{ وَلَهُ مَن في السموات والأرض } استئناف مقرر لما قبله من خلقه تعالى لجميع مخلوقاته على حكمه بالغة ونظام كامل وأنه سبحانه يحق الحق ويزهق الباطل ، وقيل هو عديل لقوله تعالى : { وَلَكُمُ الويل } وهو كما ترى أي وله تعالى خاصة جميع المخلوقات خلقاً وملكاً وتدبيراً وتصرفاً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابة من غير أن يكون لأحد في ذلك دخل ما استقلالاً واستتباعاً ، وكأنه أريد هنا إظهار مزيد العظمة فجىء بالسموات جميعاً على معنى له كل من هو في واحدة واحدة من السموات ولم يرد فيما مر سوى بيان اشتمال هذا السقف المشاهد والفراش الممهد وما استقر بينهما على الحكم التي لا تحصى فلذا جىء بالسماء بصيغة الإفراد دون الجمع .
وفي الاتقان حيث يراد بالعدد يؤتى بالسماء مجموعة وحيث يراد الجهة يؤتى بها مفردة { وَمَنْ عِندَهُ } وهم الملائكة مطلقاً عليهم السلام على ما روي عن قتادة وغيره ، والمراد بالعندية عندية الشرف لا عندية المكان وقد شبه قرب المكانة والمنزلة بقرب المكان والمسافة فعبر عن المشبه بلفظ دال على المشبه به فهناك استعارة مصرحة .
وقيل عبر عنهم بذلك تنزيلاً لهم لكرامتهم عليه عز وجل منزلة المقربين عند الملوك بطريق التمثيل ، والموصول مبتدأ خبره قوله تعالى : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ } أي لا يتعظمون عنها ولا يعدون أنفسهم كبراء { وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ } أي لا يكلون ولا يتعبون يقال حسر البعير واستحسر كل وتعب وحسرته أنا فهو متعد ولازم ويقال أيضاً أحسرته بالهمز .
والظاهر أن الاستحسار حيث لا طلب كما هنا أبلغ من الحسور فإن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى ، والمراد من الاتحاد بينهما الدال عليه كلامهم الاتحاد في أصل المعنى ، والتعبير به للتنبيه على أن عبادتهم بثقلها ودوامها حقيقة بأن يستحسر منها ومع ذلك لا يستحسرون وليس لنفي المبالغة في الحسور مع ثبوت أصله في الجملة ، ونظير ذلك قوله تعالى : { وَمَا رَبُّكَ بظلام لّلْعَبِيدِ } [ فصلت : 46 ] على أحد الأوجه المشهورة فيه .
وجوز أبو البقاء وغيره أن يكون ذلك معطوفاً على من الأولى وأمر تفسيره بالملائكة عليهم السلام على حاله ، وذكر أن هذا العطف لكون المعطوف أخص من المعطوف عليه في نفس الأمر كالعطف في قوله تعالى : { تَنَزَّلُ الملائكة والروح } [ القدر : 4 ] في الدلالة على رفعة شأن المعطوف وتعظيمه حيث أفرد بالذكر مع اندراجه في عموم ما قبله ، وقيل إنما أفرد لأنه أعم من وجه فإن من في الأرض يشمل البشر ونحوهم وهو يشمل الحافين بالعرش دونه ، وجوز أن يراد بمن عنده نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء والأرض ، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من الملائكة عليهم السلام متعال عن التبوء والاستقرار في السماء والأرض ، وكأن هذا ميل إلى القول بتجرد نوع من الملائكة عليهم السلام ، وأنت تعلم أن جمهور أهل الإسلام لا يقولون بتجرد شيء من الممكنات ، والمشهور عن القائلين به القول بتجرد الملائكة مطلقاً لا بتجرد بعض دون بعض .
ثم إن أبا البقاء جوز في قوله تعالى : { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } على هذا الوجه أن يكون حالاً من الأولى والثانية على قول من رفع بالظرف أو من الضمير في الظرف الذي هو الخبر أو من الضمير في { عِندَهُ } ويتعين أحد الأخيرين عند من يعرب من مبتدأ ولا يجوز مجيء الحال من المبتدأ ولا يخفى .
وجوز بعض الأفاضل أن تكون الجملة مستأنفة والأظهر جعلها خبراً لمن عنده ، وفي بعض أوجه الحالية ما لا يخفى
هذا ومن باب الإشارة : { وَمَنْ عِندَهُ } [ الأنبياء : 19 ] قيل هم الكاملون الذين في الحضرة فإنهم لا يتحركون ولا يسكنون إلا مع الحضور ولا تشق عليهم عبادة ولا تلهيهم عنه تعالى تجارة بواطنهم مع الحق وظواهرهم مع الخلق أنفاسهم تسبيح وتقديس وهو سبحانه لهم خير أنيس
تفسير مقاتل بن سليمان 150 هـ :
{وله من في السماوات والأرض} عبيده وفي ملكه وعيسى بن مريم، وعزير، والملائكة وغيرهم، ثم قال سبحانه: {ومن عنده} من الملائكة {لا يستكبرون} يعني: لا يتكبرون {عن عبادته ولا يستحسرون}، يعني: ولا يعيون.
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وكيف يجوز أن يتخذ الله لهوا، وله مُلك جميع من في السموات والأرض، والذين عنده من خلقه لا يستنكفون عن عبادتهم إياه ولا يَعْيَون من طول خدمتهم له، وقد علمتم أنه لا يستعبد والد ولده ولا صاحبته، وكل من في السموات والأرض عبيده، فأنى يكون له صاحبة وولد، يقول: أولا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم؟...
عن ابن عباس، قوله: وَلا يَسْتَحْسِرُونَ لا يرجعون...
قال ابن زيد... قال:"لا يستحسرون": لا يملّون ذلك الاستحسار، قال: ولا يفترون، ولا يسأَمون.
هذا كله معناه واحد والكلام مختلف، وهو من قولهم: بعير حَسِير: إذا أعيا وقام...
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
{وله من في السماوات والأرض} كأنه ذكر جوابا لقولهم وردا على وصفهم إياه بالذي وصفوه، فقال: {وله من في السماوات والأرض} كلهم عبيده وإماؤه، ولا أحد في الشاهد يتخذ لنفسه ولدا من عبيده وإمائه. فإذا لم تروا هذا في الخلق أنفا من ذلك واستنكافا فكيف قلتم ذلك في الله سبحانه؟ وأضفتم إليه؟
أو يخبر غناه عن الخلق بأن له من في السماوات والأرض، والولد في الشاهد إنما يطلب لحاجة تسبق. فإذا كان الله سبحانه وتعالى غنيا بذاته بما ذكر بأنه له كذا فلا حاجة تقع له إلى الولد، تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا.
وقوله تعالى: {ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون} يشبه أن يكون ذكر هذا لقولهم: الملائكة بنات الله، فأخبر أنهم ليسوا كما وصفتموهم، ولكنهم عبيد لي، وهن لا يستريحون عن عبادتي، ولا يفترون، ولم يدعوا هم ألوهية لأنفسهم. فكيف نسبتم الألوهية إليهم، وعبدتموهم دوني؟ أو أن يكون قال ذلك: إنكم إن استكبرتم عن عبادتي فلم يستكبر عنها من هو أرفع منزلة وأعظم قدرا منكم.
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
والاستحسار: الانقطاع من الاعياء، مأخوذ من قولهم حسر عن ذراعه إذا كشف عنه.
الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري 538 هـ :
{وَمَنْ عِندَهُ} هم الملائكة. والمراد أنهم مكرمون، منزلون -لكرامتهم عليه- منزلة المقرّبين عند الملوك على طريق التمثيل والبيان؛ لشرفهم وفضلهم على جميع خلقه.
فإن قلت: الاستحسار مبالغة في الحسور، فكان الأبلغ في وصفهم أن ينفي عنهم أدنى الحسور. قلت: في الاستحسار بيان أنّ ما هم فيه يوجب غاية لحسور وأقصاه، وأنهم أحقاء لتلك العبادات الباهظة بأن يستحسروا فيما يفعلون.
المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز لابن عطية 542 هـ :
قوله تعالى: {وله} يحتمل أن يكون ابتداء كلام يحتمل أن يكون معادلاً لقوله {ولكم الويل} [الأنبياء: 18] كأنه تقسيم الأمر في نفسه أي للمختلقين هذه المقالة الويل ولله تعالى {من في السموات والأرض} واللام في {له} لام الملك، وقوله تعالى: {من في السماوات} يعم الملائكة والنبيين وغيرهم، ثم خصص من هذا العموم من أراد تشريفه من الملائكة بقوله تعالى: {ومن عنده} لأن «عند» هنا ليست في المسافات إنما هي تشريف في المنزلة فوصفهم تعالى بأنهم {لا يستكبرون} عن عبادة الله ولا يسأمونها ولا يكلون فيها.
المسألة الأولى: في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان:
الأول: أنه تعالى لما نفى اللعب عن نفسه، ونفي اللعب لا يصح إلا بنفي الحاجة ونفي الحاجة لا يصح إلا بالقدرة التامة، لا جرم عقب تلك الآية بقوله: {وله من في السماوات والأرض} لدلالة ذلك على كمال الملك والقدرة.
الثاني: وهو الأقرب أنه تعالى لما حكى كلام الطاعنين في النبوات وأجاب عنها وبين أن غرضهم من تلك المطاعن التمرد وعدم الانقياد، بين في هذه الآية أنه تعالى منزه عن طاعتهم؛ لأنه هو المالك لجميع المحدثات والمخلوقات، ولأجل أن الملائكة مع جلالتهم مطيعون له خائفون منه فالبشر مع نهاية الضعف أولى أن يطيعوه.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
هكذا يقرر القرآن الكريم تلك الحقيقة للمشركين، الذين يتقولون على القرآن وعلى الرسول [صلى الله عليه وسلم] ويصفونه بالسحر والشعر والافتراء. وهو الحق الغالب الذي يدمغ الباطل، فإذا هو زاهق.. ثم يعقب على ذلك التقرير بإنذارهم عاقبة ما يتقولون: (ولكم الويل مما تصفون)..
ثم يعرض لهم نموذجا من نماذج الطاعة والعبادة في مقابل عصيانهم وإعراضهم. نموذجا ممن هم أقرب منهم إلى الله. ومع هذا فهم دائبون على طاعته وعبادته، لا يفترون ولا يقصرون:
(وله من في السماوات والأرض. ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون)..
ومن في السماوات والأرض لا يعلمهم إلا الله، ولا يحصيهم إلا الله. والعلم البشري لا يستيقن إلا من وجود البشر. والمؤمنون يستيقنون من وجود الملائكة والجن كذلك لذكرهما في القرآن. ولكننا لا نعرف عنهم إلا ما أخبرنا به خالقهم. وقد يكون هناك غيرهم من العقلاء في غير هذا الكوكب الأرضي، بطبائع وأشكال تناسب طبيعة تلك الكواكب. وعلم ذلك عند الله.
فإذا نحن قرأنا: (وله من في السماوات والأرض) عرفنا منهم من نعرف، وتركنا علم من لا نعلم لخالق السماوات والأرض ومن فيهن.
(ومن عنده) المفهوم القريب أنهم الملائكة. ولكننا لا نحدد ولا نقيد ما دام النص عاما يشمل الملائكة وغيرهم. والمفهوم من التعبير أنهم هم الأقرب إلى الله. فكلمة "عند "بالقياس إلى الله لا تعني مكانا، ولا تحدد وصفا.
(ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته) كما يستكبر هؤلاء المشركون (ولا يستحسرون) -أي يقصرون- في العبادة.
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
عطف على جملة {لو أردنا أن نتخذ لهواً لاتخذناه من لدّنا} [الأنبياء: 17] مبيِّنةٌ أن كل من في السماوات والأرض عباد لله تعالى مخلوقون لقبول تكليفه والقيامِ بما خلقوا لأجله، وهو تخلص إلى إبطال الشرك بالحجة الدامغة بعد الإفاضة في إثبات صدق الرسول صلى الله عليه وسلم وحجية القرآن.
فاللام في {وله} للملك، والمجرور باللام خبر مقدم. و {من في السموات} مبتدأ، وتقديم المجرور للاختصاص، أي له من في السماوات والأرض لا لغيره وهو قصر إفراد رداً على المشركين الذين جعلوا لله شركاء في الإلهية.
و {من في السماوات والأرض} يعم العقلاء وغيرهم وغُلِّب اسم الموصول الغالب في العقلاء لأنهم المقصود الأول.
وقوله تعالى {ومن عنده} يجوز أن يكون معطوفاً على {من في السماوات والأرض} فيكون من عطف الخاص على العام للاهتمام به. ووجه الاهتمام ظاهر وتكون جملة {لا يستكبرون عن عبادته} حالاً من المعطوف عليه.
ويجوز أن يكون {مَنْ عنده} مبتدأ وجملة {لا يستكبرون عن عبادته} خبراً.
وما صدَق (مَن) جماعة كما دل عليه قوله تعالى {لا يستكبرون} بصيغة الجمع.
{ومن عنده} هم المقربون في العوالم المفضلة وهم الملائكة.
وعلى كلا الوجهين في موقع جملة {لا يستكبرون عن عبادته} يكون المقصود منها التعريض بالذين يستكبرون عن عبادة الله ويعبدون الأصنام وهم المشركون.
والاستحسار: مصدر كالحُسور وهو التعب، فالسين والتاء فيه للمبالغة في الوصف كالاستكبار والاستنكار... أي لا يصدر منهم الاستحسار الذي هو التعب الشديد الذي يقتضيه عملهم العظيم، أي لا يقع منهم ما لو قام بعملهم غيرهم لاستحسر ثقلَ ذلك العمل، فعبر بالاستحسار هنا الذي هو الحسور القوي لأنه المناسب للعمل الشديد، ونفيه من قبيل نفي المقيد بقيد خرجَ مخرج الغالب في أمثاله. فلا يفهم من نفي الحسور القوي أنهم قد يحسرون حسوراً ضعيفاً. وهذا المعنى قد يعبر عنه أهل المعاني بأن المبالغة في النفي لا في المنفي.