نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي  
{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا} (6)

{ يرثني } في جميع ما أنا فيه من العلم والنبوة والعمل { ويرث } زيادة على ذلك { من ءال يعقوب } جدنا مما خصصتهم به من المنح ، وفضلتهم به من النعم ، من محاسن الأخلاق ومعالي الشيم ، وخص اسم يعقوب اقتداء به نفسه إذ قال ليوسف عليهما الصلاة والسلام{ ويتم نعمته عليك وعلى ءال يعقوب{[47774]} }[ يوسف : 6 ] ولأن إسرائيل صار علماً على الأسباط كلهم ، وكانت قد غلبت عليهم الأحداث ؛ وقد استشكل القاضي العضد{[47775]} في " الفوائد الغياثية " كونَ { يرث } على قراءة الرفع صفة بأنه يلزم عليه عدم إجابة دعائه عليه الصلاة والسلام لأن يحيى عليه السلام قتل في حياته ، ولا يكون وارثاً إلا إذا تخلف بعده ، وقد قال تعالى{ فاستجبنا له ووهبنا له يحيى{[47776]} }[ الأنبياء :90 ] قال : فتجعل{[47777]} استئنافية ، ولا يلزم حينئذ إلا خلف ظنه عليه السلام - هكذا نقل لي عنه ، وأنا أجلّه{[47778]} عن ذلك ، لأنه لا{[47779]} يلزم تخلف دعائه ولا يتجرأ على عليّ{[47780]} مقامه بإخلاف ظنه ، لأن الإخبار عن قتله قبله إن كان عن النبي صلى الله عليه وسلم وصح السند ، كان تسمية{[47781]} العلم الذي أخذه عنه في حياته إرثاً مجازاً مرسلاً باعتبار ما يؤول إليه في الجملة ، لا سيما مع جواز أن يكون يحيى عليه السلام علَّمه لمن عاش بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العلم إرثاً على وجه الاستعارة التبعية بقوله عليه الصلاة والسلام " العلماء ورثة الأنبياء{[47782]} " ولا شك أن{[47783]} من ضرورة تعلم العلم حياة المأخوذ عنه ، ولم يرد منع من تسميته إرثاً حال الأخذ ، هذا إذا صح أن يحيى عليه السلام مات قبل زكريا عليه السلام ، وحينئذ يؤول { من وراءي } بما غاب عنه ، أي عجزت عن تتبع{[47784]} أفعال الموالي بنفسي في حال الكبر ، وخفت سوء فعلهم إذا خرجوا من عندي وغابوا عني ، فهب لي ولداً يكون متصفاً بصفاتي ، فكان ما سأله ، وإن لم يصح موته قبله بالطريق المذكور{[47785]} لم يصح أصلاً ، وينتفي الاعتراض رأساً ، فإن التواريخ القديمة إنما هي عن اليهود فهي لا شيء ، مع أن البغوي نقل في أول تفسير{[47786]} سورة بني إسرائيل{[47787]} ما يقتضي موت زكريا قبل يحيى عليهما الصلاة والسلام ، فإنه قال : آخر من بعث الله فيهم من أنبيائهم زكريا ويحيى وعيسى عليهم الصلاة والسلام ، وكانوا من بيت آل داود عليه السلام فمات زكريا عليه السلام ، وقيل : قتل ، فلما رفع الله عيسى عليه الصلاة والسلام من بين أظهرهم وقتلوا يحيى ابتعث{[47788]} الله عليهم ملكاً من ملوك بابل يقال له خردوش{[47789]} فسار إليهم{[47790]} بأهل بابل حتى دخل عليهم الشام ، فلما ظهر عليهم أمر رأساً من رؤوس جنوده يدعى بيوزردان{[47791]} صاحب الفيل فقال : إني كنت قد حلفت بإلهي : لئن أنا ظهرت{[47792]} على أهل بيت المقدس لأقتلنهم حتى تسيل دماؤهم في وسط عسكري إلا أن لا أجد أحداً أقتله ، فأمره أن يقتلهم حتى يبلغ ذلك منهم ، وأن بيوزردان{[47793]} دخل بيت المقدس فقام في البقعة التي كانوا يقربون فيها قربانهم ، فوجد فيها دماً يغلي فقال : يا بني إسرائيل ! ما شأن هذا الدم يغلي{[47794]} ؟ قالوا : هذا دم قربان لنا قربناه فلم يقبل منا ، فقال : ما صدقتموني ، قالوا : لو كان كأول {[47795]} زماننا لتقبل منا ، ولكن قد انقطع منا الملك والوحي فلذلك لم يقبل منا ، فذبح منهم بيوزردان على ذلك الدم سبعمائة{[47796]} وسبعين رجلاً{[47797]} من رؤوسهم فلم يهدأ ، فأتى بسبعمائة غلام من غلمانهم فذبحهم على الدم فلم يهدأ ، فأمر بسبعة آلاف من شيبهم{[47798]} وأزواجهم فذبحهم على الدم فلم يبرد ، فلما رأى بيوزردان أن الدم لا يهدأ قال لهم : يا بني إسرائيل ! ويلكم ! أصدقوني واصبروا على{[47799]} أمر ربكم ، فقد طال ما ملكتم الأرض تفعلون فيها ما شئتم قبل أن لا أترك منكم نافخ نار أنثى ولا ذكر إلا قتلته ، فلما رأوا الجد وشدة القتل صدقوا الخبر{[47800]} فقالوا : إن هذا دم نبي كان ينهانا عن أمور كثيرة من سخط الله عز وجل ، فلو أطعناه{[47801]} فيها لكان أرشد لنا ، وكان يخبرنا بأمركم فلم نصدقه فقتلناه{[47802]} فهذا دمه ، فقال لهم بيوزردان : ما كان اسمه ؟ قالوا : يحيى بن زكريا ، قال : الآن صدقتموني ، بمثل هذا ينتقم{[47803]} منكم ربكم ، فلما رأى بيوزردان أنهم صدقوه خر ساجداً{[47804]} وقال لمن حوله : أغلقوا أبواب المدينة وأخرجوا من كان ههنا من جيش خردوش ، و{[47805]}خلا في بني إسرائيل{[47806]} ، ثم قال : يا يحيى بن زكريا ! قد علم ربي وربك ما قد أصاب قومك من أجلك وما قتل منهم فاهدأ بإذن الله قبل أن لا أبقي من قومك أحداً ، فهدأ الدم بإذن الله تعالى ، ورفع بيوزردان عنهم القتل وقال : آمنت بالذي{[47807]} آمن به بنو إسرائيل وأيقنت أنه لا رب غيره ، وقال لبني إسرائيل : إن خردوش{[47808]} أمرني أن أقتل منكم حتى تسيل دماؤكم وسط عسكره ، وإني لست أستطيع أن أعصيه{[47809]} ، قالوا له{[47810]} : افعل ما أمرت به ، فأمرهم فحفروا خندقاً وأمر بأموالهم من الخيل والبغال والحمير والإبل والبقر والغنم ، فذبحها حتى سال الدم في العسكر ، وأمر بالقتلى الذين قتلوا قبل ذلك فطرحوا على ما قتل من مواشيهم ، فلم يظن خردوش إلا أن ما في الخندق من بني إسرائيل ، فلما بلغ الدم عسكره أرسل إلى بيوزردان أن ارفع عنهم القتل ، ثم انصرف إلى بابل وقد أفنى بني إسرائيل أو كاد .

فهذا كما ترى ظاهر في أن يحيى تخلف بعد أبيه عليهما الصلاة والسلام وكذا ما تقدم في آل عمران عن الإنجيل في قصة ولادته .

ولما ختم دعاءه بقوله : { واجعله رب } أي أيها المحسن إلي{[47811]} { رضياً * } أي {[47812]}بعين الرضا منك{[47813]} دائماً حتى يلقاك على ذلك ،


[47774]:آية 6
[47775]:هو القاضي عضد الدين عبد الرحمن بن أحمد الإيجي المتوفى سنة 756، وكتابه منسوب إلى غياث الدين وزير سلطان محمد خدا بنده – راجع كشف الظنون.
[47776]:سورة 21 آية 90.
[47777]:من مد، وفي الأصل وظ: فيجعل.
[47778]:في هامش ظ: الضمير في "أجله" يرجع إلى القاضي العضد.
[47779]:زيد من ظ ومد.
[47780]:من ظ ومد وفي الأصل: علو.
[47781]:زيد من ظ ومد.
[47782]:والحديث من الاستفاضة بحيث لا يفتقر إلى تعليق.
[47783]:من مد، وفي الأصل وظ: أنه.
[47784]:من ظ ومد وفي الأصل: يسع.
[47785]:زيدت الواو بعده في الأصل ولم تكن في ظ ومد فحذفناها.
[47786]:زيد من ظ ومد.
[47787]:راجع معالم التنزيل على هامش اللباب 4 / 116.
[47788]:من ظ ومد وفي الأصل: انبعث، وفي المعالم: بعث.
[47789]:من المعالم وفي النسخ كلها: خردوس.
[47790]:من ظ ومد والمعالم وفي الأصل: فيهم.
[47791]:من ظ ومد وفي الأصل: بيوزوان وفي المعالم: بيوزاذان.
[47792]:في المعالم: ظفرت.
[47793]:هنا وفيما يأتي من المعالم: بيورزاذان.
[47794]:زيد من ظ ومد.
[47795]:من ظ ومد والمعالم، وفي الأصل: أول.
[47796]:من ظ ومد والمعالم، وفي الأصل: ماية.
[47797]:من المعالم وفي الأصل ومد: زوجا، وفي ظ: رفجا – كذا.
[47798]:من المعالم وفي النسخ كلها: سيبهم.
[47799]:زيد في الأصل: ما ولم تكن الزيادة في ظ ومد والمعالم فحذفناها.
[47800]:زيد من مد والمعالم.
[47801]:من ظ ومد والمعالم، وفي الأصل: طعناه – كذا.
[47802]:سقط من ظ.
[47803]:في المعالم: انتقم.
[47804]:زيد في الأصل: لله ولم تكن الزيادة في ظ ومد والمعالم فحذفناها.
[47805]:من ظ ومد والمعالم وفي الأصل: خلى من بنى.
[47806]:من ظ ومد والمعالم، في الأصل: خلى من بنى.
[47807]:من المعالم وفي النسخ: بما.
[47808]:من المعالم، وفي النسخ هنا وفيما يأتي: خردوس.
[47809]:من ظ ومد والمعالم، وفي الأصل: اغضبه.
[47810]:سقط من مد.
[47811]:زيد من ظ ومد.
[47812]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[47813]:سقط ما بين الرقمين من ظ.