عطف على الموصول الأول مفصولاً وموصولاً والمروي عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أنهم مؤمنو أهل الكتاب وحيث إن المتبادر من العطف أن الإيمان بكل من المنزلين على طريق الاستقلال اختص ذلك بهم لأن إيمان غيرهم بما أنزل من قبل إنما هو على طريق الإجمال والتبع للإيمان بالقرآن لا سيما في مقام المدح ، وقد دلت الآيات والأحاديث على أن لأهل الكتاب أجرين بواسطة ذلك وبهذا غايروا من قبلهم وقيل التغاير باعتبار أن الإيمان الأول بالعقل وهذا بالنقل أو بأن ذاك بالغيب وهذا بما عرفوه كما يعرفون أبناءهم { أولئك على هدى } [ البقرة : 5 ] حينئذ إشارة إلى الطائفة الأولى لأن إيمانهم بمحض الهداية الربانية { وأولئك هُمُ المفلحون } [ البقرة : 5 ] / إشارة إلى الثانية لفوزهم بما كانوا ينتظرونه أو بأن أولئك من حيث المجموع كان فيهم شرك وهؤلاء لم يشركوا ولم ينكروا ، وقيل التغاير بالعموم والخصوص مثله في قوله تعالى : { تَنَزَّلُ الملائكة والروح } [ القدر : 4 ] والتخصيص هنا بعد التعميم للإشارة إلى الأفضلية من حيثية إنهم يعطون أجرهم مرتين وقد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل وفي ذلك ترغيب أهل الكتاب في الدخول في الإسلام .
وقال بعضهم : إن هؤلاء هم الأولون بأعيانهم وتوسيط العطف جار في الأسماء والصفات باعتبار تغاير المفهومات ويكون بالواو والفاء وثم باعتبار تعاقب الانتقال في الأحوال والجمع المستفاد من الواو هنا واقع بين معاني الصفات المفهومة من المتعاطفين والإيمان الذي مع أولهما إجمالي وعقلي ومع ثانيها تفصيلي ونقلي وإعادة الموصول للتنبيه على تغاير القبيلين وتباين السبيلين وقد يعطف على { المتقين } [ البقرة : 2 ] والموصول غير مفصول لما يلزم على الوصل الفصلي بأجنبي بين المبتدأ وخبره والمعطوف ، والمعطوف عليه والتغاير بين المتعاطفين باعتبار أن المراد بالمعطوف عليه من آمن من العرب الذين ليسوا بأهل كتاب وبالمعطوف من آمن به صلى الله عليه وسلم من أهل الكتاب وقد رجح بعض المحققين احتمال أن يكون هؤلاء هم الأولون وتوسط الواو بين الصفات بأن الإيمان بالمنزلين مشترك بين المؤمنين قاطبة فلا وجه لتخصيصه بمؤمني أهل الكتاب والإفراد بالذكر لا يدل على أن الإيمان بكل بطريق الاستقلال فقد أفرد الكتب المنزلة من قبل في قوله تعالى : { قُولُواْ ءامَنَّا بالله وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إبراهيم } [ البقرة : 136 ] ولم يقتض الإيمان بها على الانفراد وبأن أهل الكتاب لم يكونوا مؤمنين بجميع ما أنزل من قبل لأن اليهود لم يؤمنوا بالإنجيل ودينهم منسوخ به وبأن الصفات السابقة ثابتة لمن آمن من أهل الكتاب فالتخصيص بمن عداهم تحكم وجعل الكلام من قبيل عطف الخاص على العام لا يلائم المقام .
وأجيب : أما أولاً فبأن المتبادر من السياق الإيمان بالاستقلال لا سيما في مقام المدح وإليه يشير ما جاء أنهم يؤتون أجرهم مرتين والخطاب في الآية للمسلمين بأن يقولوا دفعة ولم يعد فيها الإيمان والمؤمن فلا ترد نقضاً ، وأما ثانياً فلأن إيمان أهل الكتاب بكل وحي إنما هو بالنظر إلى جميعهم فاليهود اشتمل إيمانهم على القرآن والتوراة ، والنصارى اشتمل إيمانهم على الإنجيل أيضاً ويكفي هذا في توجيه المروي عمن شاهدوا نزول الوحي ولا يرغب عنه إذا أمكن توجيهه وكون المفهوم المتبادر ثبوت الحكم لكل واحد إن سلم لا يرده ولا يرد أن اليهود الذين آمنوا على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم لم يؤمنوا قبل ذلك بالتوراة وإلا لتنصروا لأن فيها نبوة عيسى كما فيها نبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ رقد ورد فيها إن الله جاء من طور سيناء وظهر بساعير وعلن بفاران وساعير بيت المقدس الذي ظهر فيه عيسى ، وفاران جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم لأنا نقول إنهم آمنوا بالتوراة وتأولوا ما دل منها على نبوة المسيح عليه السلام فبعض أنكر نبوته رأساً ورموه بما رموه وحاشاه وهم الكثيرون وبعض كالعنانية قالوا : إنه من أولياء الله تعالى المخلصين العارفين بأحكام التوراة وليس بنبي وهؤلاء قليلون مخالفون لسائر اليهود في السبت والأعياد ويقتصرون على أكل الطير والظباء والسمك والجراد وهذا الإيمان وإن لم يكن نافعاً في النجاة من النار إلا أنه يقلل الشر بالنسبة إلى الكفر بالتوراة وإنكارها بالكلية مع الكفر بعيسى عليه السلام وربما يمدحون بالنظر إلى أصل الإيمان بها وإن ذموا بحيثية أخرى وكأنه لهذا يكتفى منهم بالجزية ولم يكونوا طعمة للسيوف مطلقاً ، والقول بأنهم مدحوا بعد إيمانهم بالقرآن بالإيمان بالتوراة نظراً إلى أسلافهم الذين كانوا على عهد موسى عليه السلام فإنهم مؤمنون بها إيماناً صحيحاً على وجهها كما أنهم ذموا بما صنع آباؤهم على عهده على ما ينطق به كثير من الآيات ليس بشيء إذ لا معنى لإيتائهم أجرين حينئذٍ والفرق بين البابين واضح .
ثم النسخ الذي ادعاه المرجح خلاف ما ذكره الشهرستاني وغيره من أن الإنجيل لم يبين أحكاماً ولا استبطن حلالاً وحراماً ، ولكنه رموز وأمثال ومواعظ والأحكام محالة إلى التوراة ، وقد قال المسيح ما جئت لأبطل التوراة بل جئت لأكملها وهذا خلاف ما تقتضيه الظواهر ، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه ، وأما ثالثاً فلأن ثبوت الصفات لمن آمن من أهل الكتاب لا يضرنا لأنها مذكورة في الأول صريحاً وفي الثاني التزاماً ، وأما رابعاً فلأنا لا نسلم أن ذلك العطف لا يلائم المقام فنكات عطف الخاص على العام لا تخفى كثرتها على ذوي الأفهام فدع ما مر وخذ ما حلا ، وعندي بعد هذا كله أن الاعتراض ذكر والجواب أنثى لكن الرواية دعت إلى ذلك ولعل أهل مكة أدرى بشعابها وفوق كل ذي علم عليم على أن الدراية قد تساعده كما قيل بناءً على أن إعادة الموصول وتوصيفه بالإيمان بالمنزلين مع اشتراكه بين جميع المؤمنين واشتمال الإيمان بما أنزل إليك على الإيمان بما أنزل من قبلك يستدعي أن يراد به من لهم نوع اختصاص بالصلة وهم مؤمنو أهل الكتاب حيث كانوا مطالبين بالإيمان بالقرآن خصوصاً قال تعالى : { وَءامِنُواْ بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدّقًا لّمَا مَعَكُمْ } [ البقرة : 1 4 ] مؤمنين بالكتب استقلالاً في الجملة بخلاف سائر المؤمنين ، ثم المتبادر من أهل الكتاب أهل التوراة والإنجيل وحمله على أهل الإنجيل خاصة وقد آمن منهم أربعون واثنان وثلاثون جاءوا مع جعفر من أرض الحبشة وثمانية من الشام لا تساعده رواية ولا دراية كما لا يخفى ، والإنزال الإيصال والإبلاغ ولا يشترط أن يكون من أعلى خلافاً لمن ادعاه نحو : { فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ } [ الصافات : 177 ] أي وصل وحل وإنزال الكتب الإلهية قد مر في المقدمات ما يطلعك إلى معارجه ، وذكر أن معنى إنزال القرآن أن جبريل سمع كلام الله تعالى كيف شاء الله تعالى فنزل به أو أظهره في اللوح كتابة فحفظه الملك وأداه بأي نوع كان من الأداء .
وذهب بعض السلف إلى أنه من المتشابه الذي نجزم به من غير بحث عن كيفيته . وقال الحكماء : إن نفوس الأنبياء عليهم السلام قدسية فتقوى على الاتصال بالملأ الأعلى فينتقش فيها من الصور ما ينتقل إلى القوة المتخيلة والحس المشترك فيرى كالمشاهد وهو الوحي وربما يعلو فيسمع كلاماً منظوماً ويشبه أن نزول الكتب من هذا . وعندي أن هذا قد يكون لأرباب النفوس القدسية والأرواح الإنسية إلا أن أمر النبوة وراء ذلك وأين الثريا من يد المتناول .
وفعلاً الإنزال مبنيان للمفعول وقرأهما النخعي وأبو حيوة ويزد بن قطيب مبنيين للفاعل وقرئ شاذاً ( بما أنزل إليك ) بتشديد اللام ووجه ذلك أنه أسكن لام ( أنزل ) ثم حذف همزة إلى ونقل كسرتها إلى اللام فالتقى المثلان فأدغم . وضمير الفاعل قيل الله وقيل جبريل عليه السلام . وفي «البحر » أن فيه التفاتاً لتقدم { مّمّا رزقناهم } فخرج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغيبة ولو جرى على الأول لجاء بما أنزلنا إليك وما أنزلنا من قبلك وأتى سبحانه بصلة ( ما ) الأولى فعلاً ماضياً مع أن المراد بالمنزل جميعه لاقتضاء السياق ، والسباق له من ترتب الهدى والفلاح الكاملين عليه ولوقوعه في مقابلة ما أنزل قبل ولاقتضاء { يُؤْمِنُونَ } المنبئ عن الاستمرار والجميع لم ينزل وقت تنزل الآية لأمرين : الأول إنه تغليب لما وجد نزوله على ما لا يوجد فهو من قبيل إطلاق الجزء على الكل والثاني تشبيه جميع المنزل بشيء نزل في تحقق الوقوع لأن بعضه نزل وبعضه سينزل قطعاً فيصير إنزال مجموعه مشبهاً بإنزال ذلك الشيء الذي نزل فتستعار صيغة الماضي من إنزاله لإنزال المجموع ، هذا ما حققه من يعقد عند ذكرهم الخناصر وفيه دغدغة كبرى .
وأهون منه أن التعبير بالماضي هنا للمشاكلة لوقوع غير المتحقق في صحبة المتحقق ، وأهون من ذلك كله أن المراد به حقيقة الماضي ويدل على الإيمان بالمستقبل بدلالة النص . وما قيل من أن الإيمان بما سينزل ليس بواجب إلا أن حمله على الجميع أكمل فلذا اقتصر عليه لا وجه له إذ لا شبهة في أنه يلزم المؤمن أن يؤمن بما نزل وبأن كل ما سينزل حق وإن لم يجب تفصيله وتعيينه ، وقد ذكر العلماء أن الإيمان إجمالاً بالكتب المنزلة مطلقاً فرض عين وتفصيلاً بالقرآن المتعبد بتفاصيله فرض كفاية إذ لو كان فرض عين أدى إلى الحرج والمشقة والدين يسر لا عسر ، وهذا مما لا شبهة فيه حتى قال الدواني : يجب على الكفاية تفصيل الدلائل الأصولية بحيث يتمكن معه من إزالة الشبه وإلزام المعاندين وإرشاد المسترشدين ، وذكر الفقهاء أنه لا بد أن يكون في كل حد من مسافة القصر شخص متصف بهذه الصفة ويسمى المنصوب للذب ويحرم على الإمام إخلاؤها من ذلك كما يحرم إخلاؤها عن العالم بالأحكام التي يحتاج إليها العامة وقيل لا بد من شخص كذلك في كل إقليم وقيل يكفي وجوده في جميع البلاد المعمورة الإسلامية ولعل هذا التنزل لنزول الأمر وقلة علماء الدين في الدنيا بهذا العصر :
أمست يباباً وأمسى أهلها احتملوا *** أخنى عليها الذي أخنى على لبد
وإلى الله تعالى المشتكى وإليه الملتجى :
إلى الله أشكو إن في القلب حاجة *** تمر بها الأيام وهي كما هيا
والآخرة تأنيث الآخر اسم فاعل من أخر الثلاثي بمعنى تأخر وإن لم يستعمل كما أن الآخر بفتح الخاء اسم تفضيل منه وهي صفة في الأصل كما في { الدار الآخرة } ( القصص83 ) و{ يُنشِئ النشأة الآخرة } ( العنكبوت ؛0 2 ) ثم غلبت كالدنيا . والوصف الغالب قد يوصف به دون الاسم الغالب فلا يقال قيد أدهم للزوم التكرار في المفهوم وهو وإن كان من الدهمة إلا أنه يستعمله من لا تخطر بباله أصلاً فافهم . وقد تضاف الدار لها كقوله تعالى : { وَلَدَارُ الآخرة } [ يوسف : 109 ] أي دار الحياة الآخرة وقد يقابل بالأولى كقوله سبحانه وتعالى : { لَهُ الحمد فِي الأولى والآخرة } [ القصص : 70 ] والمعنى هنا الدار الآخرة أو النشأة الآخرة والجمهور على تسكين لام التعريف وإقرار الهمزة التي تكون بعدها للقطع ، وورش يحذف وينقل الحركة إلى اللام .
( والإيقان ) التحقق للشيء كسكونه ووضوحه يقال يقن الماء إذا سكن وظهر ما تحته وهو واليقين بمعنى خلافاً لمن وهم فيه . قال الجوهري : اليقين العلم وزوال الشك يقال منه يقنت بالكسر يقيناً وأيقنت واستيقنت كلها بمعنى ، وذهب الواحدي وجماعة إلى أنه ما يكون عن نظر واستدلال فلا يوصف به البديهي ولا علم الله تعالى .
وذهب الإمام النسفي وبعض الأئمة إلى أنه العلم الذي لا يحتمل النقيض ، وعدم وصف الحق سبحانه وتعالى به لعدم التوقيف ، وذهب آخرون إلى أنه العلم بالشيء بعد أن كان صاحبه شاكاً فيه سواء كان ضرورياً أو استدلالياً ، وذكر الراغب أن اليقين من صفة العلم فوق المعرفة والدراية وأخواتها يقال علم يقين ولا يقال معرفة يقين وهو سكون النفس مع ثبات الحكم ، وفي الأحياء والقلب إليه يميل أن اليقين مشترك بين معنيين : الأول عدم الشك فيطلق على كل ما لا شك فيه سواء حصل بنظر أو حس أو غريزة عقل أو بتواتر أو دليل هذا لا يتفاوت . الثاني : وهو ما صرح به الفقهاء والصوفية وكثير من العلماء وهو ما لا ينظر فيه إلى التجويز والشك بل إلى غلبته على القلب حتى يقال فلان ضعيف اليقين بالموت وقوي اليقين بإثبات الرزق فكل ما غلب على القلب واستولى عليه فهو يقين وتفاوت هذا ظاهر .
وقرأ الجمهور : { هُمْ يُوقِنُونَ } بواو ساكنة بعد الياء وهي مبدلة منها لأنه من أيقن وقرأ النميري بهمزة ساكنة بدل الواو وشاع عندهم أن الواو إذا ضمت ضمة غير عارضة كما فصل في العربية يجوز إبدالها همزة كما قيل في وجوه جمع وجه أجوه فلعل الإبدال هنا لمجاورتها للمضموم فأعطيت حكمه وقد يؤخذ الجار بظلم الجار ، وغاير سبحانه بين الإيمان بالمنزل والإيمان بالآخرة فلم يقل وبالآخرة هم يؤمنون دفعاً لكلفة التكرار أو لكثرة غرائب متعلقات الآخرة وما أعد فيها من الثواب والعقاب وتفصيل أنواع التنعيم والتعذيب ونشأة أصحابهما على خلاف النشأة الدنيوية مع إثبات المعاد الجسماني كيفما كان إلى غير ذلك مما هو أغرب من الإيمان بالكتاب المنزل حتى أنكره كثير من الناس وخلا عن تفاصيله على ما عندنا التوراة والإنجيل فليس في الأول على ما في شرح الطوالع ذكر المعاد الجسماني وإنما ذكر في كتب حزقيل وشعياء والمذكور في الإنجيل إنما هو المعاد الروحاني فناسب أن يقرن هذا الأمر المهم الغريب الذي حارت عقول الكثيرين في إثباته وتهافتوا على إنكاره تهافت الفراش على النار بالإيقان وهو هو إظهاراً لكمال المدح وإبداءً لغاية الثناء ، وتقديم المجرور للإشارة إلى أن إيقانهم مقصور على حقيقة الآخرة لا يتعداها إلى خلاف حقيقتها مما يزعمه اليهود مثلاً حيث قالوا : { لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُودًا } [ البقرة : 111 ] { وَلاَ تَمَسَّنَا النار إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَةً } [ البقرة : 80 ] وزعموا أنهم يتلذذون بالنسيم والأرواح إذ ليس ذلك من الآخرة في شيء وفي بناء يوقنوه على { هُمْ } إشارة إلى أن اعتقاد مقابليهم في الآخرة جهل محض وتخييل فارغ وليسوا من اليقين في ظل ولا فئ .
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{والذين يؤمنون}، يعني يصدقون. {بما أنزل إليك} يا محمد من القرآن أنه من الله نزل، {وما أنزل من قبلك} على الأنبياء، يعني التوراة والإنجيل والزبور. {وبالآخرة هم يوقنون} يعني يصدقون بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنه كائن.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
{وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ} أي يصدقونك بما جئت به من الله جل وعز، وما جاء به من قبلك من المرسلين، لا يفرقون بينهم ولا يجحدون ما جاءوهم به من عند ربهم...
أما الآخرة، فإنها صفة للدار، كما قال جل ثناؤه: (وَإِنّ الدّارَ الآخِرَةِ لَهِيَ الحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) وإنما وصفت بذلك لمصيرها آخرة لأولى كانت قبلها كما تقول للرجل: أنعمت عليك مرة بعد أخرى فلم تشكر لي الأولى ولا الاَخرة. وإنما صارت الاَخرة آخرة للأولى، لتقدم الأولى أمامها، فكذلك الدار الاَخرة سميت آخرة لتقدم الدار الأولى أمامها، فصارت التالية لها آخرة.
وقد يجوز أن تكون سميت آخرة لتأخرها عن الخلق، كما سميت الدنيا دنيا لدنوّها من الخلق.
وأما الذي وصف الله جل ثناؤه به المؤمنين بما أنزل إلى نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل إلى من قبله من المرسلين من إيقانهم به من أمر الاَخرة، فهو إيقانهم بما كان المشركون به جاحدين، من البعث والنشر والثواب والعقاب والحساب والميزان، وغير ذلك مما أعدّ الله لخلقه يوم القيامة...
عن ابن عباس:"وبالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ" أي بالبعث والقيامة والجنة والنار والحساب والميزان، أي لا هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بما كان قبلك، ويكفرون بما جاءك من ربك. وهذا التأويل من ابن عباس قد صرّح عن أن السورة من أولها، وإن كانت الآيات التي في أولها من نعت المؤمنين، تعريض من الله عز وجل بذم الكفار أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم بما جاءت به رسل الله عز وجل الذين كانوا قبل محمد صلوات الله عليهم وعليه مصدقون وهم بمحمد عليه الصلاة والسلام مكذبون، ولما جاء به من التنزيل جاحدون، ويدعون مع جحودهم ذلك أنهم مهتدون وأنه لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى. فأكذب الله جل ثناؤه ذلك من قيلهم بقوله: {الم ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى للْمُتّقِينَ الّذِينَ يُؤْمِنُونَ بالغَيْبِ وَيُقيمُونَ الصّلاةَ وممّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ وَالّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ}. وأخبر جل ثناؤه عباده أن هذا الكتاب هدى لأهل الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به المصدقين بما أنزل إليه وإلى من قبله من رسله من البينات والهدى خاصة، دون من كذب بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وادعى أنه مصدق بمن قبل محمد عليه الصلاة والسلام من الرسل وبما جاء به من الكتب.
ثم أكد جل ثناؤه أمر المؤمنين من العرب ومن أهل الكتاب المصدقين بمحمد عليه الصلاة والسلام وبما أُنزل إليه وإلى من قبله من الرسل بقوله: {أُولئِكَ على هدَىً مِنْ رَبّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ} فأخبر أنهم هم أهل الهدى والفلاح خاصة دون غيرهم، وأن غيرهم هم أهل الضلال والخسار...
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
في تقديم {وبالآخرة} وبناء {يُوقِنُونَ} على {هُمْ} تعريض بأهل الكتاب وبما كانوا عليه من إثبات أمر الآخرة على خلاف حقيقته، وأنّ قولهم ليس بصادر عن إيقان، وأن اليقين ما عليه من آمن بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك. والإيقان: إتقان العلم بانتفاء الشك والشبهة عنه.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
{يوقنون} معناه يعلمون علماً متمكناً في نفوسهم. واليقين أعلى درجات العلم، وهو الذي لا يمكن أن يدخله شك بوجه...
تفسير المنار لرشيد رضا 1354 هـ :
وبعد أن بين حال هذه الفرقة التي يكون الكتاب هدى لها، يخرجها من ظلمات الشك إلى نور اليقين، وينكب بها عن مهاب رياح الفكر إلى مستقر السكينة. ومستكن الطمأنينة، بما تتعرفه النفس من جانب القدس، عطف عليها بيان حال الفرقة التي اهتدت به فعلا، وصار إماما لها تتبعه في جميع أعمالها، دون أن تغمض عينها عنه. بعد أن أضاء لها ما أضاء منه، فقال عز من قائل. {والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون}.
أقول: روى عن ابن عباس (رضي الله عنه) أن المراد بالمؤمنين هنا من يؤمن بالنبي والقرآن من أهل الكتاب، وبالمؤمنين فيما قبلها من يؤمن من مشركي العرب. واختاره ابن جرير وآخرون. وعن مجاهد وأبي العالية والربيع بن أنس وقتادة أن المؤمنين في الآيتين قسم واحد، وهو كل مؤمن وإنما تعدد ما يؤمنون به. فالعطف فيهما عطف الصفات لا عطف الموصوفين.
هذه هي الطبقة الثانية، وأعيد لفظ {الذين} لتحقيق التمايز بين الطبقتين. وهذه الطبقة أرقى من الطبقة الأولى، لأن أوصافها تقتضي الأوصاف التي أجريت على تلك وزيادة، فالقرآن يكون هدى لها بالأولى، ومعنى كونه هدى لها: أنه يكون إمامها في أعمالها وأحوالها، لا تحيد عن النهج الذي نهجه لها، كما ذكرنا.
ما كل من أظهر الإيمان بما ذكر مهتد بالقرآن. فالمؤمنون بالقرآن على ضروب شتى، ونرى بيننا كثيرين ممن إذا سئل عن القرآن قال: هو كلام الله ولا شك ولكن إذا عرضت أعماله وأحواله على القرآن تراها مباينة له كل المباينة. والقرآن ينهى عن الغيبة والنميمة والكذب، وهو يغتاب ويسعى بالنميمة ولا يتأثم من الكذب. القرآن يأمر بالفكر والتدبر، وهو كما وصف القرآن المكذبين بقوله تعالى فيهم: {51: 11 الذين هم في غمرة ساهون} لا يفكر في أمر آخرته، ولا في مستقبله ولا مستقبل أمته، ولا يتدبر الآيات والنذر، ولا الحوادث والعبر.
إن المؤمن الموقن المذكور في الآية الكريمة هو الذي يزين أعماله وأخلاقه باستكمال ما هدي إليه من القرآن دائما، ويجعله معيارا يعرض عليه تلك الأعمال والأخلاق، ليتبين: هل هو مهتد به أم لا؟ مثال ذلك: الصلاة. يصفها القرآن بأنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وقال في المصلين {70: 19- 22 إن الإنسان خلق هلوعا * إذا مسه الشر جزوعا * وإذا مسه الخير منوعا * إلا المصلين}.
فبين أن الصلاة تقتلع الصفات الذميمة الراسخة التي تكاد تكون فطرية. فمن لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر. ولم تقتلع من نفسه جذور الجبن والهلع وتصطلم جراثيم البخل والطمع، فليعلم أنه ليس مصليا في عرف القرآن، ولا مستحقا لما وعد عباده الرحمان.
أما لفظ "الإنزال "فالمراد به ما ورد من جانب الربوبية الرفيع الأعلى، وأوحى إلى العباد من الإرشاد الإلهي الأسمى، وسمي إنزالا لما في جانب الألوهية من ذلك العلو. علو الرب على المربوب، والخالق على المخلوقين، الذين لا يخرجون بالتكريم والاصطفاء عن كونهم عبيدا خاضعين. وقد سمى القرآن غير الوحي من إسداء النعم الإلهية إنزالا فقال {57: 25 وأزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس} فنكتفي بهذا من معنى الإنزال، وهو ما يفهمه كل عربي، من حاضر وبدوي.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
(والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك). وهي الصفة اللائقة بالأمة المسلمة، وارثة العقائد السماوية، ووارثة النبوات منذ فجر البشرية، والحفيظة على تراث العقيدة وتراث النبوة، وحادية موكب الإيمان في الأرض إلى آخر الزمان. وقيمة هذه الصفة هي الشعور بوحدة البشرية، ووحدة دينها، ووحدة رسلها، ووحدة معبودها.. قيمتها هي تنقية الروح من التعصب الذميم ضد الديانات والمؤمنين بالديانات ما داموا على الطريق الصحيح.. قيمتها هي الاطمئنان إلى رعاية الله للبشرية على تطاول أجيالها وأحقابها. هذه الرعاية البادية في توالي الرسل والرسالات بدين واحد وهدى واحد. قيمتها هي الاعتزاز بالهدى الذي تتقلب الأيام والأزمان، وهو ثابت مطرد، كالنجم الهادي في دياجير الظلام.
(وبالآخرة هم يوقنون).. وهذه خاتمة السمات. الخاتمة التي تربط الدنيا بالآخرة، والمبدأ بالمصير، والعمل بالجزاء؛ والتي تشعر الإنسان أنه ليس لقى مهملا، وأنه لم يخلق عبثا، ولن يترك سدى؛ وأن العدالة المطلقة في انتظاره، ليطمئن قلبه، وتستقر بلابله، ويفيء إلى العمل الصالح، وإلى عدل الله روحمته في نهاية المطاف.
واليقين بالآخرة هو مفرق الطريق بين من يعيش بين جدران الحس المغلقة، ومن يعيش في الوجود المديد الرحيب. بين من يشعر أن حياته على الأرض هي كل ما له في هذا الوجود، ومن يشعر أن حياته على الأرض ابتلاء يمهد للجزاء، وأن الحياة الحقيقية إنما هي هنالك، وراء هذا الحيز الصغير المحدود.
وكل صفة من هذه الصفات -كما رأينا- ذات قيمة في الحياة الإنسانية، ومن ثم كانت هي صفات المتقين. وهناك تساوق وتناسق بين هذه الصفات جميعا، هو الذي يؤلف منها وحدة متناسقة متكاملة. فالتقوى شعور في الضمير، وحالة في الوجدان، تنبثق منها اتجاهات وأعمال؛ وتتوحد بها المشاعر الباطنة والتصرفات الظاهرة؛ وتصل الإنسان بالله في سره وجهره. وتشف معها الروح فتقل الحجب بينها وبين الكلي الذي يشمل عالمي الغيب والشهادة، ويلتقي فيه المعلوم والمجهول. ومتى شفت الروح وانزاحت الحجب بين الظاهر والباطن، فإن الإيمان بالغيب عندئذ يكون هو الثمرة الطبيعية لإزالة الحجب الساترة، واتصال الروح بالغيب والاطمئنان إليه. ومع التقوى والإيمان بالغيب عبادة الله في الصورة التي اختارها، وجعلها صلة بين العبد والرب. ثم السخاء بجزء من الرزق اعترافا بجميل العطاء، وشعورا بالإخاء. ثم سعة الضمير لموكب الإيمان العريق، والشعور بآصرة القربى لكل مؤمن ولكل نبي ولكل رسالة. ثم اليقين بالآخرة بلا تردد ولا تأرجح في هذا اليقين.. وهذه كانت صورة الجماعة المسلمة التي قامت في المدينة يوم ذاك، مؤلفة من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار. وكانت هذه الجماعة بهذه الصفات شيئا عظيما. شيئا عظيما حقا بتمثل هذه الحقيقة الإيمانية فيها. ومن ثم صنع الله بهذه الجماعة أشياء عظيمة في الأرض، وفي حياة البشر جميعا.. ومن ثم كان هذا التقرير: (أولئك على هدى من ربهم، وأولئك هم المفلحون)
زهرة التفاسير - محمد أبو زهرة 1394 هـ :
{والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون} بعد هذه الأوصاف الذاتية التي يؤمنون فيها بالغيب، فتخشع قلوبهم لذكر الله، ويقيمون الصلاة فتتجه قلوبهم إليه، وينفقون مما رزقهم الله تعالى على أنفسهم وعلى عباد الله تعالى إنفاقا في غير تبذير أو إسراف. بعد ذلك بين الله تعالى أن من صفات هؤلاء المتقين أنهم من أجل صفاتهم أنهم يؤمنون برسالات الله إلى خلقه بالكتب المنزلة التي أنزلها قبل القرآن، وبالقرآن المنزل من عند الله العلي الحكيم، ويؤمنون بالشرائع التي جاءت في القرآن الكريم وفي الكتب التي أنزلت، لا يفرقون بين أحد من رسله، ولا بين كتاب من كتبه إلا أن يكون قد نسخ الله تعالى بعض أحكام في كتب أنزلها.
فقوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} هم المتقون الذين يؤمنون ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون، وتكرار (الاسم) الموصول في قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} لا يدل على المغايرة فيمن نزلت فيهم الآيات، إنما يدل على المغايرة في الصفات، وإن كان الموصوف واحدا...
وقد ادعى بعض المفسرين أن قوله تعالى: {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} إلى آخر الآية. إنما نزلت في اليهود الذين آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم: كعبد الله بن سلام وغيره، وينطبق عليهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وآمن بي، ورجل مملوك أدى حق الله تعالى وحق مواليه، ورجل أدب جاريته، فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها) 108.
والحق أن فصل {والذين يؤمنون بما أنزل إليك} عن سياق ما قبلها من غير دليل – مخالفة لظاهر السياق من غير باعث يبعث على ذلك، والسياق واضح متسق على أن ذلك كله وصف للمتقين، فهم لإيمانهم بالحق، وخشوع قلوبهم يتقبلون الهدايات السماوية مذعنين غير معاندين ولا منحرفين، وإن المتقين يشملون من اتصف بتقوى الله تعالى مصغين إلى تكليفه، مؤمنين بغيبه مقرين بحق عباده، وهم من كل خلق الله، لا فرق بين عربي وكتابي، ولا من كان أصلا وثنيا، أو كان يهوديا أو نصرانيا؛ فمن اتقى الله واستقام على الجادة وآمن بالغيب واتجه إلى ربه، فالآية تشتمل عليه، ولا يخرج عنها، فالعموم أولى وأوفق مع السياق من الخصوص.
والذي أنزل إليك في قوله تعالى: {يؤمنون بما أنزل إليك} هو القرآن الكريم، وما اشتمل عليه من تكليفات وشرائع، وما جاء به من أخبار الماضين، وقصص الغابرين، ولقد قيل إن القرآن لم يكن قد نزل كله، فكيف يكون الإيمان به قبل نزوله كله، وإنه يرد ذلك القيل بأن بعض القرآن قرآن في دلائل إعجازه، وأن الإيمان بالجزء إيمان بالكل، وأنه يصح أن يطلق سماع القرآن على سماع بعضه، كما قال تعالى عن سماع الجن للقرآن، إذ قال: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن... (29)} [الأحقاف] وما سمعوا إلا جزءا منه.
وإنه لا وجه للاعتراض بأن القرآن لم يكن قد نزل إلا بعضه، لأن الله تعالى يقول: {يؤمنون بما أنزل إليك} وقد ابتدأ النزول، فابتداء التنزيل المستمر نزول له كله، كما قال تعالى: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن... (185)} [البقرة] فما نزل فيه إلا أوله، ولكنه مستمر التنزيل إلى أن كمل الدين.
وإن الآية الكريمة تبين أن الإيمان الكامل بمحمد صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من شرائع يتقاضى المؤمن أن يكون مؤمنا بكل النبيين السابقين وشرائعهم كما قال تعالى: {والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم... (152)} [النساء] ولقد روى في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تكذبوهم ولا تصدقوهم، ولكن قولوا آمنا بالذي أنزل إلينا، والذي أنزل إليكم) 109.
وإن الإسلام دين الوحدانية، ودين الوحدة الإنسانية، ودين الرسالة الإلهية التي لا تفرق بين نبي ونبي إلا في آيات الله تعالى المثبتة للرسالة التي تخص كل نبي، وكلها يجب الإيمان به وتصديقه، ومن لم يصدق فقد كفر.
ولقد قرر الله سبحانه وتعالى أن شأن أولئك المتقين {الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون} فهذا ما جاءت به الديانات الإلهية كلها، فأساس الإيمان في هذه الأديان، وفي كل دين حق أن يؤمن بأن الحياة الآخرة هي المآل، وأن الحياة الدنيا سبيل إلى الحياة الآخرة، ذلك أن هذه الحياة فيها تنازع الخير والشر، وأنه معتركها، وأن الشر كثيرا ما ينتصر على الخير فيها، فلا بد للخير من أمل يكون فيه الانتصار للخير، وتجزى كل نفس ما كسبت؛ ولذلك كان الإيمان بالآخرة، إيمانا بانتصار الخير على الشر؛ ولذلك قال تعالى: {قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله... (31)} [الأنعام].
وقوله تعالى: {وبالآخرة هم يوقنون}، فيه الإيقان مصدر أيقن، وهو إحكام العلم وإتقانه، بحيث لا يكون شك ولا ريب في أية ناحية من نواحيه، ولا أي حقيقة من حقائقه، وبمقدار قوة الإيمان بالآخرة تكون قوة الإيمان فمن كان مؤمنا بربه حق الإيمان كان مؤمنا بالآخرة كأنها عيان.
وقد أكد سبحانه ضرورة الإيمان بها في تقديم الجار والمجرور على الفعل، فإن التقديم فيه مزيد من الاهتمام بهذا اليقين، واختصاص، أي أنه لا يؤمن إلا بالحياة الآخرة، وما فيها من جنة ونعيم، وبعث وحساب، وجحيم، كأنه رأي العين، وأن الحياة الدنيا ليست موضع إيمان، فالحياة الآخرة وحدها هي الجديرة بالإيمان، وكان التأكيد بكلمة {هم} فهو تصوير لليقين بصورة الجملة الاسمية، والجملة الاسمية تدل على بقاء اليقين واستمراره بحيث لا يضطرب ولا يتزعزع ولا ينسى ذلك اليوم أبدا.
وقد يقال ما موضع {وبالآخرة هم يوقنون} من قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب}؟ ونقول في ذلك إن قوله تعالى: {يؤمنون بالغيب} كما فهمنا، وكما ذكرنا فيه أنهم لا يؤمنون بأن الوجود مادة، ليس فيما وراءه وجود، كأولئك الملاحدة الذين يظنون أن المادة هي "الموجود "وحدها، بدون أن يكون وراءها ما يؤمنون به، فذكر الله سبحانه وتعالى أن النفس التقية الخاشعة الخاضعة، لا تقول: خلقنا الله عبثا، بل تدرك بالفطرة أن وراء المادة معنى وحياة.
أما قوله تعالى {وبالآخرة هم يوقنون} فهي تخصيص من العموم والله ولي المؤمنين في الدنيا والآخرة.