{ يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة } استئناف مسوق لبيان ما يلقونه عند مشاهدة الملائكة عليهم السلام بعد استعظام طلبهم إنزالهم عليهم وبيان كونه في غاية الشناعة . وإنما قيل : يوم يرون دون أن يقال يوم تنزل الملائكة إيذاناً من أول الأمر بأن رؤيتهم لهم ليست على طريق الإجابة إلى ما طلبوه بل على وجه آخر لم يمر ببالهم . { وَيَوْمَ } منصوب على الظرفية بما يدل عليه قوله تعالى : { لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } فإنه في معنى لا يبشر يومئذٍ المجرمون والعدول إلى نفي الجنس للمبالغة في نفي البشرى فكأنه قيل لا يبشرون يوم يرون الملائكة ، وقدر بعضهم يمنعون البشرى أو يفقدونها والأول أبعد من احتمال توهم تهوين الخطب ، وقدر بعضهم لا بشرى قبل يوم وجعله ظرفاً لذلك ، وجوز أبو البقاء تعلقه بيعذبون مقدراً لدلالة { لاَ بشرى } الخ عليه وكونه معمولاً لا ذكر مقدراً قال : أبو حيان وهو أقرب .
وقال صاحب الفرائد : يمكن أن يكون منصوباً بينزل مضمراً لقولهم : { لولا أنزل علينا الملائكة } [ الفرقان : 21 ] كأنه قيل ينزل الملائكة يوم يرونهم ، ولا يقال : كيف يكون وقت الرؤية وقتاً للإنزال لأنا نقول : الظرف يحتمل ذلك لسعته واستحسنه الطيبي فقال هو قول لا مزيد عليه لأنه إذا انتصب بينزل يلتئم الكلامان لأن قوله تعالى : { يَوْمَ يَرَوْنَ } الخ نشر لقوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ } [ الفرقان : 21 ] الخ ، وقوله سبحانه : { وَقَدِمْنَا } [ الفرقان : 23 ] نشر لقوله عز وجل : { أَوْ نرى رَبَّنَا } [ الفرقان : 21 ] ولم يجوز الأكثرون تعلقه ببشرى المذكور لكونه مصدراً وهو لا يعمل متأخراً وكونه منفياً بلا ولا يعمل ما بعدها فيما قبلها . { وَيَوْمَئِذٍ } تأكيد للأول أو بدل منه أو خبر { وللمجرمين } تبيين متعلق بمحذوف كما في سقيا له أو خبر ثان أو هو ظرف لما يتعلق به اللام أو لبشرى إن قدرت منونة غير مبنية مع لا فإنها لا تعمل إذ لو عمل اسم لا طال وأشبه المضاف فينتصب .
وفي «البحر » احتمل بشرى أن يكون مبنياً مع لا واحتمل أن يكون في نية التنوين منصوب اللفظ ومنع من الصرف للتأنيث اللازم فإن كان مبنياً لا احتمل أن . يكون الخبر { يَوْمَئِذٍ } وللمجرمين خبر بعد خبر أو نعت لبشرى أو متعلق بما تعلق به الخبر ، وأن يكون { يَوْمَئِذٍ } صفة لبشرى والخبر { لّلْمُجْرِمِينَ } ويجىء خلاف سيبويه والأخفش هل الخبر لنفس لا أو للمبتدأ الذي هو مجموع ولا ما بنى معها . وإن كان في نية التنوين وهو معرب جاز أن يكون { يَوْمَئِذٍ } معمولاً لبشرى وأن يكون صفة والخبر { لّلْمُجْرِمِينَ } ، وجاز أن يكون { يَوْمَئِذٍ } خبراً { وللمجرمين } صفة ، وجاز أن يكون { فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ } خبر أو { لّلْمُجْرِمِينَ } خبراً بعد خبر والخبر إذا كان الاسم ليس مبنياً للا نفسها بالإجماع .
وقال الزمخشري : يومئذٍ تكرير ولا يجوز ذلك سواء أريد بالتكرير التوكيد اللفظي أم أريد به البدل لأن { يَوْم } منصوب بما تقدم ذكره من أذكر أو من يفقدون وما بعد لا العاملة في الاسم لا يعمل فيه ما قبلها وعلى تقديره يكون العامل فيه ما قبلها انتهى . ولا يخفى عليك ما في الاحتمالات التي ذكرها . وأما ما اعترض به على الزمخشري فتعقب بأن الجملة المنفية معمولة لقول مضمر وقع حالاً من الملائكة التي هي معمول ليرون { ويرون } معمول ليوم فلا وما في حيزها من تتمة الظرف الأول من حيث أنه معمولاً لبعض ما في حيزه ومثله لا يعد محذوراً مع أن كون لا لها الصدر مطلقاً أو إذا بنى معها اسمها ليس بمسلم عند جميع النحاة لأنها لكثرة دورها خرجت عن الصدارة فتأمل ، هذا ما وقفنا عليه للمتقدمين في إعراب الآية وما فيه من الجرح والتعديل .
وقال بعض العصريين : يجوز تعلق { لأيّ يَوْمٍ } بكبيراً وتقييد كبره بذلك اليوم ليس لنفي كبره في نفسه بل لظهور موجبه في ذلك اليوم ونظيره لزيد علم عظيم يوم يباحث الخصوم وتكون جملة { لاَ بشرى يَوْمَئِذٍ لّلْمُجْرِمِينَ } استئنافاً لبيان ذلك وهو كما ترى ، وأياً ما كان فالمراد بذلك اليوم على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يوم الموت ، وقال أبو حيان : الظاهر أنه يوم القيامة لقوله تعالى بعد : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ } [ الفرقان : 23 ] الخ وفيه نظر .
ونفي البشرى كناية عن إثبات ضدها كما أن نفي المحبة في مثل قوله تعالى : { فَإِنَّ الله لاَ يُحِبُّ الكافرين } [ آل عمران : 32 ] كناية عن البغض والمقت فيدل على ثبوت النذري لهم على أبلغ وجه ، والمراد بالمجرمين أولئك الذين لا يرجون لقاءه تعالى ، ووضع المظهر موضع ضميرهم تسجيلاً عليهم بالإجرام مع ما هم عليه من الكفر والعناد وإيذاناً بعلة الحكم ، ومن اعتبر المفهوم في مثله ادعى إفادة الآية عدم تحقق الحكم في غيرهم ، وقد دل قوله تعالى في حق المؤمنين : { تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملئكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ } [ فصلت : 30 ] الخ على حصول البشرى لهم ، وقيل : المراد بهم ما يعم العصاة والكفار الذين لا يرجون لقاءه تعالى ، ويفيد الكلام سلب البشرى عن الكفار على أتم وجه لدلالته على أن المانع من حصول البشرى هو الإجرام ولا إجرام أعظم من إجرام الذين لا يرجون لقاءه عز وجل ويقولون ما يقولون فهم أولى به . ولا يتم استدلال المعتزلة بالآية عليه في نفي العفو والشفاعة للعصاة لأنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات فيجوز أن يبشر العصاة بما ذكر في وقت آخر .
وتعقب بأن الجملة قبل النفي لكونها اسمية تفيد الاستمرار فبعد دخول النفي إرادة نفي استمرار البشرى للمجرمين بمعنى أن البشرى تكون لهم لكن لا تستمر مما لا يظن أن أحداً يذهب إليه فيتعين إرادة استمرار النفي كما في قوله تعالى في حق أضدادهم { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ يونس : 62 ] فحينئذٍ لا يتسنى قوله : إنها لا تفيد النفي في جميع الأوقات ، فالأولى أن يراد بالمجرمين من سمعت حديثهم { وَيَقُولُونَ } عطف على لا يبشرون أو يمنعون البشرى أو نحوه المقدر قبل { يَوْمٍ } .
وجوز أن يكون عطفاً على ما قبله باعتبار ما يفهم منه كأنه قيل : يشاهدون أهوال القيامة ويقولون ، وأن يكون عطفاً على { يَرَوْنَ } وجملة { لاَ بشرى } حال بتقدير القول فلا يضر الفصل به ، وضمير الجمع على ما استظهره أبو حيان لأنهم المحدث عنهم وحكاه الطبرسي عن مجاهد . وابن جريج للذين لا يرجون أي ويقول أولئك الكفرة { حِجْراً مَّحْجُوراً } وهي كلمة تقولها العرب عند لقاء عدو موتور وهجوم نازلة هائلة يضعونها موضع الاستعاذة حيث يطلبون من الله تعالى أن يمنع المكروه فلا يلحقهم فكأن المعنى نسأل الله تعالى أن يمنع ذلك منعاً ويحجره حجراً .
وقال الخليل : كان الرجل يرى الرجل الذي يخاف منه القتل في الجاهلية في الأشهر الحرم فيقول : حجراً محجوراً أي حرام عليك التعرض لي في هذا الشهر فلا يبدؤه بشر ، وقال أبو عبيدة : هي عوذة للعرب يقولها من يخاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة ، وقال أبو علي الفارسي : مما كانت العرب تستعمله ثم ترك قولهم حجراً محجوراً ، وهذا كان عندهم لمعنيين ، أحدهما : أن يقال عند الحرمان إذا سئل الإنسان فقال ذلك علم السائل أنه يريد أن يحرمه ، ومنه قول المتلمس :
حنت إلي النخلة القصوى فقلت لها *** حجر حرام ألا تلك الدهاريس
والمعنى الآخر الاستعاذة كان الإنسان إذا سافر فرأى ما يخاف قال : حجراً محجوراً أي حرام عليك التعرض لي انتهى . وذكر سيبويه { حِجْراً } من المصادر المنصوبة غير المتصرفة وأنه واجب إضمار ناصبها ، وقال : ويقول الرجل للرجل أتفعل كذا فيقول : حجراً وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ طالب من الله تعالى أن يمنع المكروه من أن يلحقه والأصل فيه فتح الحاء ، وقرىء به كما قال أبو البقاء لكن لما خصوا استعماله بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول فلما تغير معناه تغير لفظه عما هو أصله وهو الفتح إلى الكسر وقد جاء فيه الضم أيضاً وهي قراءة أبي رجاء . والحسن . والضحاك ويقال فيه حجري بألف التأنيث أيضاً ؛ ومثله في التغيير عن أصله قعدك الله تعالى بسكون العين وفتح القاف ، وحكى كسرها عن المازني وأنكره الأزهري وقعيدك وهو منصوب على المصدرية ، والمراد رقيبك وحفيظك الله تعالى ثم نقل إلى القسم فقيل قعدك أو قعيدك الله تعالى لا تفعل ، وأصله بإقعاد الله تعالى أي إدامته سبحانه لك وكذا عمرك الله بفتح الراء وفتح العين وضمها وهو منصوب على المصدرية ثم اختص بالقسم ، وأصله بتعميرك الله تعالى أي بإقرارك له بالبقاء ، وما ذكر من أنه لازم النصب على المصدرية بفعل واجب الإضمار اعترض عليه في «الدر المصون » بما أنشده الزمخشري :
قالت وفيها حيدة وذعر *** عوذ بربي منكم وحجر
فإنه وقع فيه مرفوعاً ، ووصفه بمحجوراً للتأكيد كشعر شاعر وموت مايت وليل أليل ، وذكر أن مفعولاً هنا للنسب أي ذو حجر وهو كفاعل يأتي لذلك ، وقيل : إنه على الإسناد المجازي وليس بذاك ، والمعنى أنهم يطلبون نزول الملائكة عليهم السلام وهم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم أشد كراهة وفزعوا منهم فزعاً شديداً ، وقالوا ما كانوا يقولونه عند نزول خطب شنيع وحلول بأس فظيع ، وقيل : ضمير يقولون للملائكة وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري . والضحاك . وقتادة . وعطية . ومجاهد على ما في «الدر المنثور » قالوا : إن الملائكة يقولون للكفار حجراً محجوراً أي حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعلها الله تعالى حراماً عليكم .
/ وفي بعض الروايات أنهم يطلبون البشرى من الملائكة عليهم السلام فيقولون ذلك لهم ، وقال بعضهم : يعنون حراماً محرماً عليكم الجنة وحكاه في «مجمع البيان » عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وقيل : الغفران ، وفي جعل { حِجْراً } نصباً على المفعولية لجعل مقدراً كما أشير إليه بحث ، والظاهر على ما ذكر أن إيراد هذه الكلمة للحرمان وهو المعنى الأول من المعنيين اللذين ذكرهما الفارسي { وَيَقُولُونَ } على هذا القول قيل معطوف على ما عطف عليه على القول بأن ضميره للكفرة ، وقيل : معطوف على جملة يقولون المقدرة قيل { لاَ بشرى } الواقعة حالاً .
وقال الطيبي : هو حال من { الملائكة } بتقدير وهم يقولون نظير قولهم : قمت وأصك وجهه وعلى الأول هو عطف على { يَرَوْنَ } .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: يوم يرى هؤلاء الذين قالوا:"لَولاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا المَلاَئِكَةُ أوْ نَرَى رَبّنَا" بتصديق محمد الملائكة، فلا بشرى لهم يومئذٍ بخير.
يقولُونَ "حِجْرا مَحْجُورا "يعني أن الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا، حراما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله... ومنه قولهم: حَجَر القاضي على فلان، وحَجَر فلان على أهله، ومنه حِجر الكعبة، لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه...
واختلف أهل التأويل في المخبر عنهم بقوله "وَيَقُولُونَ حِجْرا محْجُورا"، ومن قائلوه؟ فقال بعضهم: قائلو ذلك الملائكة للمجرمين نحو الذي قلنا فيه... وقال آخرون: ذلك خبر من الله عن قيل المشركين إذا عاينوا الملائكة... عن ابن جُرَيج "يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ للْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرا مَحْجُورا" قال ابن جُرَيج: كانت العرب إذا كرهوا شيئا قالوا: حجرا، فقالوا حين عاينوا الملائكة. قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: حِجْرا: عوذا، يستعيذون من الملائكة.
وإنما اخترنا القول الذي اخترنا في تأويل ذلك من أجل أن الحِجْر هو الحرام، فمعلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البُشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة، وليست بتحريم. ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة حرام عليكم، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
حرام البشرى للمجرمين، أو حرام عليهم الجنة أن يدخلوها. والحجر على هذا القول، هو الحرام.
لطائف الإشارات للقشيري 465 هـ :
اقترحوا شيئين: رؤيةَ الملائكةِ ورؤيةَ اللَّهِ، فأخبر أنهم يرون الملائكة عند التوفيِّ، ولكن تقول الملائكةُ لهم: {إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ!}. {حِجْراً مَّحْجُوراً}: أي حراماً ممنوعاً يعني رؤية الله عنهم، فهذا يعود إلى ما جرى ذكره، وحَمْلُه على ذلك أَوْلى من حَمْلِه على الجنة، ولم يجر لها هنا ذكْرٌ.
ثم فيه بشارة للمؤمنين بالرؤية لأنهم يرون الملائكة ويبشرونهم بالجنة، قال تعالى: {تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ} [فصلت:30] فكما لا تكون للكفار بشارة ٌ بالجنة وتكون للمؤمنين لا تكون الرؤيةُ للكفار وتكون للمؤمنين.
تفسير القرآن العظيم لابن كثير 774 هـ :
أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم، وذلك يَصْدُق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سَموم وحَميم، وظلِّ من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن، فيضربونه، كما قال الله تعالى: {وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50]. وقال: {وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} أي: بالضرب، {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93]؛ ولهذا قال في هذه الآية الكريمة: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ}، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنزلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ} [فصلت: 30 -31].
وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن:"اخرجي أيتها النفس الطيبة في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان"...
وقال آخرون: بل المراد بقوله: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ} يعني: يوم القيامة. قاله مجاهد، والضحاك؛ وغيرهما. ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين.
{وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} أي: وتقول الملائكة للكافرين حَرَام محرم عليكم الفلاح اليوم. وأصل "الحجر ": المنع، ومنه يقال: حَجَر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفَه، أو فَلَس، أو صغر، أو نحو ذلك. ومنه سمي "الحجْر "عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطُوَّاف أن يطوفوا فيه، وإنما يطاف من ورائه. ومنه يقال للعقل "حجر"؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق.
والغرض أن الضمير في قوله: {وَيَقُولُونَ} عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخُصَيف، وغير واحد. واختاره ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى- يعني ابن قيس -عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري: {وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا} قال: حراما مُحَرّما أن يُبَشَّر بما يبشر به المتقون. وقد حكى ابن جرير، عن ابن جُرَيْج أنه قال: ذلك من كلام المشركين: {يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ}، [أي: يتعوذون من الملائكة؛ وذلك أن العرب كانوا إذا نزل بأحدهم نازلة أو شدة] يقولون: {حِجْرًا مَحْجُورًا}. وهذا القول- وإن كان له مأخذ ووجه -ولكنه بالنسبة إلى السياق في الآية بعيد، لا سيما قد نص الجمهور على خلافه. ولكن قد روى ابنُ أبي نَجِيح، عن مجاهد؛ أنه قال في قوله: {حِجْرًا مَحْجُورًا} أي: عوذاً معاذاً. فيحتمل أنه أراد ما ذكره ابن جريج. ولكن في رواية ابن أبي حاتم، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد أنه قال: {حِجْرًا مَحْجُورًا} [أي]: عوذا معاذا، الملائكة تقُوله. فالله أعلم.
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي 885 هـ :
ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال: {يوم} وناصبه ما دل عليه "لا بشرى "{يرون الملائكة} أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار {لا بشرى} أي من البِشر أصلاً {يومئذ للمجرمين} أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار {ويقولون} أي في ذلك الوقت: {حجراً محجوراً} أي نطلب منعاً منكم ممنوعاً، أي مبالغاً في مانعيته، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم؛ قال أبو عبيدة: وهذا عوذة العرب، يقوله من خاف آخَرَ في الحرم أو في شهر حرامٍِ إذا لقيه وبينهما برة وقال سيبويه: يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمراً، فكأنه قال: أُحرّم ذلك حراماً محرماً، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل: أتفعل كذا وكذا؟ فيقول: حجراً أي ستراً وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل. وعبر بالمضارع إشارة إلى دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم، لعظيم روعتهم منهم، بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة.
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
ثم يسخر منهم بصدق وحق، إذ يطلعهم على الهول الذي ينتظرهم يوم يرون الملائكة -ورؤية الملائكة هي أقل الطلبين تطاولا- فإنهم لا يرون الملائكة إلا في يوم عصيب هائل، ينتظرهم فيه العذاب الذي لا طاقة لهم به، ولا نجاة لهم منه. ذلك هو يوم الحساب والعقاب:
(يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين. ويقولون: حجرا محجورا. وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا)..
يوم يتحقق اقتراحهم الذي اقترحوه: (يوم يرون الملائكة) يومئذ لا يبشر المجرمون ولكن يعذبون. فيالها من استجابة لما يقولون! يومئذ يقولون: (حجرا محجورا) أي حراما محرما. وهي جملة اتقاء للشر وللأعداء كانوا يقولونها استبعادا لأعدائهم وتحرزا من أذاهم. وهي تجري في ذلك اليوم على ألسنتهم بحكم العادة من الذهول حين يفاجأون. ولكن أين هم اليوم مما كانوا يقولون! إن الدعاء لا يعصمهم ولا يمنعهم:
التحرير والتنوير لابن عاشور 1393 هـ :
استئناف ثان جواب عن مقالتهم، فبعد إبداء التعجيب منها عُقّب بوعيد لهم، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءَه مطمع بالاستجابة وآخرَه مؤيس بالوعيد، فالكلام جرى على طريقة الغَيبة لأنه حكاية عن تورّكهم، والمقصود إبلاغه لهم حين يَسمعونه...
التيسير في أحاديث التفسير للمكي الناصري 1415 هـ :
هو رد على تحدي الكافرين الذين لا يؤمنون بيوم الدين، وجواب على قولهم، مقترحين رؤية الملائكة ورؤية ربهم: {لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا} فبين الحق سبحانه وتعالى أن الذي سألوه من رؤية الملائكة سيحقق في الوقت المقدر له، وذلك يوم الممات ويوم المعاد، لكنهم سيلقون منهم ما يكرهون، وسيفاجأون بما لم يكونوا يتوقعون، وسيندمون بالغ الندم على رغبتهم في رؤيا الملائكة، إذ لا يخبرونهم عند رؤيتهم إلا بالخيبة والخسران، لا بالبشرى والرضوان، وسيعلنون إليهم أنهم "عن ربهم محجوبون "لأنهم أجرموا في حق الله، وأعلنوا الحرب على الله.