روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا} (6)

وقوله : { يرثني وَيَرِثُ مِنْ ءالِ يَعْقُوبَ } صفة لوليا كما هو المتبادر من الجمل الواقعة بعد النكرات ، ويقال : ورثه وورث منه لغتان كما قيل ، وقيل من للتبعيض لا للتعدية ، وآل الرجل خاصته الذين يؤل إليه أمرهم للقرابة أو الصحبة أو الموافقة في الدين ، ويعقوب على ما روى عن السدي هو يعقوب بن إسحق بن إبراهيم فإن زكريا من ولد هرون وهو من ولدي لاوي بن يعقوب وكان متزوجاً باخت مريم بنت عمران وهي من ولد سليمان بن داود عليهما السلام وهو من ولد يهوذ بن يعقوب أيضاً . وقال الكلبي : ومقاتل : هو يعقوب بن ماثان وأخوه عمران بن ماثان أبو مريم . وقيل : هو أخو زكريا عليه السلام والمراد من الوراثة في الموضعين العلم على ما قيل .

وقال الكلبي : كان بنو ماثان رؤس بني إسرائيل وملوكهم وكان زكريا عليه السلام رئيس الأحبار يومئذ فأراد أن يرثه ولده الحبورة ويرث من بني ماثان ملكهم فتكون الوراثة مختلفة في الموضعين وأيد ذلك بعدم اختيار العطف على الضمير المنصوب والاكتفاء بيرث الأول ، وقيل الوراثة الأولى وراثة النبوة والثانية وراثة الملك فتكون مختلفة أيضاً إلى أن قوله : { واجعله رَبّ رَضِيّاً } أي مرضياً عندك قولاً وفعلاً ، وقيل راضياً والأول أنسب يكون على هذا تأكيداً لأن النبي شأنه أن يكون كذبك ، وعلى ما قلنا يكون دعاء بتوفيقه للعمل كما أن الأول متضمن للدعاء بتوفيقه للعلم فكأنه طلب أن يكون ولده عالماً عاملاً ، وقيل : المراد اجعله مرضياً بين عبادك أي متبعاً فلا يكون هناك تأكيد مطلقاً ، وتوسيط { رَبّ } بين مفعولي الجعل على سائر الأوجه للمبالغة في الاعتناء بشأن ما يستدعيه .

واختار السكاكي أن الجملتين مستأنفتان استئنافاً بيانياً لأنه يرد أنه يلزم على الوصفية أن لا يكون قد وهب لزكريا عليه السلام من وصف لهلاك يحيى عليه السلام قبل هلاكه لقتل يحيى عليه السلام قبل قتله . وتعقب ذلك في «الكشف » بأنه مدفوع بأن الروايات متعارضة والأكثر على هلاك زكريا قبله عليهما السلام ، ثم قال : وأما الجواب بأنه لا غضاضة في أن يستجاب للنبي بعض ما سأل دون بعض ألا ترى إلى دعوى نبينا صلى الله عليه وسلم في حق أمته حيث قال عليه الصلاة والسلام : " وسألته أن لا يذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها " وإلى دعوة إبراهيم عليه السلام في حق أبيه فإنما يتم لو كان المحذور ذلك وإنما المحذور لزوم الخلف في خبره تعالى فقد قال سبحانه وتعالى في الأنبياء : { فاستجبنا لَهُ } [ الأنبياء : 76 ، 84 ، 88 ، 90 ] وهو يدل على أنه عليه السلام أعطى ما سأل من غير تفرقة بين بعض وبعض وكذلك سياق الآيات الأخر .

ولك أن تستدل بظاهر هذه الآية على ضعف رواية من زعم أن يحيى هلك قبل أبيه عليهما السلام ، وأما الايراد بأن ما اختير من الحمل على الاستئناف لا يدفع المحذور لأنه وصل معنوي فليس بشيء لأن الوصل ثابت ولكنه غير داخل في المسؤول لأنه بيان العلة الباعثة على السؤال ولا يلزم أن يكون علة السؤال مسؤلة انتهى .

وأجاب بعضهم بأنه حيث كان المراد من الوراثة هنا وراثة العلم لا يضر هلاكه قبل أبيه عليهما السلام لحصول الغرض وهو أخذ ذلك وإفاضته على الغير بحيث تبقى آثاره بعد زكريا عليه السلام زماناً طويلاً ولا يخفى أن المعروف بقاء ذات الوارث بعد الموروث عنه .

وقرأ أبو عمرو . والكسائي . والزهري . والأعمش . وطلحة . واليزيدي . وابن عيسى الأصفهاني . وابن محيصن . وقتادة بجزم الفعلين على أنهما جواب الدعاء ؛ والمعنى أن تهب لي ذلك يرثني الخ ، والمراد أنه كذلك في ظني ورجائي ، وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه . وابن عباس . وجعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهم والحسن . وابن يعمر . والجحدري . وأبو حرب بن أبي الأسود . وأبو نهيك { يَرِثُنِى } بالرفع { وأرث } فعلاً مضارعاً من ورث وخرج ذلك على أن المعنى يرثني العلم وأرث أنا به الملك من آل يعقوب وذلك بجعل وراثة الولي الملك وراثة لزكريا عليه السلام لأن رفعة الولد رفعة للوالد والواو لمطلق الجمع ، وقال بعضهم : والواو للحال والجملة حال من أحد الضميرين ، وقال «صاحب اللوامح » : فيه تقديم ومعناه فهب لي ولياً من آل يعقوب يرثني النبوة إن مت قبله وأرثه ماله إن مات قبلي وفيه ما ستعلمه إن شاء الله تعالى قريباً ، ونقل عن علي كرم الله تعالى وجهه . وجماعة أنهم قرؤوا { يرثني وارث )برفع وارث ، بزنة فاعل على أنه فاعل يرثني على طريقة التجريد كما قال أبو الفتح . وغيره أي يرثني ولي من ذلك الولي أو به فقد جرد من الولي ولياً كما تقول رأيت منه أو به أسداً ، وعن الجحدري أنه قرأ { وأرث } بإمالة الواو ، وقرأ مجاهد { أَوْ } تصغير وارث وأصله وويرث بواوين الأولى فاء الكلمة الأصلية والثانية بدل ألف فاعل لأنها تقلب واواً في التصغير كضويرب ولما وقعت الواو مضمومة قبل أخرى في أوله قلبت همزة كما تقرر في التصريف ونقل عنه أنه قال التصغير لصغيره فإنه عليه السلام تورث عنهم أموالهم لأن الوراثة حقيقية في وراثة المال ولا داعي إلى الصرف عن الحقيقة ، وقد ذكر الجلال السيوطي في «الذر المنثور » عن ابن عباس . ومجاهد وعكرمة . وأبي صالح أنهم قالوا في الآية : يرثني مالي وأخرج عبد الرزاق . وعبد بن حميد . وابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن أنه صلى الله عليه وسلم قال في الآية : يرحم الله تعالى أخي زكريا ما كان عليه من ورثة وفي رواية ما كان عليه ممن يرث ماله ، وقال بعضهم : إن الوراثة ظاهرة في ذلك ولا يجوز ههنا حملها على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله : { يَعْقُوبَ واجعله رَبّ رَضِيّاً } ولا على وراثة العلم لأنه كسبي والموروث حاصل بلا كسب .

ومذهب أهل السنة أن الأنبياء عليهم السلام لا يرثون مالاً ولا يورثون لما صح عندهم من الأخبار .

وقد جاء ذلك أيضاً من طريق الشيعة فقد روى الكليني في الكافي عن أبي البختري عن أبي عبد الله جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه أنه قال : إن العلماء ورثة الأنبياء وذلك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً وإنما ورثوا أحاديث من أحاديثهم فمن أخذ بشيء منها فقد أخذ بحظ وافر ، وكلمة إنما مفيدة للحصر قطعاً باعتراف الشيعة ، والوراثة في الآية محمولة على ما سمعت ولا نسلم كونها حقيقة لغوية في وراثة المال بل هي حقيقة فيما يعم وراثة العلم والمنصب والمال وإنما صارت لغلبة الاستعمال في عرف الفقهاء مختصة بالمال كالمنقولات العرفية ولو سلمنا أنها مجاز في ذلك فهو مجاز متعارف مشهور خصوصاً في استعمال القرآن المجيد بحيث يساوي الحقيقة ، ومن ذلك قوله تعالى : { ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا مِنْ عِبَادِنَا } [ فاطر : 32 ] وقوله تعالى : { فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُواْ الكتاب } [ الأعراف : 169 ] وقوله تعالى : { إِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ } [ الشورى : 14 ] وقوله تعالى : { إِنَّ الأرض للَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } [ الأعراف : 128 ] { ولله ميراث السموات والأرض } [ آل عمران : 180 ] قولهم لا داعي إلى الصرف عن الحقيقة قلنا : الداعي متحقق وهي صيانة قول المعصوم عن الكذب ودون تأويله خرط القتاد ، والآثار الدالة على أنهم يورثون المال لا يعول عليها عند النقاد ، وزعم البعض أنه لا يجوز حمل الوراثة هنا على وراثة النبوة لئلا يلغو قوله : { واجعله رَبّ رَضِيّاً } قد قدمنا ما يعلم منه ما فيه . وزعم أن كسبية الشيء تمنع من كونه موروثاً ليس بشيء فقد تعلقت الوراثة بما ليس بكسبي في كلام الصادق ، ومن ذلك أيضاً ما رواه الكليني في الكافي عن أبي عبد الله رضي الله تعالى عنه قال : إن سليمان ورث داود وإن محمداً صلى الله عليه وسلم ورث سليمان عليه السلام فإن وراثة النبي صلى الله عليه وسلم سليمان عليه السلام لا يتصور أن تكون وراثة غير العلم والنبوة ونحوهما ، ومما يؤيد حمل الوراثة هنا على وراثة العلم ونحوه دون المال أنه ليس في الأنظار العالية والهمم العلياء للنفوس القدسية التي انقطعت من تعلقات هذا العالم المتغير الفاني واتصلت بالعالم الباقي ميل للمتاع الدنيوي قدر جناح بعوضة لاسيما جناب زكريا عليه السلام فإنه كان مشهوراً بكمال الانقطاع والتجرد فيستحيل عادة أن يخاف من وراثة المال والمتاع الذي ليس له في نظره العالي أدنى قدر أو يظهر من أجله الكلف والحزن والخوف ويستدعي من حضرة الحق سبحانه وتعالى ذلك النحو من الاستدعاء وهو يدل على كمال المحبة وتعلق القلب بالدنيا ، وقالت الشيعة : إنه عليه السلام خاف أن يصرف بنو عمه ماله بعد موته فيما لا ينبغي فطلب لو الوارث المرضي لذلك ، وفيه أن ذلك مما لا يخاف منه إذ الرجل إذا مات وانتقل ماله بالوراثة إلى آخر صار المال مال ذلك الآخر فصرفه على ذمته صواباً أو خطأ ولا مؤاخذة على الميت من ذلك الصرف بل لا عتاب أيضاً مع أن دفع هذا الخوف كان ميسراً له عليه السلام بأن يصرفه قبل موته ويتصدق به كله في سبيل الله تعالى ويترك بني عمه الأشرار خائبين لسوء أحوالهم وقبح أفعالهم .

وللأنبياء عليهم السلام عند الشيعة خبر بزمن موتهم وتخيير فيه فما كان له خوف موت الفجأة أيضاً فليس قصده عليه السلام من مسألة الولد سوى إجراء أحكام الله تعالى وترويج الشريعة وبقاء النبوة في أولاده فإن ذلك موجب لتضاعف الأجر إلى حيث شاء الله تعالى من الدهر ، ومن أنصف لم يتوقف في قبول ذلك والله تعالى الهادي لأقوم المسالك .

 
الجامع التاريخي لبيان القرآن الكريم - مركز مبدع [إخفاء]  
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا} (6)

تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :

{يرثني}، يرث مالي، {ويرث من ءال يعقوب}... علمهم، ورياستهم في الأحبار... {واجعله رب رضيا}، يعن: صالحا.

جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :

وقوله:"يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ" يقول: يرثني من بعد وفاتي مالي، ويرث من آل يعقوب النبوّة، وذلك أن زكريا كان من ولد يعقوب...

وقوله: "وَاجْعَلْهُ رَبّ رَضِيّا "يقول: واجعل يا ربّ الوليّ الذي تهبه لي مرضيا ترضاه أنت ويرضاه عبادك دينا وخُلُقا وخَلْقا...

التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :

والميراث: تركة الميت ما كان يملكه لمن بعده من مستحقيه بحكم الله فيه... و (الآل) خاصة الرجل الذين يؤول أمرهم إليه...

وقد يرجع اليه أمرهم بالقرابة تارة وبالصحبة أخرى، وبالدين والموافقة، ومنه قيل: آل النبي صلى الله عليه وآله... وقوله "واجعله رب رضيا "والجعل على أربعة أقسام: أحدها -بمعنى الإحداث كقولهم جعل البناء أي أحدثه. والثاني- إحداث ما يتغير به، كقولهم: جعل الطين خزفا أي أحدث ما به يتغير. الثالث -أن يحدث فيه حكما، كقولهم: جعل فلان فلانا فاسقا أي بما أحدث فيه من حكمه وتسميته. الرابع- أن يحدث ما يدعوه إلى أن يفعل،كقولهم: جعله يقتل زيدا، أي بما أمره به ودعاه إلى قتله. ومعنى "واجعله رب رضيا" أي اجعل ذلك الولي الذي يرثني مرضيا عندك ممتثلا لأمرك عاملا بطاعتك...

لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :

{يرثني} دليلٌ على أنه كما سأل الولدَ سأل بقاء ولده؛ فقال: ولداً يكون وارثاً لي؛ أي يبقى بَعْدِي، ويرث من آل يعقوب النبوةَ وتبليغ الرسالة. واجعله ربِّ رضياً: رَضِي فعيل بمعنى مفعول أي ترضى عنه فيكون مَرْضِيَّاً لك. ويحتمل أن يكون مبالغة من الفاعل أي راضياً منك، وراضياً بتقديرك.

الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :

{يَرِثُنِي وَيَرِثُ}... والمراد بالإرث إرث الشرع والعلم، لأنّ الأنبياء لا تورّث المال. وقيل: يرثني الحبورة وكان حبراً، ويرث من آل يعقوب الملك. يقال: ورثته وورثت منه لغتان. وقيل «من» للتبعيض لا للتعدية، لأنّ آل يعقوب لم يكونوا كلهم أنبياء ولا علماء...

مفاتيح الغيب للرازي 606 هـ :

واختلفوا في المراد بالميراث على وجوه؛

أحدها: أن المراد بالميراث في الموضعين هو وراثة المال وهذا قول ابن عباس والحسن والضحاك.

وثانيها: أن المراد به في الموضعين وراثة النبوة وهو قول أبي صالح.

وثالثها: يرثني المال ويرث من آل يعقوب النبوة وهو قول السدي ومجاهد والشعبي وروي أيضا عن ابن عباس والحسن والضحاك.

ورابعها: يرثني العلم ويرث من آل يعقوب النبوة وهو مروي عن مجاهد واعلم أن هذه الروايات ترجع إلى أحد أمور خمسة وهي: المال ومنصب الحبورة والعلم والنبوة والسيرة الحسنة، ولفظ الإرث مستعمل في كلها...

نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :

{يرثني} في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل {ويرث} زيادة على ذلك {من ءال يعقوب} جدنا مما خصصتهم به من المنح، وفضلتهم به من النعم، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام {ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب} [يوسف: 6] ولأن إسرائيل صار علماً على الأسباط كلهم، وكانت قد غلبت عليهم الأحداث... {واجعله رب} أي أيها المحسن إلي {رضياً} أي بعين الرضا منك دائماً حتى يلقاك على ذلك.

تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :

أي: عبدا صالحا ترضاه وتحببه إلى عبادك، والحاصل أنه سأل الله ولدا، ذكرا، صالحا، يبقى بعد موته، ويكون وليا من بعده، ويكون نبيا مرضيا عند الله وعند خلقه، وهذا أفضل ما يكون من الأولاد، ومن رحمة الله بعبده، أن يرزقه ولدا صالحا، جامعا لمكارم الأخلاق ومحامد الشيم. فرحمه ربه واستجاب دعوته فقال: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا}

في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :

ذلك ما يخشاه. فأما ما يطلبه فهو الولي الصالح، الذي يحسن الوراثة، ويحسن القيام على تراثه وتراث النبوة من آبائه وأجداده: (فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب). ولا ينسى زكريا، النبي الصالح، أن يصور أمله في ذلك الوريث الذي يرجوه في كبرته: (واجعله رب رضيا) لا جبارا ولا غليظا، ولا متبطرا ولا طموعا. ولفظة (رضي) تلقي هذه الظلال. فالرضي الذي يرضى ويرضي. وينشر ظلال الرضى فيما حوله ومن حوله. ذلك دعاء زكريا لربه في ضراعة وخفية. والألفاظ والمعاني والإيقاع الرخي. كلها تشارك في تصوير مشهد الدعاء...

التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :

{يَرِثُني} يعني به وراثة ماله... والظواهر تؤذن بأن الأنبياء كانوا يُورَثون، قال تعالى: {وورث سليمان داوود} [النمل: 16]. وأما قول النبيء صلى الله عليه وسلم "نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركْنَا صدقةٌ "فإنما يريد به رسول الله نفسَه، كما حمله عليه عُمر في حديثه مع العبّاس وعليّ في « صحيح البخاري» إذ قال عمر: « يريد رسول الله بذلك نفسه»، فيكون ذلك من خصوصيات محمد صلى الله عليه وسلم فإن كان ذلك حكماً سابقاً كان مراد زكرياء إرث آثار النبوءة خاصة من الكتب المقدّسة وتقاييده عليها. ومعنى {مِنْ لَدنكَ} أنه من عند الله عندية خاصة، لأنّ المتكلّم يعلم أنّ كلّ شيء من عند الله بتقديره وخلقه الأسْباب ومسبباتها تبعاً لخلقها، فلما قال {من لدنك} دلّ على أنه سأل ولياً غير جارٍ أمره على المعتاد من إيجاد الأولاد لانعدام الأسباب المعتادة، فتكون هبته كرامة له. ويتعلّق {لِي} و {مِن لَّدُنكَ} بفعل {هَبْ}. وإنما قدم {لِي} على {مِن لدُنكَ} لأنه الأهم في غرض الداعي، وهو غرض خاص يقدم على الغرض العام. و {ءَال يَعْقُوبَ} يجوز أن يراد بهم خاصة بني إسرائيل كما يقتضيه لفظ {آل} المشعر بالفضيلة والشرف، فيكون يعقوب هو إسرائيل؛ كأنه قال: ويرث من آل إسرائيل، أي حملة الشريعة وأحْبار اليهودية كقوله تعالى: {فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة} [النساء: 54]، وإنما يذكر آل الرجل في مثل هذا السياق إذا كانوا على سننه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه} [آل عمران: 68] وقولِه: {ذرية من حملنا مع نوح} [الإسراء: 3]، مع أن الناس كلهم ذرية من حملوا معه.

زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :

أما الطلب الثاني فهو أنه خصه بأن يكون مرضيا، أي تكون سجاياه وأعماله وأخلاقه مرضية مستقيمة، ولذا قال تعالى: {وجعله رب رضيا}، {رضيا} هنا فعيل بمعنى مفعول، أي اجعله مرضيا عندك، أي أن أخلاقه وأفعاله وصفاته المكتسبة موضع رضا منك، ولم يقل: وكن راضيا عنه، لأنه يطلب ما يطلب في خلق الولي وتكوينه، أي اجعله في تكوينه محاولا رضاك، وأن ترضى عنه، بحيث يتخذ الأسباب لينال رضاك أنت العليم الحكيم فلا يكون شقيا، ولا يكون عصيا بل يكون رضيا منك، ولم يقل: وكن راضيا عنه، لأنه يطلب ما يطلب في خلق الولي وتكوينه، أي اجعله في تكوينه محاولا رضاك، وأن ترضى عنه، بحيث يتخذ الأسباب لينال رضاك أنت العليم الحكيم فلا يكون شقيا، ولا يكون عصيا بل يكون رضيا برا تقيا.

تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :

{يرثني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ} ليكون امتداداً للخط الرسالي الذي يدعو إلى الله، ويعمل له، ويجاهد في سبيله، ولتستمر به الرسالة في روحه وفكره وعمله...

كلمة يرثني ظاهرةٌ بحسب طبيعة اللفظ في معناه الحقيقي في إرث المال الذي لم يكن ملحوظاً كهمٍّ من هموم زكريا في دعائه هذا؛ بل كان وارداً على سبيل الإشارة إلى الولد في خصائصه العائلية من حيث أنه وارث لأبيه، لأن ذلك هو الذي يعين كلمة {وَلِيّاً} بالولد الصلبي. ومما يؤيد ذلك أنه أهمل ذكر الإرث في آية سورة آل عمران في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} [آل عمران: 38]، حيث اقتصر على كلمة {ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً} ولم يلحقها بكلمة الإرث، لأنها تختزن في داخل معناها ذلك، لأن الذرية وارثة لأبيها. وربما كان ذكر آل يعقوب باعتباره من هذه العائلة، فكأنه يثير المسألة على أساس امتداد النسب الذي يتحقق بالولد الذي يرث أباه وعائلته. {وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيّاً} مرضياً عندك من خلال إيمانه وعمله الصالح، وجهاده في سبيلك، ودعوته إليك، لتكون حياته في مستوى الرضا لديك. فهذا ممّن يمكن أن يسدّ الفراغ، ويحمل العبء، ويتحمل مسؤولية الساحة كلها كما تحب وترضى.