة إلى ساعة يظهر فعد إلينا فذهب إلى أمه فقالت : قل له إن أمي تستكسيك الدرع الذي عليك فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزع قميصه وأعطاه وقعد عرياناً وأذن بلال وانتظر فلم يخرج عليه الصلاة والسلام إلى الصلاة فنزلت " وأنت تعلم أنه يأبى هذا كون السورة مكية والآية ليست من المستثنيات ولعل الخبر لم يثبت فعن ولي الدين العراقي أنه لم يجده في شيء من كتب الحديث أي بهذا اللفظ وإلا فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود قال : جاء غلام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : إن أمي تسألك كذا وكذا فقال : ما عندنا اليوم شيء قال : فتقول لك اكسني قميصك فخلع عليه الصلاة والسلام قميصه فدفعه إليه وجلس في البيت حاصراً فنزلت ، وأخرج ابن أبي حاتم عن المنهال ابن عمرو ونحوه وليس في شيء منهما حديث أذان بلال وما بعده ، وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وعيينة بن حصن الفزاري فجاء عباس بن مرداس فأنشأ يقول :

أتجعل نهبي ونهب العبي . . . د بين عيينة والأقرع

وما كان حصن ولا حابس . . . يفوقان مرداس في مجمع

وما كنت دون امرء منهما . . . ومن يخفض اليوم لم يرفع

فقال صلى الله عليه وسلم : يا أبا بكر اقطع لسانه عني أعطه مائة من الإبل وكانوا جميعاً من المؤلفة قلوبهم فنزلت ، وفيه الآباء السابق كما لا يخفى ، وكذا ما أخرجه سعيد بن منصور . وابن المنذر عن سيار أبي الحكم قال : أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بز من العراق وكان معطاء كريماً فقسمه بين الناس فبلغ ذلك قوماً من العرب فقالوا : نأتي النبي صلى الله عليه وسلم نسأله فوجدوه قد فرغ منه فأنزل الله تعالى الآية .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } [ الإسراء : 29 ] فيه إشارة للمشايخ كيف يكونون مع المريدين أي لا يبخل على المريد بنشر فضائل المعرفة وحقائق القربة ولا تذكر شيئاً لا يتحمله فيهلك وكن بين بين

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{وَلَا تَجۡعَلۡ يَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومٗا مَّحۡسُورًا} (29)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

ثم علمهم كيف يعمل في النفقة، فقال سبحانه: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك}، يقول: ولا تمسك يدك من البخل عن النفقة في الحق،

{ولا تبسطها}، يعني: في العطية،

{كل البسط} فلا تبقي عندك، فإن سئلت لم تجد ما تعطيهم.

{فتقعد ملوما}، يلومك الناس،

{محسورا}، يعني: منقطعا بك...

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

هذا مثلٌ ضربه الله تبارك وتعالى للممتنع من الإنفاق في الحقوق التي أوجبها في أموال ذوي الأموال، فجعله كالمشدودة يده إلى عنقه، الذي لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. وإنما معنى الكلام: ولا تمسك يا محمد يدك بخلاً عن النفقة في حقوق الله، فلا تنفق فيها شيئا إمساك المغلولة يده إلى عنقه، الذي لا يستطيع بسطها "وَلا تَبْسُطْها كُلّ البَسْطِ "يقول: ولا تبسطها بالعطية كلّ البسط، فتَبقى لا شيء عندك، ولا تجد إذا سئلت شيئا تعطيه سائلك "فَتَقْعُدَ مَلُوما مَحْسُورا" يقول: فتقعد يلومك سائلوك إذا لم تعطهم حين سألوك، وتلومك نفسك على الإسراع في مالك وذهابه، "محسورا" يقول: مَعِيبا، قد انقُطِع بك، لا شيء عندك تنفقه. وأصله من قولهم للدابة التي قد سير عليها حتى انقَطَع سيرها، وكلّت ورَزحَت من السير، بأنه حَسِير...

تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :

{ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك} في الإنفاق إذا كان عندك {ولا تبسطها كل البسط} لا لئلا يلومك من رجاك، ولكن لما قال: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يفتروا} الآية (الفرقان: 67) أمر الله تعالى أن ينفقوا نفقة، ليس فيها سرف ولا إقتار. وقال بعضهم: هذا نهي عن البخل والسرف...

{فتقعد ملوما محسورا}... وقال أبو عوسجة: هو من الحسرة، وهي الندامة...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

" ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك "أي لا تكن ممن لا يعطي شيئا ولا يهب، فتكون بمنزلة من يده مغلولة إلى عنقه، لا يقدر على الإعطاء، وذلك مبالغة في النهي عن الشح والإمساك.

"ولا تبسطها كل البسط "أي ولا تعط أيضا جميع ما عندك، فتكون بمنزلة من بسط يده حتى لا يستقر فيها شيء وذلك كناية عن الإسراف...

"فتقعد ملوما محسورا" معناه إن أمسكت قعدت ملوما عند العقلاء مذموما، وإن أسرفت بقيت محسورا، أي مغموما متحسرا، وأصل الحسر الكشف من قولهم، حسر عن ذراعيه يحسر حسرا، إذا كشف عنهما. والحسرة: الغم لانحسار ما فات...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

لا تُمْسِكْ عن الإعطاء فَتُكْدِي، ولا تُسْرِفْ في البذلِ بكثرة ما تُسْدِي، واسْلُكْ بين الأمرين طريقاً وَسَطاً...

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

هذا تمثيلٌ لمنع الشحيح وإعطاء المسرف، وأمرٌ بالاقتصاد الذي هو بين الاسراف والتقتير...

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :

واستعير لليد التي تستنفد جميع ما عندها غاية البسط ضد الغل، وكل هذا في إنفاق الخير، وأما إنفاق الفساد فقليله وكثيره حرام... وإنما نهت هذه الآية عن استفراغ الوجد فيما يطرأ أولاً من سؤال المؤمنين لئلا يبقى من يأتي بعد ذلك لا شيء له أو لئلا يضيع المنفق عيالاً ونحوه،... ومن كلام الحكمة: ما رأيت قط سرفاً إلا ومعه حق مضيع، وهذه من آيات فقه الحال، ولا يبين حكمها إلا باعتبار شخص من الناس...

أحكام القرآن لابن العربي 543 هـ :

... يؤَولُ مَعْنَى الْكَلَامِ إلَى أَوْجُهٍ ثَلَاثَةٍ:

الْأَوَّلُ: لَا يَمْتَنِعُ عَنْ نَفَقَتِهِ فِي الْخَيْرِ، وَلَا يُنْفِقُ فِي الشَّرِّ.

الثَّانِي: لَا يَمْنَعُ حَقَّ اللَّهِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ الْوَاجِبَ؛ لِئَلَّا يَأْتِيَ مَنْ يَسْأَلُ، فَلَا يَجِدُ عَطَاءً.

الثَّالِثُ: لَا تُمْسِكْ كُلَّ مَالِك، وَلَا تُعْطِ جَمِيعَهُ، فَتَبْقَى مَلُومًا فِي جِهَاتِ الْمَنْعِ الثَّلَاثِ...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

وحاصل الكلام: أن الحكماء ذكروا في كتب «الأخلاق» أن لكل خلق طرفي إفراط وتفريط وهما مذمومان، فالبخل إفراط في الإمساك، والتبذير إفراط في الإنفاق وهما مذمومان، والخلق الفاضل هو العدل والوسط...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

لما أمر بالجود الذي هو لازم الكرم، نهى عن البخل الذي هو لازم اللوم، في سياق ينفر منه ومن الإسراف، فقال ممثلاً لهما بادئاً بمثال الشح: {ولا تجعل يدك} بالبخل {مغلولة} أي كأنها بالمنع مشدودة بالغل {إلى عنقك} لا تستطيع مدها {ولا تبسطها} بالبذل {كل البسط} فتبذر {فتقعد} أي توجد كالمقعد، بالقبض {ملوماً} أي بليغ الرسوخ فيما تلام بسببه عند الله، لأن ذلك مما نهى عنه، وعند الناس، وبالبسط {محسوراً} منقطعاً بك لذهاب ما تقوى به وانحساره عنك، وكل من الحالتين مجاوز لحد الاعتدال...

مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير لابن باديس 1359 هـ :

وبهذا يعلم أن "كل البسط "المنهي عنه هنا غير التبذير المنهي عنه في الآية المتقدمة: ذاك توزيع المال و تبديده في غير وجوهه، وهذا التجاوز في الإنفاق المطلوب والتوسع في الإنفاق المأذون حتى يبقى بلا شيء... (فتقعد ملوما محسورا). فالبخيل الممسك ملوم من الله تعالى. ومن العباد إذا من لم تلمه نفسه الخبيثة لموت قلبه. على أنه سيلوم هو نفسه بعد الموت. والمسرف ملوم من الجميع، و من نفسه بعد ضياع ما في يده... (والمحسور)، المتعب المضنى، الذي انكشفت عنه القوة، ولم تبق به قدرة على شيء، تقول العرب: حسرت البعير أي أنضيته و أتعبته بالسير، حتى لم تبق به قدرة عليه. والجمل لا يقطع الطريق و يصل إلى الغاية إلا إذا حافظ صاحبه على ما فيه من قوة؛ فسار به سيرا وسطا. أما إذا أجهده واستنزف قوته، فإنه يسقط كليلا محسورا: فلا قطع طريقه، ولا وصل منزله، ولا أبقى جمله. فكذلك الإنسان في طريق هذه الحياة محتاج إلى قوة المال، فإذا أنفقه بحكمة نفع به وانتفع، و بلغ غاية حياته هادئا رضيا، و إذا بسط يده فيه كل البسط أتى عليه فانقطع النفع و الانتفاع، ولم يبلغ غاية حياته إلا بأتعاب و مشاق.

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

التوازن هو القاعدة الكبرى في النهج الإسلامي، والغلو كالتفريط يخل بالتوازن. والتعبير هنا يجري على طريقة التصوير؛ فيرسم البخل يدا مغلولة إلى العنق، ويرسم الإسراف يدا مبسوطة كل البسط لا تمسك شيئا، ويرسم نهاية البخل ونهاية الإسراف قعدة كقعدة الملوم المحسور. والحسير في اللغة الدابة تعجز عن السير فتقف ضعفا وعجزا. فكذلك البخيل يحسره بخله فيقف. وكذلك المسرف ينتهي به سرفه إلى وقفة الحسير. ملوما في الحالتين على البخل وعلى السرف، وخير الأمور الوسط...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

عود إلى بيان التبذير والشح، فالجملة عطف على جملة {ولا تبذر تبذيراً} [الإسراء: 26]. ولولا تخلل الفصل بينهما بقوله؛ {وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك} [الإسراء: 28] الآية لكانت جملة ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك غَيْر مقترنة بواو العطف لأن شأن البيان أن لا يعطف على المبين، وأيضاً على أن في عطفها اهتماماً بها يجعلها مستقلة بالقصد لأنها مشتملة على زيادة على البيان بما فيها من النهي عن البخل المقابل للتبذير... وبضده [أي البخيل] مُثِّلَ المسرف بباسط يده غاية البسط ونهايته وهو المفاد بقوله: {كل البسط} أي البسطَ كله الذي لا بسط بعده، وهو معنى النهاية...

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

{ولا تبسطها كل البسط} ومعنى بسط اليد فتحها بحيث لا تقبض شيئا يستولي على ما فيها من يستحق ومن لا يستحق فلا ينضبط عطاؤه، بل ينفق من غير ضابط يضبط، وقد شبه المسرف بمن تبسط يده يؤخذ ما فيها من غير إرادة صاحبها ومن غير تقديره، ومن غير تعرف من يستحق فيعطيه، ومن لا يستحق فيمنعها، بجامع ضياع المال من غير إرادة حكيمة مقدرة، تضع الندى في موضع المندى، وتمنع من يستحق المنع...

التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :

وإزالة لكل التباس يمكن أن يقع فيه الناس اهتم كتاب الله بتوضيح أن الأمر بالبر والإحسان لا يقتضي حتما إنفاق كل ما يملكونه في هذا السبيل، فضلا عن غيره من السبل، تاركين أنفسهم وأهليهم عالة يتكففون الناس، فالإسلام ملة وسط، وأمته أمة وسط، وتكليفه تكليف وسط، وهو يكره الإفراط والتفريط في جميع المجالات، ولذلك ندد بالتبذير، كما ندد بالتقتير، ودعا إلى التزام التوسط بين بسط اليد وقبضها، لأن بسط اليد بالمرة يعرض الإنسان للوم الغير، ممن لهم عليه حقوق أصبحت ضائعة كالأهل والأولاد، ويعرضه للحسرة والندامة والهم المقيم...